إنّ صناعة السكك الحديدية في كثير من البلدان ليست مجرد وسيلة للنقل والتنقّل؛ بل تمثّل ركيزةً للتنمية الاقتصادية وجسراً يربط المدن بعضها ببعض.
وفي إيران أيضاً، لم يكن نشوء صناعة السكك الحديدية الحديثة مقتصراً على تصنيع العربات، بل أسهم في بناء المعرفة الهندسية، وتأهيل الكوادر المتخصصة، وتشكيل سلسلة صناعية متكاملة.
بدأت حكاية هذا المسار عام 1974، حين قررت إيران إنشاء مجمّع صناعي كبير لإنتاج أسطول السكك الحديدية وصيانته. وقد شُيّد هذا المجمّع، الذي أصبح لاحقاً إحدى أبرز شركات تصنيع العربات في إيران، وفق تصميم شركة أوروبية وبناءً على أحدث المعايير في ذلك الوقت. وكانت تخمّن أن تبلغ الطاقة المخططة للمجمّع تصنيع ألف عربة شحن، وصيانة أكثر من ألفين وخمسمائة عربة.
دخلت إلى البلاد تجهيزات متقدمة، غير أنّ التحولات السياسية في تلك المرحلة أدّت إلى توقّف المشروع. ومع انتصار الثورة الإسلامية، ترك الطرف الأجنبي العمل من دون إتمامه وغادر. ومع ذلك، حُفظت البنى التحتية، وزُرعت في ذلك المكان بذرةُ قفزة صناعيةٍ واعدة.
وبعد انسحاب الطرف الأجنبي، انتقلت مسؤولية مواصلة الطريق إلى عاتق المهندسين الإيرانيين. وكانت النتيجة تأسيس واحد من أكثر المصانع الصناعية تكاملاً في زمانه؛ مجمّع يضم عناصر حرارية لمنع تجمّد الأسقف، ومنظومة محلية لإنتاج الأكسجين والغازات الصناعية، وورشاً متخصصة لصناعة الأدوات والنجارة مجهّزة بمجففات للخشب. وقد عكست هذه المنظومة مستوى من التكامل والاكتفاء الذاتي لا يزال نادراً حتى اليوم في كثير من مصانع المنطقة.
وفي عام 1983، دخلت إيران مرحلة نقل تكنولوجيا تصنيع عربات الشحن. فتلقى المهندسون الإيرانيون تدريبات متخصصة، وعملوا وفق معايير دولية مثل UIC ,DIN وانتقلوا تدريجياً من دور منفّذي المخططات إلى مصممين مستقلين. وقد تجلّى هذا النضج الهندسي بوضوح في مراحل التعاون اللاحقة.
فعند تطوير عربات الركاب، لم يكتفِ الفريق الإيراني بتنفيذ المخططات، بل قدّم، استناداً إلى تحليل الإجهادات الإنشائية ومتطلبات الإنتاج الكمي والظروف المناخية في إيران، تعديلاتٍ تعزّز متانة الهياكل وسلامتها.
وشملت هذه التعديلات تحسين نوع لحام وصلات العوارض الوسطى، وإعادة تصميم موضع خزان المياه، وتعزيز المفصلات وصفائح الهيكل. وقد طُرحت جميع هذه التغييرات وفق مبررات هندسية دقيقة، وحظيت بقبول الطرف الأجنبي أيضاً.
وفي مرحلة لاحقة، أُوفد فريق من المهندسين الإيرانيين إلى خطوط الإنتاج في شرق آسيا، في الصين، لاكتساب خبرة تصنيع عربات المترو. غير أنّ اللحظة الفاصلة جاءت حين تمكّن المهندسون الإيرانيون، في غياب كامل للفريق الأجنبي، من تصنيع عربة مترو متكاملة من البداية إلى النهاية.
وقد وقع ذلك عندما عاد الفريق الأجنبي إلى بلاده في عطلة عيد الميلاد؛ وعند عودته، وجد أن الإيرانيين قد أنجزوا تصنيع عربة كاملة من دون حضورهم. كانت تلك اللحظة إيذاناً بانتهاء مرحلة نقل التكنولوجيا وبداية مرحلة التمكّن الكامل منها. وأسفر هذا المسار عن إنتاج أول سلسلة من عربات المترو المصنّعة بالكامل داخل البلاد.
ومع ترسيخ قدرات التصميم والإنتاج، انفتح الطريق أمام التصدير أيضاً. فقد صُممت وصُنعت عربات مخصصة للمناخات الحارة والرطبة في جنوب آسيا، ولا سيما بنغلادش؛ وهي منتجات أثبتت أنّ صناعة السكك الحديدية الإيرانية تقدر على تقديم حلول مصممة وفق الظروف التشغيلية والمعايير الخاصة بكل بلد، وتتنافس مع الأسواق العالمية.
وفي امتداد هذا المسار، دخلت الشركة مجال تصنيع القاطرات كذلك. وتمكن المهندسون الإيرانيون من اكتساب معرفة متكاملة بالأنظمة الميكانيكية والكهربائية والهوائية والهيدروليكية، ومواصلة تصنيع قاطرات المناورة بصورة مستقلة. وبهذه القدرات اكتملت سلسلة صناعة السكك الحديدية في إيران: من عربات الشحن والركاب إلى عربات المترو والقاطرات.
وفي السنوات اللاحقة، ومع تصاعد الضغوط الخارجية وفرض العقوبات، تركت الأطراف الأجنبية نفسها العمل مجدداً من دون إتمامه وغادرت. إلا أنّ صناعة السكك الحديدية الإيرانية، بخلاف ما حدث في السابق، لم تتوقف هذه المرة، بل واصلت طريقها بالاعتماد على القدرات المحلية.
واليوم، تمثل صناعة السكك الحديدية في إيران حصيلة عقود من الخبرة في نقل التكنولوجيا وتوطينها وتطوير المعرفة الهندسية.
إنّ المعرفة المتراكمة في هذه الصناعة تضرب جذورها في تلك البنية التحتية الأولى؛ بنية لم تصنع الماضي فحسب، بل تسهم أيضاً في رسم مستقبل النقل بالسكك الحديدية في إيران.
إنها ليست حكاية مصنع واحد، بل حكاية تشكّل القدرة الهندسية لقطاع السكك الحديدية في بلدٍ بأكمله.