هل يمكن التعرف على قائد سياسي من خلال نظرة شعبه فقط؟ أم أن فهم أبعاد تأثيره يتطلب أحيانًا العودة إلى السرديّات التي تشكلت عنه في عواصم العالم، وبين السياسيين والدبلوماسيين وقادة الدول؟.
في هذه الحلقة، نستعرض الذكريات والآراء والانطباعات التي عبّر عنها عدد من الشخصيات السياسية، من الشرق إلى الغرب، لنقترب من الصورة التي تركها آية الله العظمى السيد علي الخامنئي في أذهان وذاكرة بعض القادة وصناع القرار على المستوى الدولي .
في الحلقة السابقة حاولنا تغيير زاوية الرؤية؛ فانتقلنا من الداخل إلى الخارج، لنرى كيف يُنظَر إلى اسم الإمام الخامنئي في واشنطن وتل أبيب، لا بوصفه قائدًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره عنصرًا استراتيجيًا في المعادلات الإقليمية والدولية.
ورأينا كيف أن مراكز الدراسات ووسائل الإعلام والمسؤولين الرسميين، كلٌّ بلغته الخاصة وإطاره التحليلي ، رسموا صورةً له ؛ صورةً استندت أحيانًا إلى التنافس الجيوسياسي، وأحيانًا أخرى إلى المواجهة الأيديولوجية .
لكن هذه الرواية لم تكن يومًا محصورة في هاتين العاصمتين؛ ففي عواصم الدول المجاورة لإيران، وفي موسكو وبكين، وفي العالم العربي، وحتى في أمريكا اللاتينية، لم تكن النظرة إلى هذا الاسم واحدة أو متشابهة.
فلقد قدم كل فاعل سياسي، انطلاقًا من مصالحه وتجربته التاريخية وموقعه في النظام الدولي، تعريفًا مختلفًا لهذا الدور؛ فهو يمثل بالنسبة للبعض، رمزًا للصمود في مواجهة الهيمنة الغربية. وبالنسبة لآخرين، يُعد فاعلًا معقَّدًا في ميزان القوى الإقليمي. أما بالنسبة لفئة ثالثة، فهو شخصية مؤثرة لا يمكن فهم معادلات الشرق الأوسط من دون أخذ دورها بعين الاعتبار .
في هذه الحلقة، سنوسع دائرة البحث. ونتجاوز الإطار الضيق للتحليلات السابقة، لنرى كيف قرأ سياسيون آخرون في العالم هذا الدور، وكيف تحدثوا عنه في المناسبات الرسمية وغير الرسمية.
سنضع هذه الأصوات جنبًا إلى جنب، لا بهدف إصدار الأحكام، بل من أجل الوصول إلى فهم أعمق للصورة التي تشكلت عالميًا عن قائد الثورة الإسلامية الشهيد، آية الله العظمى الخامنئي.
ابقوا معنا
من بين الروايات التي تناقلها السياسيون حول لقاءاتهم بقائد الجمهورية الإسلامية، تبرز رواية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوصفها واحدة من أكثر الروايات شهرة؛
ففي أكتوبر/ تشرين الأول عام 2007، قام بوتين بزيارة رسمية إلى طهران، وهي زيارة ظلّت لسنوات طويلة محط اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية.
كانت تلك هي المرة الأولى منذ ثلاثة عقود على انتصار الثورة الإسلامية التي يزور فيها رئيس روسي إيران، ولذلك اعتُبرت الزيارة أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي عادي . ويُعرف فلاديمير بوتين في الأدبيات السياسية العالمية بأنه رجل يلتزم بدقة بالبروتوكولات الدبلوماسية، وأنه شخصية منضبطة نادرًا ما تبتعد عن الأطر الرسمية. ومع ذلك، فقد سأل أكثر من مرة قبل القيام بهذه الزيارة عما إذا كان من المقرر أن يلتقي بقائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي نهاية المطاف، تم هذا اللقاء.
وخلال الاجتماع، أشار آية الله خامنئي إلى بعض المحطات في تاريخ الاتحاد السوفييتي، بل وحتى إلى فترات سابقة عليه، وهي نقاط تاريخية قيل إنها كانت جديدة بالنسبة للرئيس الروسي .
وبعد انتهاء اللقاء، لاحظ بعض مسؤولي الجهاز الدبلوماسي تغيرًا في سلوك بوتين؛ إذ إنه، وعلى خلاف المعتاد، لم يكتفِ بنقل رسائله عبر وزير خارجيته، بل طلب شخصيًا من وزير الخارجية الإيراني آنذاك القيام بزيارة إلى روسيا لمواصلة الحوار.
لكن الجزء الأكثر إثارة في هذه الرواية ظهر بعد عودة بوتين إلى موسكو ؛ فأثناء حديثه مع الصحفيين ، سأله أحدهم عن انطباعه تجاه قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
فأجاب بوتين بعبارة تناقلتها وسائل الإعلام مرارًا بعد ذلك:
"أنا لم أرَ المسيح، لكنني سمعت عنه وقرأت أوصافه في الإنجيل، وقد رأيت المسيح في قائد إيران."
جملة قصيرة، لكنها لافتة، وتظهر أن بعض اللقاءات التي تجري خلف أبواب الدبلوماسية المغلقة تتجاوز الحسابات السياسية المعتادة.
ومن بين اللقاءات الدبلوماسية التي جرت في طهران على مر السنين، تبرز أيضًا رواية أخرى تتعلق بكوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة ؛ فقد تحدث عنان، أثناء مغادرته طهران وفي جناح كبار الشخصيات بالمطار، عن لقائه بقائد الجمهورية الإسلامية، واصفًا إياه بأنه تجربة مختلفة وغير متوقعة بالنسبة له.
وقال إنه كان، منذ سنوات شبابه، يقرأ عن "الشخصيات الكاريزمية"، وكان يتساءل دائمًا كيف سيكون شعوره إذا وقف يومًا أمام إحدى هذه الشخصيات. وأوضح أنه خلال سنوات عمله في الأمم المتحدة التقى العديد من الشخصيات البارزة في العالم، سياسيين وقادة ترك كل منهم أثرًا خاصًا لديه.
وأشار إلى أن شخصيات مثل جاك شيراك وميخائيل غورباتشوف وهيلموت كول كانت من بين الشخصيات التي لفتت انتباهه، بسبب صراحتهم ووضوحهم في التعبير عن آرائهم. إلا أن عنان قال إن لقاءه بآية الله الخامنئي كان مختلفًا عن كل ما سبق؛
فقد شعر، بحسب تعبيره ، أنه يقف أمام شخصية لم يرَ لها مثيلًا من قبل . وأضاف أن الجانب الروحي في شخصية قائد الجمهورية الإسلامية جذب انتباهه بصورة كبيرة ودفعه إلى التأمل .
وأوضح أنه رأى في العالم شخصيات روحية كثيرة ، لكنها في الغالب لم تكن تمارس دورًا سياسيًا. أما الجمع بين البعد الروحي والفهم السياسي في شخصية واحدة، فقد كان، من وجهة نظره، أبرز ما ميّز ذلك اللقاء . وفي ختام حديثه ، قال إنه لا يعتقد أن تأثير هذا اللقاء أو الانطباع الذي تركه في نفسه يمكن أن يُمحى بسهولة من ذاكرته .
لم تكن كلمات كوفي عنان مجرد انطباع شخصي منفرد، إذ إن شخصيات أخرى في عالم الدبلوماسية الدولية تحدثت أيضًا عن تجارب مماثلة بعد لقاءاتها مع آية الله الخامنئي؛ ومن بين هذه الشخصيات خافيير بيريز دي كوييار، الدبلوماسي البيروفي الذي شغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة بين عامي 1982 و1991، وكان أول أمين عام للمنظمة الدولية ينحدر من أمريكا اللاتينية .
وفي خلال سنوات الحرب المفروضى على الجمهورية الإسلامية زار دي كوييار إيران، والتقى آنذاك بالرئيس الإيراني في ذلك الوقت، آية الله الخامنئي، الذي كان يتولى منصب رئاسة الجمهورية . ويُنقل عنه أنه، بعد انتهاء اللقاء، سأل بدهشة:
"من أي جامعة للعلوم السياسية تخرج رئيس إيران؟"
وأضاف:
"أنا أحمل شهادة دكتوراه في العلوم السياسية، وأمضيت أكثر من ثلاثين عامًا في العمل السياسي، كما توليت منصب الأمين العام للأمم المتحدة لعدة سنوات، والتقيت خلال هذه الفترة عددًا كبيرًا من الرؤساء والشخصيات السياسية."
ومع ذلك ، أكد أنه نادرًا ما التقى شخصية يمكن مقارنتها بآية الله الخامنئي من حيث الفهم السياسي والذكاء في إدارة القضايا السياسية. بل إنه شدد على أنه، طوال مسيرته الدبلوماسية، لم يعرف سياسيًا يتمتع بمثل هذا القدر من الذكاء والحنكة السياسية.
بعد سنوات ، وفي مرحلة مختلفة من تطورات المنطقة ، استقطب لقاء آخر اهتمام وسائل الإعلام العالمية؛ ففي عام 2019، قام شينزو آبي، رئيس وزراء اليابان آنذاك، بزيارة نادرة إلى طهران، وهي زيارة حظيت باهتمام كبير من المراقبين السياسيين.
وخلال تلك الزيارة، لم يقتصر الأمر على لقاءاته الرسمية مع المسؤولين الإيرانيين، بل حمل أيضًا رسالة من الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، إلى قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية .
وفي هذا الإطار، التقى آبي بآية الله العظمى الخامنئي، وهو لقاء حظي بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الدولية. ويُنقل عن شينزو آبي أنه قال بعد هذا اللقاء، في حديث مع أحد الصحفيين المرافقين له:
" لقد أتيحت لي الفرصة لرؤية قائد إيران وجهًا لوجه والاستماع إلى قناعاته بشأن السلام . وأعتقد أن هذه القناعات تمثل خطوة مهمة إلى الأمام من أجل ضمان السلام والاستقرار في هذه المنطقة . " .
وقد جاءت هذه التصريحات في وقت كانت فيه المنطقة تمر بظروف سياسية ودبلوماسية شديدة الحساسية، الأمر الذي جعل هذا اللقاء يحظى باهتمام يفوق كونه مجرد اجتماع دبلوماسي عادي .
مستمعينا الكرام !
مع مرور السنوات، لم تعد الروايات المتعلقة بلقاءات السياسيين مع القائد الشهيد مجرد ذكريات دبلوماسية. فبعد شهادته أيضًا، صدرت ردود فعل واسعة من شخصيات سياسية في المنطقة والعالم، تضمنت رسائل وتصريحات تناولت دوره ومكانته في التطورات السياسية وفي العالم الإسلامي.
ومن بين هذه المواقف، برزت رسائل التعزية الصادرة عن عدد من الشخصيات السياسية الأفغانية؛ فقد وصف صلاح الدين رباني، زعيم حزب الجمعية الإسلامية في أفغانستان، استشهد آية الله خامنئي بأنها "خسارة كبيرة للأمة الإسلامية".
وجاء في رسالته:
"إن رحيل قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذي كان يتمتع بمكانة خاصة في العالم الإسلامي، يمثل خسارة كبيرة للأمة الإسلامية. فقد قاد إيران بحكمة حتى آخر لحظات حياته، وترك لشعبه وبلاده إنجازات وإرثًا سيبقى أثره طويلًا. "
كما أعرب عبد الله عبد الله ، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للمصالحة الوطنية في أفغانستان، في رسالة منفصلة عن "حزنه العميق" إزاء هذا الخبر قائلاً:
"إن نبأ وفاة آية الله السيد علي خامنئي، قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعدد من أفراد أسرته ومرافقيه وغيرهم من ضحايا الأحداث الأخيرة ، أثار حزنًا عميقًا."
وأضاف:
"إن وفاة قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في هذا الشهر المبارك، وهو في مسار الدفاع عن الحقوق المشروعة لبلاده وصون عزتها وسيادتها الوطنية، يضفي على هذه التضحية بعدًا أكبر ويجعلها راسخة في الذاكرة التاريخية للشعب الإيراني."
كما أكد عبد الله عبد الله أن دور آية الله الخامنئي في إدارة شؤون البلاد، والدفاع عن المصالح الوطنية، والتأكيد على استقلال إيران وكرامتها، يمثل جزءًا مهمًا من السجل السياسي المعاصر لإيران .
وفي الجهة الشمالية من إيران، صدرت أيضًا ردود فعل واسعة على هذا الحدث؛ فقد قال رئيس جمهورية أذربيجان، إلهام علييف، في رسالة تعزية :
"لقد لعب آية الله السيد علي الخامنئي، على مدى سنوات طويلة، دورًا مهمًا في مصير الدولة والمجتمع الإيراني، وكان شخصية تتمتع بمكانة خاصة في الحياة السياسية والدينية لبلاده و إن وفاته تمثل خسارة كبيرة لإيران ."
ولم تكن هذه الرسائل سوى جزء من ردود الفعل التي صدرت عن شخصيات سياسية في المنطقة عقب الإعلان عن شهادته، وهي ردود أظهرت أن اسم الإمام الخامنئي لم يكن حاضرًا في السياسة الداخلية الإيرانية فحسب، بل كان أيضًا جزءًا من المعادلات السياسية والذاكرة الجماعية في العديد من دول المنطقة .
مستمعينا الأحبّة !
على امتداد الرواية السابقة، ومن موسكو إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى كابول، استمعنا إلى أصوات نقلت تجاربها وانطباعاتها عن لقاءاتها مع آية الله الخامنئي . إنها روايات عن لقاءات ومحادثات دبلوماسية، وعن انطباعات شخصية لسياسيين، وعن رسائل وتصريحات صدرت في مراحل مختلفة من التاريخ .
بعض هذه الروايات يعود إلى الفترة التي كان فيها آية الله الخامنئي رئيسًا للجمهورية الإيرانية ويلتقي شخصيات سياسية من مختلف أنحاء العالم . وبعضها الآخر يعود إلى السنوات التي كان فيها قائدًا للجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي قلب التحولات الإقليمية.
وفي كل مرحلة، عبّر أشخاص ينتمون إلى بلدان وثقافات مختلفة عن تجاربهم وانطباعاتهم تجاه هذه اللقاءات . ومن الطبيعي أن تكون كل هذه الأقوال قد تشكلت في ظروف تاريخية وسياسية خاصة بها؛ فاللقاءات الدبلوماسية، والحوارات السياسية، وحتى رسائل التعزية ، كلها تمثّل جزءاً من السياق التاريخي والسياسي الذي قيلت فيه. ولكن عندما توضع هذه الروايات جنبًا إلى جنب، فإنها ترسم صورة أوسع لطبيعة نظر بعض السياسيين في العالم إلى هذه الشخصية.
وفي الحقيقة، فإن ما استمعنا إليه لم يكن مجرد مجموعة من الاقتباسات، بل هو مجموعة من اللقاءات والتجارب؛ لقاءات جرت أحيانًا في غرف التفاوض الرسمية، وأحيانًا في لقاءات دبلوماسية قصيرة، وأحيانًا أخرى في رسائل صدرت عقب أحداث مهمة .
وربما تبدو كل رواية من هذه الروايات، بمفردها، مجرد جملة أو ذكرى عابرة، لكن اجتماعها يكشف أن اسم آية الله العظمى الخامنئي ظل حاضرًا، على مدى سنوات طويلة، في أحاديث وروايات العديد من السياسيين حول العالم .
وهذه الروايات تساعدنا على أن نفهم كيف يمكن لاسم ما أن يتجاوز الحدود، وأن يُسجَّل في الذاكرة السياسية للدول وفي الذكريات الدبلوماسية، ليس فقط في الوثائق الرسمية والتقارير التاريخية، بل أيضًا في الكلمات التي تُروى بعد سنوات وتبقى جزءًا من ذاكرة عصرها.
أيّها الكرام !
إذا كانت لديكم آراء أو ملاحظات أو قراءات مختلفة حول هذه الروايات والاقتباسات، فيمكنكم مشاركتها؛ فصوتكم ليس مجرد تعليق أو ملاحظة، بل قد يكون جزءًا من استمرارية هذه الرواية.
وما استمعتم إليه اليوم لم يكن سوى استعراض لجزء من الآراء والانطباعات التي عبّر عنها سياسيون من أنحاء العالم المختلفة حول آية الله الخامنئي فلا شك أن هذا الملف لا يزال يحمل الكثير من الجوانب غير المطروقة .
وفي الحلقة المقبلة، سنعود إلى هذا الموضوع من زاوية أخرى، ونتابع الرواية في مسارات جديدة، لعلها تمنحنا صورة أكثر اكتمالًا عن هذه الرؤى والتقييمات.
ملتقانا معكم في الحلقة القادمة على أمل الوصول إلى فهم أعمق، ورؤية أكثر اتساعًا، و إيمانًا بأن الحوار ما زال أحد أكثر الطرق إشراقًا في الاقتراب من الحقيقة .