قصة اصحاب السبت

السبت 16 مارس 2019 - 17:01 بتوقيت طهران

الحلقة 4

الحمد لله رب العالمين والصلاة على المبعوث رحمة للعالمين محمد واله الطيبين وصحبه الغر الميامين. 
يسرنا ان نلتقي بكم عبر لقاء آخر من لقاءات القصص الحق لنقف واياكم وقفة متدبرة اخرى عند حكاية اخرى وعظنا بها القرآن الكريم الا وهي حكاية "اصحاب السبت"، والتي تتحدث عنها الايات المباركة ۱٦۳ حتي الاية ۱٦٦من سورة الاعراف.
في بداية البرنامج ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات، ثم نتعرف معا على اهم المفردات ومعاني العبارت القرآنية، ثم ننتقل الى ضيف هذه الحلقة فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين ليجيبنا عن بعض الاسئلة حول هذه الايات، بعد ذلك نستمع الى تفاصيل القصة القرآنية، لنحط بعد ذلك رحلنا بازاء الروايات المروية عن ائمة اهل البيت (عليه السلام) بشأن الحكاية، واخيراً نغترف من معين الآيات اهم النقاط والدروس المستفادة منها ان شاء الله.

*******

في هذه الآيات تستعرض مشهداً آخر من تاريخ بني إسرائيل الزاخر بالحوادث، وكما أشير إليه في الأحاديث الشريفة يرتبط بجماعة من بني إسرائيل كانوا يعيشون عند ساحل أحد البحار (والظاهر أنّه ساحل البحر الأحمر المجاور لفلسطين) في ميناء يسمى بميناء «أيلة» (والذي يسمى الآن بميناء ايلات) وقد أمرهم الله تعالى على سبيل الإختبار والإِمتحان أن يعطّلوا صيد الأسماك في يوم السبت، ولكنّهم خالفوا هذا التعليم، فأصيبوا بعقوبة موجعة مؤلمة سنعرفها عبر محطات هذا اللقاء.
في البداية تقول الآية: «وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ». أي قريبة منه مشرفة عليه، بمعنى أسأل يا رسول الله يهود عصرك عن قضية القرية التي كانت تعيش على ساحل البحر.
ثمّ تقول: «إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ» اي يتجاوزون حدود ما أمر الله به في أمر «السَّبْتِ» وتعظيمه.
ثمّ يشرح القرآن العدوان المذكور بالعبارة التالية: «إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً» فكلمة شُرَّعاً هي جمع شارع وهو الظاهر البيّن فالأسماك كانت تظهر على سطح الماء يوم السبت، بينما كانت تختفي في غيره من الأيّام.
و«السَّبْتِ» في اللغة تعني تعطيل العمل للإستراحة، وما نقرأوه في سورة النبأ «وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا» اشارة - كذلك - إلى هذا الموضوع، وسمّى «يوم السَّبْتِ» بهذا الإسم لأنّ الأعمال العادية والمشاغل كانت تتعطل في هذا اليوم، ثمّ بقي هذا الإِسم لهذا اليوم علماً له.
«وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ» أما إذا مضى يوم السَّبْتِ حيث أبيح لهم الصيد فلم تأتهم الحيتان كما في يوم السَّبْتِ.
«كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ» أي نختبرهم بهذا التكليف الصعب عقوبة لهم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ.
«قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» أي إنما نعظهم ليكون ذلك عذراً إلى ربكم او حتى نكون من المعذورين عند الله، ولأنا نرجوا منهم أن يتقوا ويتجنبوا هذا العمل.
«فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ» المراد بنسيانهم «مَا ذُكِّرُواْ » هو انقطاع تأثير الذكر في نفوسهم وإن كانوا ذاكرين لنفس التذكر حقيقة.
«فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ» العتو المبالغة في المعصية والقردة جمع القرد وهو الحيوان المعروف، والخاسىء الطريد البعيد من خسأ الكلب إذا بعد.

*******

اسئلة الخبير

المحاور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نستضيف في هذه المحطة من برنامج قصص الحق فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من قم المقدسة استاذ عبد السلام بما ان موضوع البرنامج هو اصحاب السَّبْتِ يعني ما فائدة سؤال النبي يهود عصره بشأن اصحاب السَّبْتِ؟ 
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً الله عزوجل امر رسوله الكريم ان يسأل اليهود عن القرية التي اعتدت فمسخت لأنه يذكرهم بتاريخهم المليء بالاعتداءات وكيف مسخوا الاجيال الماضية ومسخت قردة وخنازير حتى يعتبروا ولايعتدوا ولايتجاوزا ولايحرفوا رسالاتهم السماوية، هذا درس اعطاه الله عزوجل لليهود الحاضرين يذكرهم بأسلافهم الذين اعتدوا في يوم السَّبْتِ وتمردوا على التشريع وتمردوا على نبيهم وهذه طبيعة اليهود في كل عصر وجيل ليربط على هؤلاء اليهود الحاضرين الذين كانوا في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتاريخهم التآمري ان صح التعبير، بتاريخهم التمردي ليتعضوا بيوم السبت حيث مسخوا قردة وخنازير اذن هي تذكير لهم بأن يعتبروا بالاجيال السابقة التي تمردت فمسخت قردة وخنازير.
المحاور: طيب فضيلة السيد الايات تتحدث عن فرق ثلاثة، اي فريق انجاه الله ولماذا؟
السيد عبد السلام زين العابدين: احسنت يعني في سورة الاعراف تذكر التفاصيل هناك قوم قاموا بمسؤولية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، طائفة منهم من اليهود طائفة تمردت وحاولت ان تلعب على التشريع من خلال فتح حياض حتى يدخل السمك يوم السَّبْتِ ثم يصاد يوم الاحد، حيلة شرعية يعني فطائفة اعتدت وطائفة سكتت وطائفة قامت بواجبها في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، الطائفة الثالثة كانت تقول لهم «لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ»، التي قامت بواجبها في الوعظ والارشاد والنهي عن المنكر طبعاً الله عزوجل يقول في نهاية الايات المباركة «فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ» يعني النجاة فقط للطائفة التي قامت بواجبها في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر «وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ» الطائفة الآمرة بالمعروف قالت معذرة الى ربكم يعني نحن نقوم بواجبنا في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وثانياً «وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» يعني لعلهم يرجعون.
المحاور: فضيلة السيد في سؤالنا الاخير، ما المقصود من المسخ هل كان جسمياً او روحانياً؟
السيد عبد السلام زين العابدين: طبعاً ظاهرة من اللفظ، المسخ جسمي يعني «كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ»، «فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ» ولكن لا توجد هناك قرينة عقلية او قرينة نقلية او قطعية تصرف الظهور عن القردة الحيوانات او الخنازير يعني لو كان هناك مانعاً مثلاً ممكن ان نقول قردة يعني مثل القردة يعني كالحيوانات يعني لا يفهمون شيئاً، لا يفقهون شيئاً ولكن لا توجد قرينة على ان نحمل الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ على غير الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ الظاهرة من اللفظ وهي الحيوانات المتعارفة يعني الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ. 

*******

قصة اصحاب السبت

كان اليهود لا يعملون يوم السَّبْتِ، وإنما يتفرغون فيه لعبادة الله تعالى. فقد فرض الله عليهم عدم الانشغال بأمور الدنيا يوم السبت بعد أن طلبوا منه سبحانه أن يخصص لهم يوماً للراحة والعبادة، لا عمل فيه سوى التقرب لله بأنواع العبادة.
وجرت سنّة الله في خلقه. وحان موعد الاختبار والابتلاء. اختبار لمدى صبرهم واتباعهم لشرع الله. 
لقد ابتلاهم الله عز وجل، بأن جعل الحيتان تأتي يوم السَّبْتِ للساحل، وتتراءى لأهل القرية، بحيث يسهل صيدها. ثم تبتعد بقية أيام الأسبوع. فانهارت عزائم فرقة من القوم، واحتالوا الحيل. 
فتآمروا بينهم وقالوا: سنقيم الحواجز والحفر يوم السَّبْتِ، فإذا قدمت الحيتان نحاوطها ثم نصطادها يوم الأحد. 
فانقسم أهل القرية لثلاث فرق. فرقة عصت اوامر الله بالاصطياد بالحيلة. وفرقة التزمت بما امرهم الله، ليس هذا فحسب بل قامت بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحذّرت المخالفين من غضب الله. وفرقة ثالثة، لم تعص الله لكنها وقفت مكتوفة الايدي تجاه ما يفعله العاصون من اصطياد السمك في يوم السَّبْتِ.
بل وكانت تتجادل مع الفرقة الناهية عن المنكر وتقول لهم: ما فائدة نصحكم لهؤلاء العصاة؟ إنهم لن يتوقفوا عن احتيالهم، وسيصبهم من الله عذاب أليم بسبب أفعالهم. 
إننا نقوم بواجبنا في الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، لنرضي الله سبحانه، ولا تكون علينا حجة يوم القيامة. وربما تفيد هذه الكلمات، فيعودون إلى رشدهم، ويتركون عصيانهم.
بعدما استكبر العصاة المحتالون، ولم تجد كلمات المؤمنين نفعا معهم، جاء أمر الله، وحل بالعصاة العذاب. لقد عذّب الله العصاة وأنجى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. 
لقد كان العذاب شديداً. لقد مسخهم الله، وحوّلهم لقردة عقاباً لهم لإمعانهم في المعصية.

*******

في رحاب اهل البيت (عليهم السلام)

جاء في تفسير القمي، عن أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) أن قوما من أهل أيلة من قوم ثمود وأن الحيتان كانت سيقت إليهم يوم السَّبْتِ ليختبر الله طاعتهم في ذلك، فشرعت إليهم يوم سبتهم في ناديهم وقدام أبوابهم في أنهارهم وسواقيهم فبادروا إليها فأخذوا يصطادونها ويأكلونها فلبثوا في ذلك ما شاء الله لا ينهاهم الأحبار، ولا يمنعهم العلماء عن صيدها، ثم إن الشيطان أوحى إلى طائفة منهم أنما نهيتم عن أكلها يوم السَّبْتِ ولم تنهوا عن صيدها فاصطادوها يوم السَّبْتِ وأكلوها في ما سوى ذلك من الأيام. 
فقالت طائفة منهم: الآن نصطادها فعتت وانحازت طائفة أخرى منهم ذات اليمين فقالوا: ننهاكم عن عقوبة الله أن تتعرضوا لخلاف أمره، واعتزلت طائفة منهم ذات اليسار فسكتت ولم تعظهم.
فقالت للطائفة التي وعظتهم: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا؟ 
فقالت الطائفة التي وعظتهم: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. 
فقال الله عز وجل: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ يعني لما تركوا ما وعظوا به مضوا على الخطيئة.
فقالت الطائفة التي وعظتهم: لا والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم هذه التي عصيتم الله فيها مخافة أن ينزل عليكم البلاء فيعمنا معكم. 
قال: فخرجوا عنهم من المدينة مخافة أن يصيبهم البلاء فنزلوا قريباً من المدينة فباتوا تحت السماء فلما أصبح أولياء الله المطيعون لأمر الله غدوا لينظروا ما حال أهل المعصية، فأتوا باب المدينة فإذا هو مصمت فدقوا فلم يجاوبوا ولم يسمعوا منها حس أحد فوضعوا فيها سُلّماً على سور المدينة ثم أصعدوا رجلاً منهم فأشرف على المدينة فنظر فإذا هو بالقوم قرد يتعاونون ولهم أذناب فكسروا الباب فعرفت الطائفة أنسابها من الإنس، ولم يعرف الإنس أنسابها من القردة فقال القوم للقردة: ألم ننهكم؟
فقال علي (عليه السلام): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني لأعرف أنسابها من هذه الأمة لا ينكرون ولا يغيرون بل تركوا ما أمروا به فتفرقوا، وقد قال الله: فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فقال الله: «أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ». 

*******

دروس وعبر

ان الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه القصه القرآنية هي:
اولاً: أن الوجه الحقيقي للذنب لا يتغير أبداً بانقلاب ظاهره، وباستخدام ما يسمى بالتحايل على الشرع، فالحرام حرام سواء أتي به صريحاً، أو تحت لفافات كاذبة، ومعاذير واهية كما عرفنا التحايل الذي قام به اليهود.
ثانياً: إن العيب الأكبر الذي يتسم به هذا العمل - مضافاً إلى تشويه صورة الدين - هو أن هذا العمل التحايلي يصغر الذنب في الأنظار ويقلّل من أهميته وخطورته وقبحه، ويجرّىء الإِنسان في مجال الذنب إلى درجة أنّه يتهيأ شيئاً فشيئاً لإرتكاب الذنوب والمعاصي بصورة صريحة وعلنية.
النقطة المهمة الاخرى: هي صحيح أنّ صيد السمك من البحر لسكان السواحل لم يكن مخالفة، ولكن قد ينهي الله جماعة من الناس وبصورة مؤقـّتة، وبهدف الإِختبار والإِمتحان عن مثل هذا العمل، ليرى مدى تفانيهم، ويختبر مدى إخلاصهم، وهذا هو أحد أشكال الإِمتحان الإِلهي.
هذا مضافاً إلى أنّ يوم السَّبْتِ كان عند اليهود يوماً مقدساً، وكانوا قد كُلّفوا احتراماً لهذا اليوم بالتفرغ للعبادة وممارسة البرامج الدينية ـ والكف ـ عن الكسب والإِشتغال بالأعمال اليومية، ولكن سكان ميناء «أيلة» تجاهلوا كلَّ هذه الإِعتبارات والمسائل، فعوقبوا معاقبة شديدة جعلت منهم ومن حياتهم المأساوية ومصيرهم المشؤوم درساً وعبرة للأجيال اللاحقة.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم