قصة ولادة النبي موسي (عليه السلام) -۱

السبت 16 مارس 2019 - 18:46 بتوقيت طهران

الحلقة 17

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا
والصلاة والسلام علی رسوله وحبيبه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
يسعدنا ان نلتقی بكم في هذا الملتقی القرآني الذي نمضی عبره دقائق لنستنير بهدي القصص القرآنية؛ وفي هذا اللقاء سنتعرف علی جانب من حكاية ولادة النبي موسی الكليم (عليه السلام) والتي تحدثت عنها الآيات ۷ حتی ۹ من سورة القصص.
بداية ننصت معاً الی تلاوة هذه الايات المباركة، ثم نقف عند اهم المفردات ومعانيها والعبارات القرآنية التي وردت في الآيات، نواصل تقديم البرنامج بفقرة من هدي الائمة (عليه السلام) ورواية عن الامام الصادق (عليه السلام) بشأن الحكاية وننهي اللقاء بفقرة دروس وعبر نرجوا ان تروق لكم محطات هذا اللقاء. 

*******

يدخل القرآن المجيد في سرد قصّة موسى وفرعون من أجل رسم مثل حيّ لانتصار المستضعفين على المستكبرين، ويتحدث بالخصوص عن مراحل يكون فيها موسى (عليه السلام) في أشدّ حالات الضعف الظاهري، أمّا فرعون فهو في أقوى الحالات وأكثرها هيمنة ظاهرياً، ليتجسّد انتصار مشيئة الله على إرادة الجبابرة في أعلى الصور وأحسن الوجوه، تعالوا معنا نشنف الاسماع بتلاوة مرتلة لهذه الآيات المباركة بدءً من الآية ۷ حتی الآية ۹ من سورة القصص المباركة.
كنتم مع تلاوة الآية ۷ حتی الآية ۹ من سورة القصص المباركة ضمن برنامج القصص الحق ونتناول في هذا اللقاء حكاية ولادة النبي موسی (عليه السلام)، فالی معاني اهم المفردات والعبارات القرآنية التي وردت في الآيات. 

*******

من هدي الآيات

يقول القرآن الكريم: «وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى» الايحاء هو التكليم الخفى ويستعمل في القرآن في تكليمه تعالى بعض خلقه بنحو من الالهام والالقاء في القلب كما في قوله: «بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا»، وقوله: «وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ»، «أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ» بمعنی قلنا بنوع من الالهام لأُمِّ مُوسَى لما وضعته: أَرْضِعِيهِ ما دمت لا تخافين عليه من قبل فرعون فإذا خفت عليه - أن يطلع عليه آلُ فِرْعَوْن فيأخذوه ويقتلوه - فألقيه في اليمّ وهو النيل على ما وردت به الرواية «وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ»، وَلا تَخَافِي عليه القتل وَلا تَحْزَنِي لفقده ومفارقته اياك إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ بعد ذلك وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَفيكون رسولاً إلى آلُ فِرْعَوْن وبَنِي إِسْرَائِيلَ يذكر ان الفرق بين الخوف والحزن هو أن الخوف انما يكون في مكروه محتمل الوقوع والحزن في مكروه قطعي الوقوع.
قوله تعالى: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ» الالتقاط اصابة الشيء وأخذه من غير طلب، ومنه اللقطة واللام في قوله: «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا» للعاقبة، والمراد بالحزن سبب الحزن فاطلاق الحزن عليه مبالغة في سبب حزنهم. 
والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن الخاطئ يطلق على من أراد فعلاً لا يحسنه ففعله، والمخطئ يستخدم فيمن أراد فعلاً يحسنه فوقع منه غيره.
قوله تعالى: «وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» شفاعة من امرأة فرعون وقد كانت عنده حينما جاؤا إليه بموسى (عليه السلام) - وهو طفل ملتقط من اليم - تخاطب فرعون بقوله: «قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ» أي هو قرة عين لنا «لا تَقْتُلُوهُ» وانما خاطبت بالجمع لان شركاء القتل كانوا كثيرين من سبب ومباشر وآمر ومأمور.
وانما قالت ما قالت لان الله سبحانه ألقى محبة منه في قلبها فعادت لا تملك نفسها دون أن تدفع عنه القتل وتضمه إليها، قال تعالى فيما يمن به على موسى (عليه السلام): «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي».

*******

قصة ولادة النبي موسی (عليه السلام) (۱)

كانت سُلطة فرعون وحكومته الجائرة قد خططت تخطيطاً واسعاً لذبح «الأطفال» من بَنِي إِسْرَائِيلَ حتى أنّ القوابل [مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ] كن يراقبن النساء الحوامل [مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ].
ومن بين هؤلاء القوابل كانت قابلة لها علاقة مودّة مع أُمِّ مُوسَى (عليه السلام): «وكان الحمل خفيّاً لم يظهر أثره على أُمِّ مُوسَى» وحين أحست أُمِّ مُوسَى بأنّها مقرّب وعلى أبواب الولادة أرسلت خلف هذه القابلة وأخبرتها بالواقع، وأنّها تحمل جنيناً في بطنها وتوشك أن تضعه، فهي بحاجة إليها.
وحين ولد موسى (عليه السلام) سطع نور بهيّ من عينيه فاهتزّت القابلة لهذا النور وطُبع حُبُّه في قلبها، وأنار جميع زوايا قلبها.
فالتفتت القابلة إلى أُمِّ مُوسَى وقالت لها: كنت أروم أن أخبر الجهاز الفرعوني بهذا الوليد ليأتي الجلاوزة فيقتلوه: «وأنال بذلك جائزتي» ولكن ما عسى أن أفعل وقد وقع حبّه الشديد في قلبي، وأنا غير مستعدة لأن تنقص ولو شعرة واحدة من رأسه، فاهتمي بالمحافظة عليه، وأظنّ أن عدوّنا المتوقع سيكون هذا الطفل أخيراً.
ثمّ خرجت القابلة من بيت أُمِّ مُوسَى فرآها بعض الجواسيس من جلاوزة فرعون وصمموا على أن يدخلوا البيت، فعرفت أخت موسى ما أقدموا عليه فأسرعت إلى أمّها وأخبرتها بأن تتهيأ للأمر، فارتبكت ولم تدر ماذا تصنع؟! وفي هذه الحالة من الإرتباك وهي ذاهلة لفت وليدها «موسى» بخرقة وألقته في التنور فاذا بالمأمورين والجواسيس يقتحمون الدار، فلم يجدوا شيئاً إلاّ التنور المشتعل ناراً.
فسألوا أُمِّ مُوسَى عن سبب دخول القابلة عليها فقالت: إنّها صديقتي وقد جاءت زائرة فحسب، فخرجوا ايسين.
ثمّ عادت أُمِّ مُوسَى إلى رشدها وصوابها وسألت «أخت موسى» عن أخيها فأظهرت عدم معرفتها بمكانه، وإذا البكاء يعلو من داخل التنور، فركضت إلى التنور فرأت موسى مسالماً وقد جعل الله النّار عليه بَرْدًا وَسَلامًا، «الله الذي نجّى إبراهيم الخليل من نار النمرود» فأخرجت وليدها سالماً من التنور.
لكن الأمّ لم تهدأ إذ أن الجواسيس يمضون هنا وهناك ويفتشون البيوت يمنة ويسرة، وكان الخطر سيقع لو سمعوا صوت هذا الطفل الرضيع
وفي هذه الحال اهتدت أُمِّ مُوسَى بإلهام جديد، إلهام ظاهره أنّه مدعاة للخطر، ولكن مع ذلك أحسّت بالإطمئنان أيضاً، كان ذلك من الله ولابدّ أن يتحقق، فلبست ثياب عملها وصممت على أن تلقي وليدها في النيل.
فجاءت إلى نجّار مصري «وكان النجار من الأقباط والفراعنة أيضاً» فطلبت منه أن يصنع صندوقاً صغيراً.
فسألها النجار قائلاً: ما تصنعين بهذا الصندوق مع هذه الأوصاف؟ ولكن الاُمّ لما كانت غير متعودة على الكذب لم تستطع دون أن تقول الحق والواقع، وأنّها من بَنِي إِسْرَائِيلَ ولديها طفل تريد إخفاءه في الصندوق.
فلمّا سمع النجّار القبطي هذا الخبر صمم على أن يخبر الجلاوزة والجلاّدين، فمضى نحوهم لكن الرعب سيطر على قلبه فارتج على لسانه وكلّما حاول أن يفهمهم ولو كلمة واحدة لم يستطع، فأخذ يشير إليهم إشارات مبهمة، فظن أُولئك أنّه يستهزىء بهم فضربوه وطردوه، ولما عاد إلى محله عاد عليه وضعه الطبيعي، فرجع ثانية إليهم ليخبرهم فعادت عليه الحالة الأُولى من الإرتجاج والعيّ، وأخيراً فقد فهم أن هذا أمر إلهي وسرّ خفي، فصنع الصندوق وأعطاه لأُمِّ مُوسَى.
ولعلّ الوقت كان فجراً والناس - بعد - نيام، وفي هذه الحال خرجت أُمِّ مُوسَى وفي يديها الصندوق الذي أخفت فيه ولدها موسى، فاتجهت نحو النيل وأرضعت موسى حتى ارتوى، ثمّ ألقت الصندوق في النيل فتلقفته الأمواج وأخذت تسير به مبتعدة عن الساحل، وكانت أُمِّ مُوسَى تشاهد هذا المنظر وهي على الساحل وفي لحظة أحست أن قلبها انفصل عنها ومضى مع الأمواج، فلو لا لطف الله الذي شملها وربط على قلبها لصرخت ولإنكشف الأمر واتضح كل شيء ولا أحد سوى الله يستطيع أن يصور ـ في تلك اللحظات الحساسة ـ قلب الأُم بدقة. 
وقيل أنّ فرعون كانت له بنت مريضة، ولم يكن له من الأبناء سواها، وكانت هذه البنت تعاني من آلام شديدة لم ينفعها علاج الأطباء، فلجأ إلى الكهنة فقالوا له: نتكهّنُ ونتوقع أن إنساناً يخرج من البحر يكون شفاؤها من لعاب فمه يدهن به جسدها، وكان فرعون وزوجه «آسية» في انتظار هذا «الحادث» وفي يوم من الأيّام. فجأة لاح لعيونهما صندوق تتلاطمه أمواج النيل فلفتت الأنظار، فأمر فرعون عمّاله أن يأتوا به ليعرفوا ما به؟
ومثل الصندوق «المجهول» الخفيّ أمام فرعون، ولم يتمكن أحد أن يفتحه فجاء فرعون وفتحه لينجو موسى على يد فرعون نفسه.

*******

من هدي الائمة (عليه السلام)

وفى تفسير القمى في قوله تعالى: «وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى» إلى آخر الآية عن أبى جعفر الباقر (عليه السلام) وابي عبد الله الصادق وتفسير القمي عادة ما يروي عن الباقر (عليه السلام) قال: انه لما حملت به أمه لم يظهر حملها الا عند وضعها له وكان فرعون قد وكل بنساء بنى اسرائيل نساء من القبط يحفظنهن وذلك أنه كان لما بلغه عن بنى اسرائيل أنهم يقولون: انه يولد فينا رجل يكون هلاك فرعون وأصحابه على يده فقال فرعون عند ذلك: لاقتلن ذكور أولادهم حتى لا يكون ما يريدون وفرق بين الرجال والنساء وحبس الرجال في المحابس.
فلما وضعت أُمِّ مُوسَى موسى نظرت إليه وحزنت عليه واغتمت وبكت وقالت: يذبح الساعة فعطف الله عز وجل قلب الموكلة بها عليه فقالت لأُمِّ مُوسَى: مالك قد اصفر لونك؟ 
فقالت أخاف أن يذبح ولدى فقالت: لا تَخَافِي وكان موسى لا يراه أحد الا أحبه وهو قول الله: «وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي».
فأحبته القبطية الموكلة بها ونوديت ضعيه في التابوت فألقيه في اليم وهو البحر «وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» فوضعته في التابوت وأطبقته عليه وألقته في النيل.
وكان لفرعون قصر على شط النيل متنزه فنظر من قصره - ومعه آسية امرأته - إلى سواد في النيل ترفعه الامواج والرياح تضربه حتى جاءت به إلى باب قصر فرعون فأمر فرعون بأخذه فاخذ التابوت ورفع إليه فلما فتحه وجد فيه صبياً فقال: هذا اسرائيلي فألقى الله في قلب فرعون محبة شديدة وكذلك في قلب آسية.
وأراد فرعون أن يقتله فقالت آسية: لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنه موسى.

*******

دروس وعبر

إظهار القدرة، ليس معناه فقط أن الله إذا أراد أن يهلك قوماً جبارين، يرسل عليهم جنود السماوات والأرض، فيهلكهم ويدمرهم تدميراً.
فمن مصاديق إظهار القدرة هو أن يجعل الجبابرة والمستكبرين يدمرون أنفسهم بأيديهم، فيصنعون لأنفسهم سجناً يموتون فيه! 
وفي قضية الفراعنة الجبابرة المعاندين حدث مثل هذا، وتمّت تربية موسى ونجاته في جميع المراحل على أيديهم.
فالقابلة التي أولدت موسى كانت من الأقباط.
والنجار الذي صنع الصندوق الذي أخفي فيه موسى كان قبطيّاً.
والذين التقطوا الصندوق كانوا من آلُ فِرْعَوْن
والذي فتح باب الصندوق كان فرعون بنفسه أو امرأته آسية.
وأخيراً فإن المكان الآمن والهادىء الذي تربّى فيه موسى ـ البطل الذي قهر فرعون ـ هو قصر فرعون ذاته.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم