تطور اللغة الفارسية في ضوء التأثير والتأثر (الجزء الثاني)

الإثنين 14 يناير 2019 - 11:32 بتوقيت طهران

الحلقة 3

دراسات في الادب الفارسيدراسات مقارنة بين الادب الفارسي والاداب الاخرى برنامج في حلقات يكتبها ويشرف عليها ويشارك في تقديمها، الدكتور عباس العباسي استاذ الادب العربي والخبير باللغة الفارسية.موضوع هذه الحلقة: تطورات اللغة الفارسية في ضوء التأثير والتأثر (الجزء الثاني).مستمعينا الافاضل في الحلقة الماضية من هذا البرنامج، قدمنا لكم، تحت عنوان (تطورات اللغة الفارسية في ضوء التأثير والتأثر) موجزاً عن هذه التطورات فذكرنا اقسام اللفة الفارسية وهي، القديمة والفهلوية والحديثة (الدّرية).وناقشناه مع خبير البرنامج الدكتور عباس العباسي، موضوع التعقيد والتكلف والتصنيع الذي أصيب به النثر الفارسي وذلك نتيجة لترجمة النصوص التي دخلت من الفهلوية إلى العربية ومن ثم ترجمت إلى الفارسية فانتقل ذلك الاسلوب الشائك الى الفارسية علما أن هذا الموضوع واسع الاطراف لا يمكن الإلمام به في هذه المساحات المعينة من البرنامج، غير أننا نحاول جاهدين لكي لا يترك الميسور بالمسعور فقد بقي للحديث بقية نتابعها مع خبير البرنامج الدكتور عباس العباسي وهو معنا الآن في الاستوديو.ـ اهلاً وسهلاً…كلنا نعرف مدى التداخل والتزاوج بين اللغتين الفارسية والعربية وقد تطرقنا معك في الحلقة الأولى إلى الوشائج التي قاربت بين اللغتين فسببت تفاعلهما، بالتأثير والتأثر. ونحن اليوم بحاجة إلى ان نستعرض معك أسباب هذا التزاوج اللغوي بين اللغتين الفارسية والعربية. فما رأيك في هذا؟ـ بسم الله الرحمن الرحيم، تحياتي لكم ولاسرة البرنامج وللمستمعين الكرام، بودي أن أفتتح الحديث بهذين البيتين الجميلين، للمفكر الاسلامي الكبير العلامة اقبال اللاّهوري، وهما باللغة الفارسية وقد نقلتهما شعرياً معنوياً:البيتان بالفارسية:

أمر حق را جحت ودعوى يكي است

خيمه هاى ما جدا دلها يكى است

از حجاز وچين وايرانيم ما

شبنم يك صبح خندانيم ما

الترجمة المعنوية شعراً إلى العربية:

تفرقت الخيام بنا ولكن

توحدت القلوب على الطريق

فمن ايران كنا أو حجاز

ومن صين وكل من فريق

فنحن كالندى من صنع رب

بصبح ضاحك عذب رقيق

وما أشبه هذا المعنى بهذا البيت:

أذا كان أصلي من تراب فكلها

بلادي وكل العالمين أقاربي

اذن هذه النزعة إلى التأثير والتأثر الثقافي ولا سيما بين اللغات، قانون اجتماعي إنساني وإن اقتراض بعض اللغات من بعض ظاهرة إنسانية أقرها فقهاء اللغة واقاموا عليها أدلة لا تحصى. واللغات متى تجاورت أو اتصل بعضها ببعض على أي وجه وبأي سبب ولإي غاية، أغرضت وأقترضت وأثرت وتأثرت. ومن ينكر ذلك التعاطي على لغته أو لغة غيره فليس يريد لهما الأ الموت. بل على عكس ذلك كلما كانت اللغة قادرة على تمثل الكلام الاجنبي وهضمه، يعد ذلك مزية وخصيصة لها أن هي صاغته على أوزانها وأنزلته على أحكامها.أما عن تداخل اللغة الفارسية باللغة العربية، فذلك ما لم يكن منه بد، لأن عوامل التداخل قد حصلت للغتين مدى التاريخ والعوامل هي: السلطة السياسية والتجارة والهجرة وتعضد هذه العوامل دوافع تدفع اللغة المقترضة إلى الاقتراض من لغة أخرى، واهمها دافعان، الدافع الاول الاحتياج، وذلك لسدّ الفراغ في جهاز اللغة المقترضة بما يطرأ عليها من تجارب وأشياء لم تمتلكها، أو امور فكرية او دينية.والدافع الثاني، الميل ألى التجمل والمظهر، والذي كان ونشاهده اليوم باستخدام الكلمات الاجنبية في الحديث والكتابة.وما يصدق على اللغة العربية من تبادل التأثير على لهجاتها، لابد أن يصدق عليها فيما اضطرت إلى إدخاله في ثروتها من لغات الأمم المجاورة، ولم يكن قليلاً، فهي عرّبت منه الكثير قبل الاسلام حتى رأيناه في لغة الشعر الجاهلي وفي القران الكريم مثل (فردوس) كما عرّبت الكثير بعد الاسلام فوجدناه في زي عربي على السنة الشعراء والامراء وفي البيوت والاسواق وبين الخاصة والعامة.ففي الجاهلية عرّب عن الفارسية مثل الدولاب والدسكرة والكعب والسميد والجلنار، والجاموس وقد كان أهل اللغة يتصرفون في الكلمة ويعملون مباضع الاشتقاق في بنيتها فقالوا في زنديق (زنديك) زندقة وفي ديوان دوّن. وحين الف العلماء في (المعرّب والدخيل) الفقوا على ان اكثر المعرّبات في اللغة العربية، فارسية، كانما أرادوا بذلك أن يقولوا على أن تأثر العربية بالفارسية كان أبلغ واعمق من تأثرها بسائر اللغات، ولعل قولهم بهذا نفسر اطلاقهم لفظ أعجمي كلما أرادوا أن يذكروا لفظ فارسي.
سؤال: وهنا يخطر ببالنا سؤال مهم وهو، كيف استقرّت اللغة العربية في البلاد التي فتحها المسلمون، كمصر والشام والمغرب العربي حتى تحولت الى لغة شعبية رسمية ولم يتحقق لها هذا الاستقرار والتحول الى لغة شعبية في ايران رغم تلك القرون التي عاشتها على هذه الارض الواسعة؟
جواب: شاعت اللغة العربية في الاقطار التي كانت فيها لهجات عربية او لغات سامية من أخوات اللغة العربية، فتعربت شعوبها بيسر، الاّ أن العربية واجهت في ايران لغات ايرانية آرية، اضافة إلى اللغة الفارسية الدّرّية، وهي لغات تختلف في بنائها وصيغتها اختلافاً جوهرياً عن اللغة العربية واللغات السّاميّة كما أن خصائص شعوبها تختلف عن خصائص الشعوب السامية.
سؤال: هذا عن تطور اللغة، أما الخط الفارسي، فهل جرى عليه تطوّر خاص حتى تحول إلى الخط العربي، بعد أن كان فهلوياً؟
جواب: تطور الخط العربي من الخط النبطي الحوراني في القرن الاول قبل الاسلام، فصار منه الخط النسخ الحالي، ومن الخط السرياني الحيرى (والحيرة قرب الكوفة) فصار منه الخط الكوفي وكان العرب يستخدمون الخط النسخ في الرسائل والامور الديوانية والخط الكوفي في لكتابة القرآن الكريم وتزيين المساجد وكتابة المسكوكات. وبقي الخط العربي على تلك الحال حتى العصر العباسي فأجرى الكتاب الايرانيون العاملون في دار الخلافة والاعمال الحكومية آنذاك تغييرات على الخط العربي فاخترعوا خط الثلث والرّياسيّ والتوقيع والرّقاع والخفيف والمسلسل أما عن دخول الخط العربي في الفارسية وإبدال الخط الفارسي الفهلوي بالخط العربي، فذلك لسبيين:السبب الأول لأن الخط العربي كان أسهل من الخط الفهلوي ـ والسبب الثاني احتياج الايرانيين لفهم القرآن الكريم والحديث الشريف وللأمور الأخرى التي طرأت على المجتمع الفارسي. وقد أجرى الخطاطون الايرانيون آنذاك بعض التعديلات على الخط العربي حتى صار ملأئماً ومستعداً للغة الفارسية الدرية.
سؤال: بقي سؤال واحد وهو الاخير في هذه الحلقة، متى صارت اللغة الدرية لغة رسمية في ايران وكيف تطورت حتى وصلت الى ما هي عليه الآن؟
جواب: اللغة الفارسية الدرية هي استمرار وتطور إحدى لهجات اللغة الفهلوية، اللغة الرسمية في ايران قبل الاسلام ـ كما أسلفنا ـ وكانت اللغة الدرية، لغة اهل مشرق ايران، بعد الاسلام كخراسان وماوراء النهر، اذ كانت خراسان قبل هجمة المغول مهد الادب الفارسي، وكانت اللغة الفارسية الدرية قد تطورت بامتزاجها مع اللغة العربية حتى صارت كما رايناها في الآثار الادبية الباقية لدينا من القرن الثالث والرابع الهجريين. أما عن تسمتيها، بالدّرّية، ففيها روايات، منها، يقول ابن النديم في الفهرست من قول ابن المقفع: أما الدرية فلغة مدن المدائن وبها كان من يتكلم بباب الملك (الساساني) وهي منسوبة الى حاضرة الباب وقد أكد هذا القول حمزة بن الحسن الاصفهاني في كتاب التنبيه وياقوت الحموي في معهم البلدان في ذيل (فهلو) وكذلك المقدسي في أحسن التقاسيم، يقول (… وهذه اللغة درية، لانها كانت تستخدم في رسائل الملوك وقد اشتقت الدرية من (در) وهو الباب ويقصد به (دربار) أي بلاط الملوك وكذلك يؤكد هذا قول ابن حوقل في صورة للارض. وتسمى اللغة الدرية، بـ (البارسي) أي الفارسية.اما فردوسي، فيقول في الشاهنامة، عن ترجمة (كليلة ودمنة) التي ترجمت بامر نصر بن احمد الساماني:

بتازى همى بود تاگاه نصر

بدانگه كه شد در جهان شاه نصر

بفرمود تا پارسيّ دري

نبشتند وكوتاه شد داورى

اي كان الكتاب باللغة العربية حتى عصر نصر بن احمد، ثم أمر أن يكتب باللغة الفارسية الدرية، وهكذا استقلت اللغة الفارسية ترافق المدّ الاستقلإلى في السياسة والحكم، منذ العصور الصفاريّة والسامانية والزيّارية وما تلتها من عصور على وتيرة واحدة حتى العصر القاجاري، وقد ظهرت اللغة الفارسية، في هذه العصور لغة عالمية تدل على الدنيا بتراث فريد.
سؤال: نعود إلى سؤالنا، او بالاحرى إلى القسم الثاني من السؤال وهو، كيف صارت اللغة الدرية لغة رسمية في جميع بلاد ايران ومتى تحقق ذلك؟
جواب: يؤكد الدكتور خانلري في تاريخ اللغة الفارسية، أن العصر القاجاري (في بداية القرن الثالث عشر الهجري) شهد تطوراً سياسياً واقتصادياّ واجتماعياّ وثقافياً وأصبحت طهران عاصمة لايران فاحتضنت العاصمة النخبة من أبناء ايران القادمين من أنحائها المختلفة والذين تعهدوا المناصب الادارية، وصارت لهم لغة أدبية وسطى بين العامية والادبية، ومن أولئك النخبة الميرزة قائم مقام الفراهاني والامير الكبير وغيرهما واجتمع في طهران الصفوة من العلماء والادباء ورجال الدولة وكانت لغتهم الرسمية، هي الفارسية الدرية التي تربعت على عرش الادب طيلة عشرة قرون، قبلهم وكانت لغة المثقفين في العصر القاجاري قد أطلق عليها لغة (لفظ القلم) أي اللغة الادبية. والملفت للنظر أن ساكني طهران الاوائل انفسهم لهم لهجة خاصة بهم تختلف عن الفارسية الدرية وكانت متداولة في شمال طهران حتى اواسط القرن الرابع عشر الهجري وفي عصر الامير الكبير تقي خان رئيس وزراء دولة ناصر الدين شاه القاجاري وباهتمام الامير الكبير تأسست اول مدرسة اطلق عليها اسم (دار الفنون) ودونت لها الكتب الدراسية باللغة الفارسية الدرية التي أخذت تتطور يوماً بعد يوم وصلت إلى ما هي عليه اليوم.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم