البث المباشر

إباء العبّاس الأكبر (ع)

السبت 10 يوليو 2021 - 10:55 بتوقيت طهران
إباء العبّاس الأكبر (ع)

من صفات العبّاس الأكبر النفسيّة الإباء. وهذا الخلق النفسيّ من أميز أخلاقه وأشهر صفاته، ولا تقصر شهرته عن شهرة الشجاعة.

والإباء هو من شيم الاحرار وشمائل الكرام ومن إمارات المجد ودلائل النجابة وعزّة النفس وأحد نتائج الشجاعة التي هي إحدى فضائل النفس واُصولها الأربعة، فإنّ النفس العزيزة يحدث لها أمتناع عن قبول الضيم والرضوخ لذلّ الأستعباد فمتى ما سميت ضيماً أو اُريد بها هواناً نفرت نفرة المهرة العربيّة عند صلصة اللجام، ومثلت هذه النفس الحرّة والروح الكريمة الموتتين اللتين ستلاقيهما لا محالة ولا بدّ لها من أحدهما الموتة الحميدة على حدود السيوف المسلولة والموتة الذميمة على فراش الذلّة والهوان، فتختار أحد الموتتين.

وليس لاًمّة من الاُمم ولا لشعب من الشعوب ما للعرب في سبيل الإبا، وليس بنفوس سائر الاُمم ما بنفوس العرب من الأنفة عن ذلّ الاهتضام، فقد يضحّي العربّي العريق في السؤدد الصميم في المحتد نفسه النفيسة ويلقح حرباً شعواء مهولة كثيرة الأخطاء ذات تهاويل وشدائد في قبال كلمة لا تحتملها النفس العربيّة لما فيها من الوصمة لشرفه والاهتضام لمجده عند نفسه أو على ناقة توخذ منه قهراً أو تطرد عن المرعى وما شاكل ذلك، كما هو سبّب أكثر حروب الجاهليّة.
أمّا الإباء المحبوب لكلّ نفس حرّة في كلّ دور من أدوار حياة البشر وهو الذي أكّدته الشرائع السماويّة والكتب المقدّسة وندبت إليه الأسفار المنزلة من عند الله تعالى فهو الإباء الذي يكون في سبيل دفع الأستعباد الجائر ومقاومة الأستعمار الجبّار، ذاك هو الإباء الحرّ وهو مرّ المذاق كريه الطعم إلاّ في فم من أستعذبه على مجاجة مذاقه ومرارة طعمه ولا نعلم مؤسّساً لهذا الإباء غير الحسين بن عليّ (ع) وأقتفى أثره أهل بيته الأحرار الأماجد اُباة الضيم وحماة الاُنوف فأقتدى به وبهم سائر من عاف الذلّ وترفّع عن الرضوخ للهوان، ولذلك يقول قائلهم وقد صمّم على الموت مستدفعاً به ضيم الحياة ومؤثراً عزّ المنيّة على ذلّ العيشة الدنيّة:

وإنّ الاُولى بالطفّ من آل هاشم

تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا

معنى الإباء لغة:
قال في القاموس: أبى الشيء يأباه إباء وإباءة بكسرهما كرهه، والأبيّة التي تعاف والتي لا تريد عشاء، وأبيت الطعام كرهته، ورجل أبيّاً محرّكة أمتنع فهو آب وآبى.
وقال في المصباح: ابي الرجل يأبي إباء بالكسر والمدّ إباية أمتنع فهو آب وآبى.
وقال في النهاية: الإباء أشدّ الأمتناع.

معنى الإباء العقليّ:
هو كالمعنى اللغويّ وهو الأمتناع من المذلّة وهو كما علمت نتيجة الشجاعة.
قال في سلوك المالك(1): الانفة وهي نبو النفس عن الاُمور الدنيّة.
وقال(2): وأن يحدث عن تركيب الشجاعة مع العفّة الغيرة على الحرم وإنكار الفواحش.
وقال أبن مسكويه في تهذيب الأخلاق(3): وأمّا الشجاعة فإنّ صاحبها يسمّى آنفاً وغيوراً ألخ.
وما ذكره هذا الفيلسوف مقتبس من كلام العرب فإنّهم يرون تضحية النفس في سبيل حفظ الشرف وعدم الأنقياد للسلطة الجائرة الجبّارة متجاوزاً حدّ الشجاعة ويسمّون الاتّصاف بها إباء وأنفة وحميّة فيقولون للمتّصف بها: حمي الأنف وأبي الضيم، ويقولون: فلان غيور فخور أنف، وفلان دو أنفة كلّ هذه الألفاظ تطلق على من تجاوز وصف الشجاعة إلى وصف أرقى منها وأنبل وكانت هذه الصفات من ممّيزات بني هاشم وشعار الحماة من آل عبد المطّلب لذلك يقول راثي الحسين (ع):

قل بقوم بهمو يحمي الطريد

وأستقام الكون فيهم والوجود

أبرغم منكموا ساد يزيد

يا اُباه الضيم ما هذا القعود

والموالي اليوم سادتها العبيد

وأختصّ بها الحسين بن عليّ (ع) وأهل بيته دون سائر العرب، فإذا قيل أبيّ الضيم لا يتبادر منه إلاّ الحسين (ع) والتبادر علاة الحقيقة فإنّ موقف الحسين (ع) في كربلاء بإزاء تيّار العدوّ المتلاطم وثباته في ذلك الموطن الحرج الذي تزلّ فيه أقدام الشجعان ممّا أدهش العقول وحيّر الافكار وأذهل الألباب حتّى أصبح ذلك السيّد العظيم نحيرة المجد والشرف وضحيّة الفخر والسؤدد، وما ضحّى تلك النفس الكريمة التي لا ثمن لها في هذا العالم إلاّ في سبيل إحياء الدين وإشادة المجد ولذلك أصبح اًسوة الأشراف وقدوة العظماء المتأثّرين بعده كما تمثّل بعضهم وقد ليم على الإقدام: وإنّ الاُولى بالطفّ، البيت المتقدّم.
وقال المقتدر الخليفة العبّاسيّ لاُمّه حين صمّم على لقاء مؤنس المظفّر وقد لاحت أمارات الخذلان على جيشه: سلام عليك أنّه يوم الحسين.
إن من كبار المصلحين وعظماء الرجال الذين أنهضتهم الغيرة والحميّة على صيانة الشرف وحفظ الدين معاً هو سيّد الشهداء سيّد شباب أهل الجنّة سبط سيّد الانبياء وشبل سيّد الاوصياء إمام أهل الإباء الحسين بن عليّ (ع) فإنّما نهضته الإصلاحيّة وثورته الخطيرة المشهورة في التاريخ الشهيرة في ديوان الإصلاح البشريّ لم تكن مسبّبة عن هوان يلحقه في نفسه ولا من أنتقاص في مجده وشرفه فإنّ الحسين (ع) وإن كانت السلطنة لمن دونه في المجد والسلطة للوضعاء لكنّه عند المسلمين قاطبة في أسمى رتبة وأعلى مكان وله عند الاُمراء مكانة مكينة ومحلّ سامي.
فقد كان (ع) يأخذ الأموال من عمّال معاوية من غير أن يراجع معاوية أو يستأذنه، فلو أقام والحال هذه لم ينقص شرفه ولم يثلم مجده فقد أقام جدّه وأبوه وأخوه صلوات الله عليهم أجمعين زمناً طويلاُ والسلطة والسلطنة لغيرهم، وأقام هو (ع) قبل نهضته والقوم له محترمون يبجّلونه غاية التبجيل ولكنّة رأى وعاين ما لا يصبر على مثله الحرّ الكريم، ولا يتحمّل أدناه ذو النفس الأبيّة، والذي يغار على الإسلام والشريعة ويروم الإصلاح في الاُمّة التي قهرها الأستبداد وأثّر فيها نكد الاستعباد، فقد صدرت من عمّال بني اُميّة وملوكهم من الفظائع الشنيعة والأعمال المنكرة الماحقة لعامّة أحكام الشريعة المحمّديّة الناشرة روح المدنيّة على العالم بأسره فكم دم يراق وحرمة تهتك وأموال تؤخذ جبروتيّة وغلبة، وفروج تستباح قهراً وتستحلً فجوراً إلى غير ذلك من الاُمور التي كانت تعملها جبابرة الاُمم وفراعنة الملوك الذين أرسل الله إليهم الرسل وأبتعث الأنبياء المصلحين وآمرهم بمقاومة الاستبداد الجبروتيّ وأوجب عليهم تغييره ولو بتضحية نفوسهم.
وعلى مثل ذلك نهض الحسين (ع) نهضته المشهورة وقد صرّح بذلك في كلام له (ع) في جواب من نهاه عن الخروج وخوّفه أعتداء الأمويّين: إنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي (ص) لآمر بينهم بالمعروف وأنهي عن المنكر، فأختار تلك القتلة الحميدة والتضحية الكريمة في سبيل الإصلاح وتغييراً للبدع وإنكاراً للجور المسلّط على اُمّة محمّد (ص) والعدوان الموجّه من اللعين الفاجر على عامّة المسلمين في أقطار الأرض وقد علمت أنّ رسول الله (ص) كان عظيماً معظّماً في قريش يتحاكمون إليه ويرضون بحكمه ويسمّونه الصادق الأمين حتّى نهض تلك النهضة الإصلاحيّة التي أوجبت تهذيب العالم من رذائل الأخلاق والعادات الفظّة وتقديسه وتطهيره من الأدناس والمنكرات فقاوم الشرك والمنكرات الجاهلّية قولاً وفعلاُ فعادوه وأظهروا البغض له وتعاونوا في البغي عليه وأصروا على العناد والتعنت وتمادوا في اللجاج حتّى أصبحوا صرعى بغيهم وظلالهم.
وكذلك سبيل كلّ من قام من المصلحين العظام بنهضة يروم بها قمع الأباطيل وكبح جمحات الأضاليل فإنّه يلاقي عراقيلاً شديدة ويجابه أفظع النكبات التي يوجّهها ضدّه أنصار الجور وبغاة العدوان المصلح العظيم لا يقف عند عروض العراقيل في سبيل دعايته ولا تهمّه الأخطار التي تحفّ بمقصده المقدّس وغايته الشريفة فلا يرتجف قلبه عند ملاقات المحن والشدائد ولا يكترث بالكوارث الطارقة، ولا يهتمّ لقلّة الأنصار والمساعدين له على دعايته ونشر دعوته، ولا يهن قويّ العزم عن السير في تلك الخطّة القويمة وإن تكبّد ما تكبّد من المصاعب الشاقّة ولاقى من الأهوال المزعجة.
نعم، قل لي أين يوجد مثل الحسين بن علي (ع)؟ هيهات أن يوجد مثله في هذا النوع البشريّ، إنّها كلمة حقّ لا مغالاة فيها ولا شطح، إنّ رجلاً قام يخطب في أنصاره وأعوانه وقد أحاطت به الأخطار من كلّ ناحية وأكتنفته ألاهوال من كلّ وجهة ويأمرهم بالتفرّق عنه لكيلا يصابوا بمثل ما يصاب به من التضحية لنفسه التي صمّم على تضحيتها وأختارها مذ رأت عينه وسمعت اُذنه ما حلّ بالإسلام والمسلمين من الويلات من إراقة الدماء وذبح الأطفال وقتل النساء وشقّ بطون الحوامل عن الأجنّة وهتك الأستار وإباحة الفروج وما لا يسعني إحصاؤه في مثل هذه العجالة فعاهد الحسين (ع) الأبّي الغيور والشهم الحرّ نفسه أن لا يتريّث عن مقاومتهم خطوة، ولا يتوانى عن مناواتهم لحظة حتّى يصلح ما أفسدوا، ويداوي كلم ما أجترحوا أو يفتدي الدين بنفسه، ومن كان هذا أعتقاده وإليه جلّ سعيه وأجتهاده فجدير أن يمض بعزم ثابت وجاش رابط منفرداً بتلك النفس العظيمة العديمة المثيل، وحريّ به أن يقول لمن أكتنفه من أفذاذ الرجال ومساعير الحروب المصاليت الذين أنهضتهم حميّة الدين معه وأثارتهم عواطف الشعور العربيّ: هذا لليل قد غشيكم فأتّخذوه جملاً وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرّقوا في سوادكم فإنّ القوم ليس لهم طلبة غيري فإذا ظفرو بي لهواع عن طلب سواي.

السبب في أمر الحسين (ع) أصحابه بالتفرّق:
وإنّما أمرهم بالتفرّق في مثل هذه الساعة الحرجة والموقف الرهيب مع كونه أحوج ما يكون إلى تكثير المساعدين بدلاُ عن تفريق الحاضرين وصرف المدافعين عنه لأمرين:
أحدهما أنّ الأمر معه وصل إلى الغاية التي لا يرجو معها البلوغ إلى الغرض الذي يرمي إليه وهو تغيير سنن الجائرين وكبح جماح المتمرّدين وإنّما المتيقّن عنده في تلك الساعة هو القتل لاغير والشهادة ليس إلاّ وأنّه مقتول وجد له ناصراً أم لم يجد، وأنّ مطلوب عدوّه قتله دون من تبعهه من الناس فأحبّ أن يتمتعّوا بالحياة إلى وقت ويتهنّؤوا بالعيش إلى حين ولكن الكرام أبوها ورفضوها قائلين لم نفعل ذلك لنبق بعدك لا أرانا الله ذلك، وقالت طائفة اُخرى منهم: لو كانت الدنيا لنا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.
ثانيهما أنّه (ع) أحبّ مع علمه بثبات أصحابه وقوّة عزائمهم ونفوذ بصائرهم وأنّ نهضتهم دينيّة أن يكشفها للاُمّة كشفاً ظاهراً حتّى لا يطعن طاعن او يقدح قادح في سياسته (ع) فيزعم أنّ نهضته غير دينيّة وإنهّ كان يحاول سلطاناً فأغترّ بذلك جماعة من الناس وأختدعهم فتوهّموا أنّه سينال سلطنة ويصيب ملكاً حتّى أوقعهم في الخطّة التي إنتهت بهم إلى القتل والقوم عرب يأنفون عن التسلّل عنه فراراً ويستهجنون أن يقال لهم تركتم صاحبكم وأسلمتموه عند معترك المنايا للمنون وهربتم ناجين بأنفسكم فأظهر (ع) للناس بترخيصه لهم في مفارقته ما أجنّته نفوسهم وأنطوت عليه ضمائرهم من الإخلاص الصادق والمحبّة العظيمة للتضحية معه وأنّهم ما تبعوه إلاّ على الشهادة ولا لا زموه إلاّ لأجل القتل معه ولم يتّبعوه على ملك ولا سلطان.

رفض أصحابه الرخصة في الأنصراف عنه:
وإنّما رفضوا الرخصة في النجاة من الموت وأختاروا القتل معه على الحياة لأمرين: أحدهما حفظ رسول الله (ص) فيه لقوله (ص): أيّها الناس! إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهذا صريح قول بعض خطباءهم لأهل الكوفة: بئسما خلّفتهم محمّداّ في أهل بيته.
وثانيهما إنّهم يطلبون مثل الذي يطلب من مقاومة الجور والعدوان والتضحية في سبيل إحياء الدين وتقويم الإسلام وإظهار كلمة الحقّ ونشر العدل والأمن أمّة محمّد (ص) لأنّهم كلّهم من الزهّاد وعبّاد الناس وصلحاءهم وقد قال بعض الكوفيّين عقيب الوقعة بزمن يوبّخ رجلاً كان مع عمر بن سعد: ويلك! قتلتم أبن رسول الله (ص) والعباد الصالحين معه، فقال: ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها لو ونينا عنها ساعة لأتت على الجمع بحذافيره ألخ. فصلاحهم وزهدهم ممّا لا شكّ فيه، فأخبروا الحسين (ع) بما عرفه التاريخ من قولهم وفعلهم، فألجم فم كلّ قادح بأنهم لم يكن لهم غرض ولا حاجة في هذه الحياة الفانية والعيشة الزائلة فهم لا يطلبون الدينا التي تركوها ولا يريدون الحياة التي سئموها وإنّما رفضوها لأجل هذه الغاية الشريفة فقالوا معلنين: إنّما طلّقنا حلائلنا وفارقنا ديارنا وأهالينا وأعرضنا عن زهرة دنيانا إلاّ لكي نفديك بأرواحنا، قال راثيهم:

جادوا بأنفسهم عن نفس سيّدهم

وقد رأوا لبثهم من بعده عارا

فالحسين (ع) هو أوّل من سنّ الإباء أنفة من ارضوخ للأستبداد الجائر وأسسّ نهضة الفخر في مقاومة سلطة الأستعباد الصارم.
قال أبن ابي الحديد الكاتب الحنفيّ المعتزليّ في شرح نهج البلاغة(1): سيّد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة والموت تحت ظلال السيوف أختياراً له على الدنيّة ابو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع)، عّرض عليه الأمان هو وأصحابه فأنف من الذلّ وخاف أبن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنّه لا يقتله فأختار الموت على ذلك، وسمعت النقيب ابا زيد يحيى بن زيد العلويّ البصريّ يقول: كأنّ أبيات أبي تمام في محمّد بن حميد الطائيّ ما قيلت إلاّ في الحسين(ع):

وقد كان فوت الموت سهلاً فردّه

إليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر

ونفس تعاف الضيم حتّى كأنّه

هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر

فأثبت في مستنقع الموت رجله

وقال لها من دون أخمصك الحشر

وتردىّ ثياب الموت حمراً فما بدا

لها الليل إلاّ وهي من سندس خضر

لمّا فرّ أصحاب مصعب عنه وتخلّف في نفر يسير من أصحابه كسر جفن سيفه وأنشد:

وإنّ الاُولى بالطفّ من آل هاشم

تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا

فعلم أصحابه أنّه أستقتل، ومن كلام الحسين (ع) يوم الطفّ المنقول عنه نقله زين العابدين عليّ أبنه (ع): ألا إنّ الدعيّ أبن الدعيّ قد خيّرنا بين أثنتين: بين السلّة والذلّة وهيهات من الذلّة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجور طهرت واُنوف حميّة ونفوس أبيّة، وهذا نحو قول أبيه (ع): إنّ أمرء أمكن عدوّه من نفسه يعرق لحمه ويفري جلده ويهشّم عظمه لعظيم عجزه، ضعيف ما ضمّت عليه جوانح صدره، أنت فكن ذاك إن شئت وأمّا أنا فدون أن اُعطي ذلك ضرب بالمشرفيّّة تطير منه فراش الهام وتطيح السواعد والأقدام ألخ.

إباء أبي الفضل بن أمير المؤمنين (ع):
قد بذل له الأمان ولإخوته الأشقّاء خاصّة غير الأمان الذي اُعطي للحسين (ع) ولأصحابه عموماً قد قام بطلب الأمان من ابن زياد للعبّاس (ع) وإخوته رجلان من أخوالهم وهما عبد الله أبن أبي أنجل الكلابيّ خاله شقيق اُمه اُمّ البنين والشمر بن ذي الجوشن الكلابيّ الضبابيّ وكانت له منزلة عند أبن زياد ومكانة مكينة فقاما إليه لمّا صمّم على قتل الحسين (ع) وطلبا منه الأمان لبني اُختهم العبّاس وإخوته.
ذكر أبن الأثير في تاريخ الكامل(4) والطبريّ في تاريخ الاُمم والملوك ولفظه(52) أبو مخنف عن الحارث بن حصيرة عن عبد الله بن شريط العامريّ قال: قبض شمر بن ذي الجوشن الكتاب ـ يعني بقتل الحسين (ع) ـ قام هو وعبد الله بن أبي المحل وكانت عمّته اُمّ البنين أبنة حزام عند عليّ بن ابي طالب (ع) فولدت له العبّاس وعبد الله وجعفر وعثمان وقال عبد الله بن ابي المحلّ بن حزان بن خالد بن ربيعة بن الوحيد بن كعب بن عامر بن كلاب: أصلح الله الأمير إنّ بني اُختنا مع الحسين، قال: رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت؟ قال: نعم ونعمة عين، فآمر كاتبه فكتب لهم أماناً فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له كزمان فلمّا قدم عليهم دعاهم فقال: هذا أمان بعث به خالكم، فقال الفتية: إقرأ خالنا السلام وقل له: لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير من أمان أبن سميّة.
قال: فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد فلمّا قدم عليه فقرأه فقال له عمر: مالك ويلك لا قرّب الله دارك وقبّح ما أقدمت به عليّ والله إنّي أضنّك أنت نهيته أن يقبل ما كتبت به إليه فأفسدت علينا أمر كنّا رجونا أن يصلح، لا يستلم والله حسين إنّ نفس أبيه بين جنبيه، فقال له شمر: وما أنت فاعل؟ أتمض لأمر أميرك وتقتل عدوّه وإلاّ فخلّ بيني وبين الجند والعسكر، فقال: ولا كرامة لك وأنا أتولّى ذلك منهم، قال: فدونك أنت فكن على الرجّالة.
قال : فنهض إليه عشيّة الخميس لتسع مضين من المحرّم، قال: وجاء شمر حتّى وقف على أصحاب الحسين (ع) وقال: أين بنوا اُختنا؟ فخرج إليه العبّاس وجعفر وعثمان بنو عليّ فقالوا له: مالك وما تريد؟ فقال: أنتم يابني اُختي آمنون، فقال الفتية: لعنك الله ولعن أمانك وإن كنت خالنا أتؤمننا وأبن رسول الله (ص) لا أمان له، إنتهى.
وفي العبارة غلط واضح وقوله ((عمّته عند عليّ)) والظنّ أنّ الأصل اُخته كما هو صريح آخر العبارة وقد صرّح الطبريّ وغيره أنّ حزام والد عبد الله واُمّ البنين يكنى بأبي المحلّ ذكره في خلافة أمير المؤمنين ولكن سبط أبن الجوزيّ في التذكرة(6) ذكر عن الطبريّ أنّ جرير بن عبد الله بن أبي المحل كانت اُمّ البنين عمّته فأخذ لهم أمامناً هو وشمر وعليه تسقيم العبارة، وإنّ في النسخة المطبوعة سقط، وقولهم في آخر العبارة ((أبلغ خالنا)) إنّ ذلك يقال لسائر عشيرة الاُمّ.
أمّا الشيخ المفيد فذكر أمان الشمر خاصّة والسيّد أبن طاوس وابن نما كذلك ونصّ السيّد (رحمه الله) في الملهوف(7): ورد كتاب عبيد الله بن زياد على عمر بن سعد يحثّه على تعجيل القتال ويحذّره من التأخير والإمهال فركبوا نحو الحسين (ع) وأقبل شمر بن ذي الجوشن ونادى: أين بنو اُختي عبد الله وجعفر والعبّاس وعثمان؟ فقال الحسين (ع): أجيبوه ولو كان فاسقاً فإنّه بعض أخوالكم، فقالوا له: ما شأنك؟ فقال: يابني اُختي! أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين والزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد. فقال له العبّاس بن عليّ: تبّت يداك وبئس ما جئت به من أمانك ياعدوّ الله، أتأمرنا أن نترك أخانا وسيّدنا الحسين بن فاطمة وندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟! فرجع الشمر إلى عسكره مغضباً، إنتهى.
ومثله ذكر أبن نما في مثير الأحزان(8). وهذا أمر مشهور عند أرباب المقاتل فلا يتطرّقه شكّ ولا يطرأ عليه أرتياب وهذا هو الإباء الحرّ وهذه هي الحميّة الخالصة والأنفة العربيّة المحضة فإنّ عدّ أبن المهلّب وأبن الزبير من الاُباة الآنفين من المذلّة وقد بذل لهما الأمان مرّة واحدة وقد تكرّر بذل الأمان العبّاس وإخوته فكان أربع مرّات مرّتان له بالأشتراك مع أخيه الحسين (ع) في أمان عمرو بن سعيد وأمان عبيد الله بن زياد للحسين وأصحابه وقد رفض أبو عبد الله الحسين الأثنين وأبو الفضل معه، ومرّتان كانتا له خاصّة كما سمعت فرفضهما أيضاً أبو الفضل وقد أحسن مؤبّنه بقوله:

أبا الفضل يامن أسسّ الفضل والإباء

أبى الفضل إلاّ أن تكون له أبا

وقال الشيخ محمّد رضا الاُزريّ البغداديّ من قصديدة:

وأشمّ لا يحتل دار هضيمة

أو يستقل على النجوم رغامها

وللمؤلف:

أبو الفضل ردّ أمان العدى

وسار إلى الموت مستعجلا

وقال أخسؤوا ياعبيد الورى

فلسنا نطيع شرار الملا

أنخضع للذلّ لا والحفاظ

ومجد أبينا عليّ العلا

وطعم المنيّة عند الحفاظ

وإن كان مرّاً لدينا حلا

ألا حبذا الموت موت الكرام

على العزّ والذلّ منّا فلا

وللحرّ نفس تعاف الهوان

وتهوي على العزّ أن تقتلا

فهيهات نذعن لأبن الدعيّ

وحكم الطليق لئيم الملا

وهاذي السيوف بأيماننا

عطاش الحدود لورد الطلا

فلسنا نغادر أرض الطفوف

ولم نرتحل قط عن كربلا

وقد تبعتنا طيور السما

تروم قراها ووحش الفلا

سنشبعها من لحوم العدا

فلا تشتكي الجوع مستقبلاً

وقد صدق القول منه الفعال

ونال الفخار وحاز العُلا

وللمؤلّف أيضاً:

أليس أبوالفضل الذي أسس الإبا

وسنّ لنا شرع لاحفاظ جديدا

فكم مّرة اُعطي الأمان فعافه

وخُيِّر فأختار الممات حميدا

تردّى ثياب الفخر بيضا نقّية

أجدن المعالي نسجهنّ برودا

فنفسي الفدا للمكتسي الحمد والثنا

ومستطعم مرّ الحفاظ برودا

فما حدّثته النفس إنّ حياته

ألذّ وأحلى أن يموت سعيدا

وما حدّثته النفس أن يحيى ساعة

يرى حكماً في المسلمين يزيدا

مقتبس من كتاب (بطل العلقمي) للعلامة الشيخ عبدالواحد المظفر

1ـ سلوك المالك في تدبير الممالك: ص26.
2ـ نفسه: ص33.
3ـ تهذيب الأخلاق: ص379.
4-الكامل في التاريخ 4/33.
5- تاريخ الطبريّ 6/236.
6ـ تذكرة الخواصّ: ص142.
7ـ الملهوف: ص77.
8ـ مثير الأحزان: ص31.

 

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة