قصيدة "ذكرى الوصَيّ"... في ذكرى ولادة الامام علي عليه السلام

الجمعة 26 فبراير 2021 - 08:32 بتوقيت طهران
قصيدة "ذكرى الوصَيّ"... في ذكرى ولادة الامام علي عليه السلام

قصيدة لسماحة السيد محمد حسين فضل الله ألقيت في الحفل الكبير الّذي أقامه سدنة الرّوضة الحيدريّة ، في الصّحن العلويّ الشّريف بالنجف الاشرف ، في ليلة 13 رجب 1372 هـ ، بمناسبة الذكرى السنوية لمولد الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

ذِكرى: وهل تنفعُ الأحداثُ والذّكَرُ

إن لم يكن للورى في طَيِّها عِبَرُ

ذكرى: وما ذِكَرُ الماضي سوى صورٍ

بيضاءَ، يكمنُ فيها الثّأرُ والحذَرُ

تبدو لتبعثَ من تاريخِنا عِظَةً

يسمو بها غدُنا الآتي ويزدهرُ

وتُلهمُ الجيلَ من آياتِها سُوَر

تشِعُّ فيها لنا الآراءُ والفِكَرُ



والذّكرياتُ: مثارُ الوعي.. تُلهمُن

مِنْ هديِها ما به نسمو ونفتخِرُ

وقبسةُ الحقِّ في شعبٍ تقاسَمَهُ

حُكّامُهُ، وأضلّت عَقلَهُ النُّذُرُ

ويقظةُ الرّوح في دُنيا مساومةٍ

يسودُ فيها علينا الخائنُ الأشِرُ

ووثبةُ العدلِ والتّحرير، في بلدٍ

طغى به الجَوْرُ حتى كاد ينفجِرُ

صُونوا بها (غَدَكُم) كيما ترونَ به

جيلاً يرفُّ عليه البأسُ والظَّفَرُ

فما (غَدٌ) غيرُ زرعٍ قد تعهّدهُ

(ماضٍ) فأزهرَ فيه الخيرُ والثّمَرُ



ذكرى الوصيِّ: وكمْ قُمنا نُشيدُ به

دَهْراً توالت به الأحداثُ والغِيَرُ

وكم سَبَكْنا القوافي في مآثِرِه

مدحاً تفيضُ على أوزانِهِ الدُّرَرُ

كأنّما هي ملهاةٌ، نُسخّرُه

للّهوِ إمَّا دَعَانا اللّهْوُ والسّمَرُ

ونحنُ والجَوْرُ والطّغيانُ يُحرقُن

بنارِهِ، ولهيبُ الظُّلْمِ يَسْتعِرُ

نمرُّ فيها سراعاً.. لا تحرِّكُن

أحداثُها، أو تقوِّي عَزْمَنَا الذّكَرُ

نزجي لها النّغمَ المذبوحَ مُرتجف

يذوب منه على أنّاته الوترُ

ما قيمةُ الشّعرِ إن لم يبنِ مجتمع

حرّاً تسيرُ على منهاجِهِ العصرُ



سرُّ الولادةِ.. دنيا في جوانبِهَ

يسمو الخيالُ، ويغفو الظلُّ والثّمَرُ

دنيًا، يصوّرُهَا التّاريخُ معجزةً

تهوي على جانبيْها الأنجُمُ الزُّهُرُ


ويُبْصرُ الفكرُ فيها من دقائقه

ما ليس يدركُهُ في نورِهِ البصرُ

إشعاعة من وراء الغيبِ يسكبُه

وحيٌ تشِعُّ به الدّنيا وتزدهِرُ

تحوطُها هالةٌ قدسيّةٌ رَفَعَت

غشاوةً عن وليدٍ سوفَ ينتصِرُ

وشامَ فيه (عليّاً) في تألّقِهِ رمز

من العدلِ تُجْلى عندَهُ الصُّوَرُ



سرُّ الولادةِ دنيًا رفَّ في غَدِه

هُدى الكتابِ، فلا خوفٌ ولا حَذَرُ

دنيًا منَ الحقِّ مَرساةٌ قواعدُه

يحوطُها الأبَلجانِ العزُّ والظَّفَرُ

تمخَّضَتْ عن حياةٍ حُرّةٍ بَعثَتْ

رُوحَ الجهادِ، فلا ضعفٌ ولا خَوَرُ

تَسيرُ والدّينُ والقرآنُ يغمُرُه

بِوحيهِ، وجيوشُ الشِّركِ تندحِرُ

وحيدرٌ يتلقّاها، وفي يدِهِ

سيفٌ من الحقِّ يطغى عندَهُ الخَطَرُ

يرمي فيحصِدُ أرواحاً ملوّثةً

بالموبقَاتِ فلا يُبقي ولا يَذَرُ

وهكذا سارَ ركبُ الدّينِ في دَعَةٍ

روحيّةٍ، ليس يغشَى صَفْوَها كَدَرُ

والوحيُ يبعَثُ من قُرآنِهِ نُظُم

للكون، يَعجزُ عن إدراكِها البشرُ

قُرآنُ حقٍّ، وكمْ من حِكْمةٍ ظهرَتْ

فيه، وكم من مَجَالي آيِهِ عِبَرُ

يُمهّد الدّربَ للأجيالِ، يغرِسُهُ

زهراً، تموجُ به النُّعمَى وتنهمرُ

والدّينُ أنشودةُ الأرواحِ ماجَ به

سَمْعُ الحياةِ، وشعَّت عندَها الفِكَرُ

يُلقي بأعماقِنَا من وحيِها صور

للحادثَاتِ، ليبقى بَعْدَها الأَثَرُ

(وأحمدٌ) (وعليٌّ) يبعثانِ به

من ثورةِ الحقِّ ما يعلو ويشتهرُ

هُدًى دعامتُهُ حقٌّ وتضحيةٌ

ودعوةٌ يتَهاوى عندَها القَدَرُ



يا سيّدي، يا إمامَ العدلِ معْذِرَةً

فقد تبدّل منّا الرّأيُ والنَّظرُ

بَعَثْتَهُ مثلاً أعلى يُنيرُ لن

طُرقَ الهدايةِ إمَّا خاننا البصرُ

وقلْتَ هذا سبيلُ العدلِ مُنبلِجٌ

أمامَكُمْ، ومعينُ الحقّ منهمِرُ

حتّى مضى الفجرُ لم نحفل بطلعتهِ
ولم يَقُم في مجالي أفقِهِ نذرُ

وأصبحَ الدّينُ في أفواهِنا كَلِم

نقولُها، ثمّ تمضي وهي تستعِرُ

يمدُّنا الغربُ بالنّجوى، فنتبعُهُ

عُميَ البصائِرِ، لا رأيٌ ولا فِكَرُ

ويبعثُ الرّأيَ مسموماً فتلقَفَهُ

أرواحُنا بخشوعٍ وهي تحتضِرُ

كأنّنا لم تقُمْ في أفْقِنا فِكَرٌ

تَهْدي الَّصوابَ، ولم تُنصَبْ لنا سرُرُ

ولم نُشَيِّدْ من الإيمانِ مملكةً

يهوي لها المُلْكُ إعظاماً ويَندثِرُ

ماضٍ لمسنا بِه أقصى السّماء عُلاً

مَضَى، ولم يبقَ إلا الحزنُ والذِّكَرُ

فابعَثْ لنا قَبَسَ الإيمانِ مُؤتَلِق

عسى يعودُ لنا الماضي فَنَزدهِرُ
 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم