البث المباشر

امام المتقين

الخميس 15 نوفمبر 2018 - 19:59 بتوقيت طهران
امام المتقين

كحصيلة للاعداد المميز الذي حظي به الامام عليه السلام من لدن استاذه الرسول صلى الله عليه وآله الامر الذي تناولناه في مدخل هذه الرسالة فقد طبعت شخصية الامام عليه السلام بشخصية المصطفى صلى الله عليه وآله في جميع مقوماتها: عبادة وفكراً ومواقف.

يسلك سبيله يقتفي سنته ويقفو اثره ومن اجدر بتجسيد سنة الرسول صلى الله عليه وآله كاملة في دنيا الوقاع سوى علي عليه السلام؟ الذي صنع رسول الله صلى الله عليه وآله شخصيته وشكل جميع عناصرها وطبعها بالطابع الالهي منذ نعومة اظفاره.. 
واذ نعقد هذا الفصل للحديث عن عبادة الامام عليه السلام ووسائل تعلقه بالله سبحانه، فسنعرض شواهد منه، لندرك السمو الشاهق الذي بلغه الامام عليه السلام في مضمار الانشاد الى الله واستلهام منهج الرسول صلى الله عليه وآله المطهر في هذا المضمار: 

صلابته وضراعته

فلكثرة تعاهده لامر الصلاة والتضرع الى الله تعالى يشير عروة بن الزبير في حديث له عن ابي الدرداء قال: (شهدت على بن ابي طالب بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممن يليه واستتر بمغيلات النخل فافتقدته وبعد عن مكانه فقلت: الحق بمنزله فاذا انا بصوت حزين ونغم شجي وهو يقول: (الهي كم موبقة حملت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرمت عن كشفها بكرمك. الهي ان طال عصيانك عمري، وعظم في الصحف ذنبي، فما انا مؤمل غير غفرانك، ولا انا راج غير رضوانك) 
فشغلني الصوت واقتفيت الاثر فاذا هو علي بن ابي طالب عليه السلام بعينه فاستترت له واخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغامر ثم فرغ الى الدعاء والبكاء والبث والشكوى فكان مما ناجى به الله تعالى ان قال: (أه ان انا قرات في الصحف سيئة انا ناسيها وانت محصيها فتقول: خذوه، فياله من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته ولا يرحمه الملأ اذا اذن فيه بالنداء).
ثم قال: (اه من نار تنضج الاكباد والكلى، اه من نار نزاعة للشوى، اه من لهبات لظى).
قال ابو الدرداء ثم امعن في البكاء فلم اسمع له حسا ولا حركة فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر،اوقظه لصلاة الفجر، فاتيته فاذا هو كالخشبة الملقاة فحركته فلم يتحرك وزويته فلم ينزوي فقلت: انا لله وانا اليه راجعون مات والله علي بن ابي طالب فاتيت منزله مبادراً انعاه اليهم.
فقالت فاطمة عليها السلام: (يا ابا الدرداء ماكان من شانه وما قصته؟) فاخبرتها الخبر.
فقالت فاطمة عليها السلام: (هي والله يا ابا الدرداء الغشية التي تاخذه من خشية الله).
ثم اتوه بماه فنضحوه على وجهه، فافاق ونظر الي وانا ابكي فقال: (مما بكاؤك يا ابا الدرداء؟ 
فقلت: مما اراه تنزله بنفسك. فقال: (يا ابا الدرداء، فكيف لو رايتني ودعى بي الى الحساب وايقن اهل الجرائم بالعذاب واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبار، قد اسلمني الاحباء ورفضني اهل الدني، لكنت اشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية).
فقال ابو الدرداء: (فوالله ما رايت ذلك لاحد من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله).
هذا شاهد من شواهد تعلق الامام عليه السلام بالله تعالى وشدة انشداده اليه ورهبته منه. 
ويبدو ان هذا ديدن علي عليه السلام كما يتجلي من قول الزهراء عليه السلام لابي الدرداء: (هي والله الغشية التي تأخذه من خشية الله). 
وهذه مزيته عند التوجه الى الله في صلاته وضراعته الامر الذي الفه اهل البيت عليه السلام في علي عليه السلام.
ومن اجل ذلك لم يفزعوا حين انبأهم ابو الدرداء بموته كما ظن هو بل استفسروا عما راى فأعلمته الصديقة عليه السلام ان ما راه هو المألوف من علي عليه السلام كل اْن حين تأخذة الغشية لله تبارك وتعالى اثناء قيام الليل.
ولكثر قيامه للعبادة ليلا يحدثنا عبد الاعلى عن نوف البكالي... قال: (بت ليلة عند امير المؤمنين عليه السلام فكان يصلى الليل كله ويخرج ساعة بعد ساعة، فينظر الى السماء ويتلو القران فمر بي بعد هدوء من الليل فقال: (يا نوف أ راقد انت ام رامق؟) 
قلت: بل رامق ارمقك ببصري يا امير المؤمنين.
قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الاخرة اولئك الذين اتخذوا الارض بساطا وترابها فراشا وماءها طيبا والقران دثاراً والدعاء شعارا وقرضوا من الدنيا تقريضا على منهاج عيسى بن مريم...). 
وهكذا كان علي عليه السلام في شدة تعلقه بالله، وعظيم تمسكه بمنهج الانبياء عليه السلام انه ترجمة صادقة لعبادة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وزهد المسيح عليه السلام. 
ارايت كيف يندك وجوده على عتبة الخضوع لله والاستكانة له وطلب رضوانه؟
وحول التزامه بقيام صلاة الليل طول عمره الشريف يروي لنا ابو يعلي في المسند عنه عليه السلام قال: (ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبي صلى الله عليه واله: صلاة الليل نور). 
فقال ابن الكواء: ولا ليلة الهرير!؟ قال عليه السلام: (ولا ليلة الهرير). 

توجهه ورهبته

ولعظيم اقباله على الله تعالى يشير القشيري في تفسيره: 
انه كان عليه السلام اذا حضر وقت الصلاة تلون وتزلزل فقيل له: ما لك؟ فيقول: 
(جاء وقت امانة عرضها الله على السموات والارض والجبال، فابين ان يحملنها وحملها الانسان على ضعفه، فلا ادري احسن اذا حملت ام لا).

صلاته

فعن سليمان بن المغيرة عن امه قالت: سألت ام سعيد سرية علي عليه السلام عن صلاة علي عليه السلام في شهر رمضان. فقالت: رمضان وشوال سواء، يحيي الليل كله. 
والى جانب تعاهد الامام عليه السلام لامر الصلاة فقد كان كثيرا ما يوصي باتباعه بتعاهد امره، وادائها في اوقاتها وتعريفهم باهميتها واثرها في شخصية المسلم فهاهو يدعو المؤمنين من اصحابه: (تعاهدوا امر الصلاة وحافظوا عليها واستكثروا منها وتقربوا بها فانها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا الا تسمعون الى جواب اهل النار حين سئلوا ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين). 
(وانها لتحت الذنوب حت الورق وتطلقها اطلاق الربق وشبهها رسول الله صلى عليه واله بالحمة تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات فما عسى ان يبقى عليه من درن)؟ 
وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ولاقرة عين من ولد ولا مال. 
يقول الله سبحانه وتعال: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة..)(النور/37). 
وكان رسول الله صلى الله عليه واله نصبا بالصلاة بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه: (وامر اهلك بالصلاة واصطبر عليها) فكان يامر بها اهله ويصبر عليها نفسه.  
ولقد كانت صلاة علي عليه السلام اسوة بسائر نشاطاته كصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله في كيفية الاداء والخشوع والانشداد والتعلق بالله تعالى. 
فعن مطرف بن عبد الله قال: (صليت انا وعمران بن حصين خلف علي بن ابي طالب.. فلما انصرفنا اخذ عمران بيدي فقال: لقد صلى صلاة محمد، ولقد ذكرني صلاة محمد صلى الله عليه وآله. 

عبادته

ولقد عظم المعبود عزوجل في نفس الامام عليه السلام فصارت عبادته تعبيراً عن الحب والشوق اليه، واستشعار اهليته للعبادة دون سواه ومن اجل ذلك كان علي عليه السلام لا يعبد الله خوفاً من عذابه، ولا طمعا في جنته ولا فيما اعده من نعيم للمتقين، وانما سما الامام عليه السلام في علاقته بالله تعالى الى اعلى الدرجات اسوة باستاذه الرسول صلى الله عليه وآله... 
وقد كشف الامام عليه السلام عن جوهر علاقته بالله تعالى وطبيعتها بقوله: 
(الهي ما عبدتك خوفا من عقابك ولا طمعا في ثوابك ولكن وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك) 
فأعظم به من يقين واكرم به من ايمان!! 
ولقد حدد الامام عليه السلام الوان العبادة في كلمة خالدة: 
(ان قوما عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجار، وان قوما عبدوا الله رهبة، فتلك عبادة العبيد، وان قوما عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الاحرار) .
وكانت عبادته عليه السلام من النوع الاخير، حيث تصدر كحصيلة للشعور بأهلية المعبود واستحقاقه لها. 
اما ايقاف العبادة على الثواب فحسب، فهي عبادة من وصفهم الامام عليه السلام بالتجار، الذين يبتغون الثمن وينتظرون التعويض...وشتان ما بين هدف الشاكرة وهدف التجار في ميزان الله تعالى وحسابه. 

توكله ويقينه

وحيث ان التوكل على الله تعالى زاد المتقين واليقين بالله شعار المؤمنين الصادقين يملأ قلوبهم بالثقة والاطمئنان والعزة والارتفاع على جميع عقبات الحياة. 
فقد كان امير المؤمنين عليه السلام قائداً لاهل اليقين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ويعسوباً للمتوكلين . 
وهذه سيرته العطرة تتحفنا بالعديد من الشواهد في هذا المظمار فعن الامام الصادق عليه السلام قال:( كان لعلي عليه السلام غلام سمه قنبر، كان يحب علياً حباً شديد، فاذا خرج علي عليه السلام خرج على اثره باليسف فراه ذات ليلة، فقال له :يا قنبر مالك؟ 
قال: جئت لامشي خلفك فان الناس كما تراهم يا امير المؤمنين فخفت عليك. 
قال: ويحك امن اهل السماء تحرسني ام من اهل الارض؟ 
قال: لا بل من اهل الارض. 
قال: (ان اهل الارض لا يستطيعون بي شيئاً الا باذن الله عزوجل فارجع،فرجع. 
وعن ابي عبد الله عليه السلام قال: (ان امير المؤمنين عليه السلام جلس الى حائط يقضي بين الناس. 
فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فانه معور. 
فقال امير المؤمنين: حرس امرأ أجله. 
فلما قام امير المؤمنين عليه السلام سقط الحائط. 
وكان امير المؤمنين عليه السلام مما يفعل هذا واشباهه، وهذا اليقين) 
وعن سعيد بن قيس الحمداني قال: نظرت يوما في الحرب الى رجل عليه ثوبان، فحركت فرسي فاذا هو امير المؤمنين عليه السلام. 
فقلت: يا امير المؤمنين في مثل هذا الموضع؟ 
فقال: (نعم يا سعيد بن قيس انه ليس من عبد الا وله من الله عزوجل حافظ وواقية معه ملكان يحفظانه من ان يسقط من راس جبل او يقع في بئر فاذا نزل القضاء خليا بينه وبين كل شي. 

زهده

ولقد كان الزهد معلما بارزا من معالم شخصية الامام علي عليه السلام وسمة مميزة زينه الله تعالى به فعن عمار بن ياسر (رض) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: ان الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزين احب منها هي زينة الابرار عند الله: الزهد في الدنيا فجعلك لا ترزأ-تعيب- من الدنيا ولا ترزأ الدنيا منك شيئ، ووهبك حب المساكين فجعلك ترضي بهم اتباعا ويرضون بك اماما). 
وقد كان من شواهدتلك الصفة التي حباه الله تعالى بها: 
ان زهد الامام عليه السلام عن كل لذاذات الحياة وزينتها وتوجه بكل وجوده نحو الاخرة وعاش عيشة المساكين واهل المتربة من رعيته. لقد زهد الامام عليه السلام بالدنيا زهدا تاما وصادق، زهد في المال والسلطان وكل ما يطمع به الطامعون. 
فلقد عاش في بيت متواضع لا يختلف عما يسكنه الفقراء من الامة، وكان يأكل الشعير، تطحنه امراته او يطحنه بنفسه قبل خلافته وبعدها حيث كانت تجبى الاموال الى خزانة الدولة التي كان يضطلع بقيادتها من شرق الارض وغربها وكان يلبس ابسط انواع الثياب، فكان ثمن قميصه ثلاثة دراهم. 
ولقد بقي ملتزماً بخطه في الزهد طوال حياته فقد رفض ان يسكن القصر الذي كان معداً له في الكوفة حرصا منه على التأسي بالمساكين. 
وهذه بعض المصاديق كما ترويها سيرته العطرة: 
فعن الامام الصادق عليه السلام يقول: كان امير المؤمنين اشبه الناس طعمة برسول الله صلى الله عليه وآله يأكل الخبز والخل والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم. 
وعن الباقر عليه السلام قال: ولقد ولي خمس سنين وما وضع اجرة على اجرة ولا لبنة على لبنة، ولا اقطع قطيعاً ولا اورث بيضاً ولا حمراً . 
وعن عمر بن عبد العزيز قال: (ما علمنا ان احداً كان في هذه الامة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ازهد من علي بن ابي طالب، ما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة) 
وعن الاحنف بن قيس قال(دخلت على معاوية فقدم الى من الحلو والحامض ما كثر تعجب منه، ثم قال: قدموا ذلك اللون فقدموا لوناً ما ادري ماهو..! 
فقلت :ما هذا؟ 
فقال: مصارين البط محشوة بالمخ ودهن الفستق قد ذر عليه السكر!!! 
قال الاحنف: فبكيت. 
فقال معاوية: ما يبكيك؟ 
فقلت: لله در ابن ابي طالب، لقد جاد بما لم تسمع به انت ولا غيرك! 
قال معاوية: وكيف؟ 
قال: دخلت عليه ليلة عند افطاره؟ 
فقال لي: قم فتعش مع الحسن والحسين، ثم قام الى الصلاة، فلما فرغ دعا بجراب مختوم بخاتمه، فاخرج منه شعيرا مطحون، ثم ختمه. 
فقلت: يا امير المؤمنين لم اعهدك بخيل، فكيف ختمت على هذا الشعير. 
فقال: لم اختمه بخلا ولكن خفت ان يبسه الحسن والحسين بسمن او اهالة!. 
فقلت: احرام هو؟ 
قال: لا، ولكن على ائمة الحق ان يتأسوا باضعف رعيتهم في الاكل واللباس ولا يتميزون عليهم بشئ لا يقدرون عليه ليراهم الفقير، فيرضى عن الله تعالى بما هو فيه ويراهم الغني فيزداد شكراً وتواضعاً). 
وعن سويد بن غفلة قال: دخلت على علي عليه السلام بالكوفة وبين يديه رغيف من شعير وقدح من لبن والرغيف اليابس فشق علي ذلك. 
فقلت لجارة له يقال له فضة: الا ترحمين هذا الشيخ، وتنخلين له هذا الشعير. 
فقالت: ..انه عهد الينا الا ننخل له طعاما قط..! 
فالتفت الامام الي وقال: (ما تقول لها يا ابن غفلة، فاخبرته.. 
وقلت: يا امير المؤمنين ارفق بنفسك. 
فقال لي: ويحك يا سويد؟ ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله واهله من خبز بر ثلاثاً تباعاً حتى لقى الله، ولا نخل له طعام قط..) 
وعن سفيان الثوري عن عمرو بن قيس قال: رؤى على علي عليه السلام ازار مرقوع، فعوتب في ذلك؟ 
فقال: يخشع له القلب ويقتدي به المؤمن. 
وعن الغزالي يقول(كان علي بن ابي طالب يمتنع من بين المال حتى يبيع سيفه ولا يكون له الا قميص واحد في وقت الغسل ولا يجد غيره). 
هذا هو علي في شدة زهده ورغبته عن الدنيا وزخارفها وفي عظيم اقتدائه برسول الله صلى الله عليه وآله وفي مواساته لاهل المتربة من امته صلى الله عليه وآله فهل حدثك التاريخ عن زعيم كعلي عليه السلام تجبى اليه الاموال من الشرق والغرب وعاصمته الكوفى تقع في اخصب ارض الله واكثرها غنى يومذاك بيد انه يعايش ابسط العيش مواسيا لاقل الناس حظا في العيش في هذه الدنيا ياكل خبز الشعير دون ان يخرج نخالته.. ويكتفي بقميص واحد لا يجد غيره عند الغسيل ويحرم على نفسه الاكل من بيت المال ويرقع مدرعته حتى سيتحى من راقعها مجسداً بذلك ارفع شعار للزاهدين: (فوالله ما كنزت من دنيا كم تبراً ولا ادخرت من غنائها وفار ولا اعددت لبالي ثوب طمراً ولا حزت من ارضها شبراً ولا اخذت منه كقوت اتان دبرة ولهي في عيني اوهى واوهن من عفصة مقرة). 

صدقاته

ولا نريد ان نذهب بعيدا في ذكر الشواهد على تعاهد الامام علي عليه السلام لامر الصدقة قبل ان نستقى من القران الكريم نماذج من صدقة الامام عليه السلام عطرتها ايات الله تعالى بالثناء الجميل. ورسمت ابعاد الثواب الالهي العظيم الذي لا يعلم مداه غير الله الذي اعده تبارك وتعالى لامير المؤمنين عليه السلام : ففي حادثة اطعام علي عليه السلام واهل بيته عليه السلام للمسكين واليتيم والاسير على مدى ثلاثة ايام وايثارهم لهم على انفسهم واكتفائهم بالماء وهم في ايام صوم متتالية تنزلت ايات الله تعالى مسجلة اعظم مأثر علي عليه السلام في ضمير الوجود حيث ستبقى ترددها الافاق والالسنة وصفحات المجد ما شاء الله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتمياً واسيرا* انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا* انا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا* فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا* وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً)(الانسان/8-12). 
وليس المهم في الامر حجم ما قدمه الامام عليه السلام لاولئك المحتاجين فان الكثير من الناس يبذلون اضعاف ذلك. 
ولكن شتان بين ما ينفق لوجه الله خالصا دون شائبة وبين ما ينفق من اجل غرض دنيوي او جاه او ذكر يشاع بين الناس. كما انه شتات بين من ينفق كل ما لديه وهو احوج ما يكون اليه وبين ما ينفق بعض ما لديه... 
وهكذا يختلف التقويم عند لله بين ذاك وذلك! 
في حادثة تصدق علي عليه السلام بخاتمه على مسكين استبدت به الحاجة فطاف على الناس فلم يجد من يسد خلته فاشار اليه علي عليه السلام وهو يصلي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ووهبه خاتماً في يده. 
فنزل القران الكريم على رسوله صلى الله عليه وآله مبينا فضل ما اقدم عليه الامام عليه السلام واستعمل القران المناسبة لارشاد الامة الى ان عليا عليه السلام مرجعها الفكري والعملي بعدرسول الله صلى الله عليه وآله: 
(انما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون* ومن يتول الله ورسوله والذين امنوا فان حزب الله هم الغالبون)(المائدة/55-56). 
وهذه الاية الكريمة من اكثر النصوص دلالة على ان العمل الصالح في منظور الله تبارك وتعالى انما هو بدوافعه لا بحجم منافعه. 
فليس المهم ان تعطي كثيرا ولكن الاساس في الامر نية العطاء فالتقييم الرباني انما يدور مدار النية حيث تدور فكلما اقتربت من الله تعالى وابتغت رضوانه كان ثوابك اعظم واجل.. 
ومن المناسب ان نطرح اضافة الى ذلك مصاديق من سيرة الامام عليه السلام في هذا المضمار مما روته كتب التاريخ: فعن ابي عبد الله الصادق عليه السلام قال: (كان امير المؤمنين يضرب بالمر –المسحاة- ويستخرج الارضين انه اعتق الف مملوك من كدّ يده). 
وعن ايوب بن عطية الحذاء قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: ( قسم نبي الله الفئ فاصاب عليا ارضا فاحتفر فيها عينا فخرج ماء ينبع كهيئة عنق العير فسماها ينبع فجاء البشير يبشر فقال عليه السلام :بشر الوارث هي صدقة بتة بتلاء في حجيج بيت الله وعابري سبيل الله لا تباع ولا توهب ولا تورث فمن باعها او وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين ولا يقبل الله من منه صرفا ولا عدلاً). 
وعن احمدبن حنبل في الفضائل: انه كانت غلة على باربعين الف دينار فجعلها صدقة. 
والحديث عن حرص الامام عليه السلام على تعاهد امر الصدقة في سبيل الله تعالى يذكرنا بالنفس السخية التي يمتاز بها امير المؤمنين عليه السلام. 
فكثرة ادائه للصدقة وشدة بذله لها ان كان يعكس صورة صادقة عن جود الامام عليه السلام وسخائه الا ان سيرته العطرة تكشف الى جانب ذلك وجها اخر من شخصية الامام العظيم. 
فقد كان عليه السلام اسخى من الغيث على الامة التي عايشها. لا نقصد بهذا جوده بنفسه من اجل حفظ الرسالة ومسيرة الاسلام التاريخية ذلك الذي يتجلى عبر البطولات التي ابداها عليه السلام في حروب الاسلام كلها فحديث كهذا يتطلب بمفرده سفرا كاملا وانما نقصد ما يتعلق بالسخاء والمال. فلقد اعترف بجود الامام عليه السلام وسخائه اشد الناس عداوة له: معاوية بن ابي سفيان الذي ما برح ينسج الاكاذيب والافتراءات لتشويه سمعة الامام عليه السلام غير انه لم يستطع ان ينكر فضيلة الجود عند علي عليه السلام فقد قال له يوما مخفي بن ابي مخفي الضبي: جئتك من عند ابخل الناس فقال ابن ابي سفيان: ويحك كيف تقول انه ابخل الناس، لو ملك بيتا من تبرا-ذهب- وبيتا من تبن لانفد تبره قبل تبنه. 
ويقول الشعبي يصف الامام عليه السلام: كان اسخى الناس، كان على الخلق الذي يحبه الله: السخاء والجود، ما قال لا لسائل قط. 

جهاده

وحياة علي امير المؤمنين عليه السلام كلها جهاد في سبيل الله تعالى في مرحلة الدعوة وبعد قيام الدولة الاسلامية واذا كان قد وقي الرسول صلى الله عليه وآله بنفسه وفداه بوجوده وتعرض لاخطر تأمر جاهلي على حياة رسول الله صلى الله عليه وآله عند مبيته على فراشه في ليلة الهجرة المباركة من اجل ان يصرف عنه شر عتاة الجاهلية فان عليا قد تحولت حياته بعد الهجرة الى المدينة المنورة الى حلقات متسلسلة من ذلك النوع الجهادي العظيم فقد كان حامل لواء الزحف الاسلامي في كل غزوات اخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وطليعة المجاهدين في ساحات الجهاد وكلما حزبت الامور وحمي الوطيس انتدبه رسول الله صلى الله عليه وآله لكشف زحف العدو عن حياض المسلمين.. 
وكانت كل مواقفه الجهادية من النوع المصيري الذي يحمى الرسالة ويكشف عنها خطر التصفيه المحقق والاجهاز الخطير على وجوده، تجلى ذلك في بدر الكبرى حين صفى الكثير من رؤوس الوثنيين وملأ بها ساحة المعركة. 
وفي اُحد حين اطبق جيش الضلال على معسكر الايمان وكانت الغلبة للعدو نهض الامام عليه السلام بدور عرقلة تقدمهم حيث بادر الى تصفية حملة الالوية من بني عبد الدار واحداً تلو الاخر. 
وفي غزوة الاحزاب حين بلغت القلوب الحناجر وبلغ الضيغ والهلع بالمسلمين كل مبلغ نهض الامام عليه السلام بالامر وارهب العدو واعاد للمسلمين الثقة بالنفس حين قتل ابرز قوادهم عمرو بن عبد ود العامري. 
حيث كان قتل العامري حداً فاصلاً بين المعسكرين اذ تلاه انهزام جيش الاحزاب مع ما امتاز به من ضخامة في العدد والعدة. 
وعلي عليه السلام هو الذي اقتحم حصون خيبر ودخل عليهم عنوة، ففتح الله على يديه حصون اليهود الرهيبة. 
وكم اسطر لك من بطولات علي عليه السلام وصفحات جهاده المشرقة التي تشع بالمجد والعزة والاخلاص. 
فدونك تاريخ الاسلام في عصره الاولى: في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فانعم النظر في صفحاته كي تحدثك بفضل علي عليه السلام على الاسلام رسالة وامة وتاريخاً. 
على ان الجانب المعنوي في جهاد علي عليه السلام ليس مجسدا في حجم البطولات وعدد المعارك التي خاض غمارها فحسب وانما في صدق النية وحجم الاخلاص الذي امتلأ به قلب علي عليه السلام وهو يخوض تلك الحروب ببسالة فائقة وشجاعة نادرة وصمود لا يرد. 
ومن اجل ذلك كان القران الكريم يثنى على تلك الروح التي كان يحملها امير المؤمنين عبر كفاحه من اجل اعلاء كلمة الله في الارض. 
فها هو القران الكريم يثني على علي عليه السلام يوم فدي بنفسه رسول الله صلى الله عليه وآله: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)(البقرة207).
ويكشف بعمق عن صدق نية الامام عليه السلام. 
وها هو كتاب الله العزيز يقطع بان جهاد علي عليه السلام وبطولاته وتضحياته كانت من اجل الله واعلاء كلمته في دنيا الناس، ولا يمكن ان تقرن باي لون من الوان العمل الاخر، فبسبب الثمن الباهظ الذي يتطلبه الجهاد وبسبب الدافع الايماني المخلص الذي لا تشوبه شائبة راحت ايات الله تعالى تحدد الموقع الرفيع الذي يحتله علي عليه السلام في دنيا المتقين: (اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن امن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين). 
فعلى اثر حوار تفاخري بين طلحة بن شيبة والعباس بن عبد المطلب قال فيه طلحة: انا اولى الناس بالبيت لان المفتاح بيدي. فقال العباس: انا اولى، انا صاحب السقاية القائم عليها! 
وفيما كانا يتفاخران مر الامام عليه السلام فافتخر عليهما بقوله: (لقد صليت قبل الناس وانا صاحب الجهاد). 
فنزل قول الله تعالى في ذلك عن كاشفا عن المستوى العظيم الذي يتبوأه علي عليه السلام من ناحية عمله الاسلامي: ضخامة واخلاصاً بعدا وجوهراً. 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة