ووصف الرئيس بزشكيان، في الجزء الثالث والأخير من مقابلته التلفزيونية، أبعاد الخطة "الموجهة نحو الجوار" بأنها مكملة لقدرات الشعب والمؤسسات المدنية. كما أشار إلى نهج الحكومة في السياسة الخارجية، وتحدث عن تحسين العلاقات مع دول الجوار، والتنسيق الكامل بين أركان الدولة بشأن مسألة المفاوضات، وضرورة الحفاظ على الوحدة والتماسك الداخلي.
وأثناء شرحه للنموذج القائم على الأحياء، شدد على ضرورة مشاركة جميع الجهات المحلية، من مؤسسات شعبية ومساجد ومدارس ومراكز صحية وهيئات تنفيذية، لتحديد وحل مشاكل كل حي، مؤكداً أن الحكومات وحدها، دون مشاركة الشعب، عاجزة عن تلبية جميع احتياجات المجتمع.
وفي سياق الحديث عن السياسة الخارجية، استعرض الرئيس بزشكيان عملية المفاوضات وتطورات الحرب والعلاقات الإقليمية، مشدداً على التنسيق الكامل بين الحكومة وقائد الثورة والقوات المسلحة في القرارات الرئيسية. وفي معرض دفاعه عن نهج الحوار لضمان المصالح الوطنية، ذكر أن الحفاظ على القدرة الدفاعية، وتعزيز العلاقات مع دول الجوار، وتجنب النزاعات الداخلية، هي أهم متطلبات البلاد لتجاوز التحديات المقبلة.
وفي هذا الجزء من الحوار، أشار الرئيس بزشكيان إلى ما تحقق خلال التفاعلات والمفاوضات مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن الحكومة تدافع بقوة عن مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها، وتؤمن بأن هذه الإنجازات لا يمكن اعتبارها فشلاً. كما انتقد بعض التعليقات الداخلية حول أداء الحكومة، قائلاً إن بعض المواقف، سواء عن علم أو عن غير علم، تتوافق مع رغبات "إسرائيل".
وقال الرئيس بزشكيان في الحوار: فيما يتعلق بالقضايا الخارجية، كانت هناك تحديات داخل البلاد وما زالت قائمة، ومن المرجح أن تستمر في المستقبل أيضاً. ومن الطبيعي أن يعود جزء من هذه المشكلات إلى اختلاف وجهات النظر وغياب التعاون في بعض الأحيان.
واضاف: أما في ما يتعلق بدول الجوار، فقد نجحنا في حل الكثير من المشكلات، وأصبحت العلاقات أفضل بكثير. لكن مع اندلاع الحرب، تحاول إسرائيل والولايات المتحدة توحيد دول الخليج الفارسي ضدنا، ونحن نسعى إلى الحيلولة دون حدوث ذلك. وفي الداخل أيضاً نواجه تحديات، لأن اختلاف الرؤى لا يزال قائماً، ومن الطبيعي أن تستغل الولايات المتحدة وإسرائيل هذا الوضع.
وتابع: أنا أؤمن وأعتقد ــ ولا أقول ذلك من باب الشعارات بل عن قناعة راسخة ــ أن المسلمين إخوة بعضهم لبعض. فهذا ما يقوله رسول الله (ص)، وما يؤكده كتاب الله أيضاً. وأخوّة المسلمين لا تعني الفصل بين الشيعة والسنة، بل إن المسلمين جميعاً إخوة.
وقال الرئيس بزشكيان: رغم كل هذه القضايا، وبفضل دعم سماحة القائد الشهيد سابقاً، وبدعم قائد الثورة الإسلامية اليوم، ينصبّ كل الجهد على تعزيز الوحدة والتماسك. واليوم أصبحت علاقاتنا مع دول الجوار أفضل بكثير مما كانت عليه في السابق.
واكد بالقول: نحن جسد واحد وقوة واحدة، ولسنا أجزاءً متفرقة. وأولئك الذين يحاولون فصل مكونات البلاد بعضها عن بعض إنما يسعون إلى إثارة الفرقة والانقسام داخل المجتمع. فجميع من يعيشون في هذا البلد يخضعون لمنظومة واحدة من القوانين والأنظمة وقيادة واحدة، وليس من المقبول أن ينشئ كل طرف كياناً مستقلاً لنفسه. ومع ذلك، هناك من لا يريد الاعتراف بهذه الحقيقة.
*الاوروبيون لا يملكون حرية اتخاذ القرار
وردا على سؤال وهو انه في تلك الفترة جرت مفاوضات مع الفرنسيين أملاً في أن يتمكنوا من التمهيد لتسوية بين إيران والولايات المتحدة. ماذا حدث في تلك المفاوضات حتى انتهى الأمر برفض ترامب لهذا المقترح؟ قال: لم تكن هناك أي وساطة بالمعنى المتداول. كان ينبغي أولاً على الأوروبيين أنفسهم أن يلتزموا بالاتفاق. فالأوروبيون هم الذين دفعوا باتجاه تفعيل آلية «سناب باك»، ولم يكن الأمر مرتبطاً بترامب في بدايته. لقد توصلنا معهم إلى تفاهم، لكن يبدو أنهم كانوا بحاجة إلى موافقة جهة أخرى، وفي النهاية لم يقبلوا. وهذا يدل على أن الأوروبيين أنفسهم لا يملكون كامل حرية اتخاذ القرار؛ لأننا كنا قد توصلنا إلى تفاهم مع السيد ماكرون، وجرى تقريب وجهات النظر بين مطالبهم ومطالبنا. وبطبيعة الحال، كانت جميع هذه الخطوات تتم بإذن وتنسيق من قائد الثورة الإسلامية والقائد الشهيد العزيز.
واضاف: في بعض الأحيان تُصوّر وسائل الإعلام الرسمية الأمر وكأن القيادة قالت إنها ترفض التفاوض مطلقاً، بينما الحقيقة أننا قمنا بهذه الخطوات بإذن منها، بل إننا توصلنا إلى تفاهم أيضاً، لكن الولايات المتحدة تنصلت منه، ثم دفع الأوروبيون باتجاه تفعيل «سناب باك». ولو أنهم قبلوا بما اتفقنا عليه مع السيد ماكرون، لما كانت هناك حاجة أصلاً إلى تفعيل هذه الآلية.
*نحن لم نبدأ الحرب
وقال: نحن لم نبدأ الحرب؛ كنا في خضم الحوار، لكنهم هم من أشعلوا الحرب. وهناك من يقول إنهم جاؤوا لمنع الحرب، لكنها وقعت. والحقيقة أننا لم نكن البادئين بها.
واضاف: كانت حساباتهم تقوم على أن البلاد ستنهار بفعل المسار الذي اتبعوه، وكانوا يعتقدون أن بإمكانهم تحقيق أهدافهم في ظل تلك الظروف. لكن الأمور لم تسر وفق ما أرادوا. فقد وقف الشعب الإيراني إلى جانب بلده، وحتى الذين كانت لديهم اعتراضات أو شكاوى تحلّوا بالصبر وضبط النفس. وتمكنا من الصمود حتى اليوم، بل وأصبحنا أكثر قوة وثباتاً.
*اميركا هاجمتنا انطلاقا من اراضي دول بالمنطقة
وقال: المشكلة أن الولايات المتحدة هاجمتنا انطلاقاً من أراضي دول في المنطقة، واستهدفت قواعدنا ومراكزنا. والسؤال هو: من أين استُهدفت مدرسة ميناب؟ لقد جرى ذلك انطلاقاً من أراضي دول مسلمة وصديقة لنا. لماذا تسمح تلك الدول بأن تُستخدم أراضيها للاعتداء علينا؟ نحن لا نريد استهداف تلك الدول، وإنما نستهدف المواقع التي تُشن منها الهجمات ضدنا.
واضاف: لماذا يجب أن تقيم الولايات المتحدة قواعد عسكرية في المنطقة وتعمل على إخضاع أي دولة إسلامية لا تنصاع لها؟ من قال إن علينا أن نكون تابعين لها؟ نحن لا نسعى إلى فرض إرادتنا على أحد، لكننا في الوقت نفسه لا نقبل الخضوع للإكراه. ولن نسمح لأحد بأن يفرض علينا إرادته، أو يدخل بلادنا، أو ينهب مواردنا. واليوم يباع نفط العراق، لكن عائداته لا تُسلَّم حتى للعراقيين أنفسهم.
وقال: لقد اضطررنا إلى الدفاع عن أنفسنا، وبكل إنصاف فإن مقاتلينا وقواتنا الجوية والجوفضائية والجيش والحرس الثوري وجميع المقاتلين دافعوا بشجاعة كبيرة، وأثاروا دهشة العالم. وقد تحقق ذلك بفضل دعم الشعب والإدارة التي قامت بها الحكومة. ولولا الدعم الحكومي لهذه المنظومة لما كان من الممكن تحقيق هذا الأداء.
* لا نريد لأحد أن يفرض علينا إرادته، ولن نخضع للإكراه
وقال الرئيس بزشكيان: نحن لا نريد لأحد أن يفرض علينا إرادته، ولن نخضع للإكراه. ولذلك فإن أفضل حل هو أن يتركنا الآخرون وشأننا، ونتركهم وشأنهم. القضية ليست أننا نريد الحرب معهم، بل إنهم يريدون إذلالنا، ومن هنا يستمر هذا المسار.
واضاف: في تلك المفاوضات كانوا يريدون تجريدنا بالكامل من عناصر القوة. وهذا يعني مصيراً شبيهاً بما جرى في غزة؛ أن يدمّروا أرضنا ومقدراتنا، فيما نعجز عن فعل أي شيء. فهل من الصواب أن نقبل بسلب كل قدراتنا العسكرية والدفاعية ثم ننحني لهم؟ نحن لن نفعل ذلك.
وتابع: في الوقت نفسه، لا نعتزم الاعتداء على أي دولة أخرى، أو احتلال أراضٍ، أو توسيع حدودنا. وعلى خلاف الصهاينة الذين يسعون في الواقع إلى مشروع «إسرائيل الكبرى»، فإننا لا نسعى إلى «إيران الكبرى». نحن دول متجاورة مع بلدان المنطقة، تجمعنا بها حدود مشتركة، وعلينا أن نعيش جنباً إلى جنب. أما إسرائيل فليس لها حدود مع كثير من الدول الإسلامية، ومع ذلك تفكر في التوسع والاعتداء والاستيلاء على أراضيها.
وحول مزاعم البعض ان الحكومة مارست ضغوطا على القائد الشهيد من اجل خوض المفاوضات قال: من يطرح مثل هذا الكلام إما أنه لا يعرف القائد حق المعرفة، أو أنه لا يدرك منطق هذه القضية وعقلانيتها. فلكي نتمكن من الاستمرار، علينا أن نعرف ماذا نفعل؛ متى نقاتل، ومتى نصنع السلام، ومتى نختار مسارًا لا حرب فيه ولا سلام، بحيث يمضي كل طرف في شؤونه.
واضاف: هل الصين والولايات المتحدة حليفتان؟ الصين هي أكبر منافس للولايات المتحدة ، فلماذا لا تخوضان حربًا؟ لأن الصين تواصل العمل وفق مصالحها وتزداد قوة يومًا بعد يوم. وعندما نكون قادرين على انتزاع حقوقنا عبر الحوار، فلماذا لا نسلك هذا الطريق؟.
وقال: في إطار مذكرة التفاهم التي توصلنا إليها، نجحنا في وقف الحرب في لبنان. كان ما بين 100 و200 مسلم يُستشهدون هناك يوميًا، لكن هذا النزيف توقف. كما تمكنا من رفع الحصار، وكان من المقرر استعادة أموالنا والإفراج عن جزء منها، إضافة إلى تخفيف بعض العقوبات وإلغائها. وفي المقابل، كان من المفترض أن نعيد فتح المضيق. وبطبيعة الحال، فيما يتعلق ببعض القضايا المرتبطة بالمضيق، قيل إن الطرف الآخر لم يلتزم بتعهداته، ولذلك اتخذنا إجراءات مقابلة.
واردف: ماذا قدمنا للولايات المتحدة؟ لقد حققنا مكاسب كبيرة. فلماذا يتم تضليل الرأي العام؟ وحتى في المضيق، تعاملنا عسكريًا مع السفن التي عبرت خلافًا لما تم الاتفاق عليه.
وتابع: نحن ندافع بقوة عن مذكرة التفاهم التي وقعناها. فليأتِ أحد ببند واحد يثبت أننا تنازلنا فيه أو فرطنا بحقوقنا. لماذا يصر البعض على الدعوة المستمرة للحرب؟ هذا تحديدًا ما تريده إسرائيل، فهي تريد استمرار الحرب.
*إذا حاولوا فرض الاستسلام علينا، فسنقاتل ولن نتراجع أو نرضخ
إذا حاولوا فرض الاستسلام علينا، فسنقاتل ولن نتراجع أو نرضخ. لكن إذا كان بإمكاننا الحصول على حقوقنا، فلماذا نسلك الطريق الذي تريده إسرائيل؟ هناك من يردد في الداخل، عن قصد أو من دون قصد، الرسالة نفسها التي يروج لها الطرف الآخر.
وفيما اذا كان ذلك يعني انه يعتبر مذكرة التفاهم انتصارًا بالنسبة لإيران؟ قال: اسمحوا لي أن أقول: راجعوا تحليلات الدول الأجنبية ولا تكتفوا بكلامي. أما الذين يحاولون في الداخل تصوير هذا الاتفاق على أنه هزيمة، فأرى أنهم يجانبون الإنصاف إلى حد بعيد. ماذا قدمنا؟ وأين تنازلنا؟.
واضاف: يقولون إن الولايات المتحدة لا تلتزم بتعهداتها. حسنًا، ما دامت تلتزم فنحن أيضًا نلتزم، وإذا امتنعت عن التنفيذ فلا التزام علينا بالاستمرار. المهم هو النظر إلى المكاسب التي حققناها. لقد استطعنا إرغام الولايات المتحدة على التراجع عن الحصار.
وقال: أما الامتياز الذي قدمناه، فكان متعلقًا بمضيق هرمز، وهو أمر كان مطروحًا أصلًا من قبل. واتُّفق على السماح للسفن بالمرور عبر المضيق وفق القواعد والضوابط التي نحددها نحن، وقد وافق الطرف الآخر على هذا الإطار.
وفيما اذا كانت القوات المسلحة مؤيدة لمذكرة التفاهم؟ قال: في المجلس الأعلى للأمن القومي كان هناك 12 أو 13 عضوًا يتمتعون بحق التصويت، وقد تحدث 12 عضوًا منهم وأيدوا موقفنا ودافعوا عنه.
وعن السبب في موافقتهم قال: لأن المنطق والعقل والوقائع الميدانية وظروف المجتمع تفرض ذلك. أما من لا يدرك حقيقة الأوضاع، فيكتفي بالقول: "اضربوا"، من دون أن يفكر في العواقب. الذين كانوا في الميدان لم يكونوا جبناء، بل هم أنفسهم الذين صنعوا هذا الإنجاز ونفخر بهم. وهم أنفسهم الذين أداروا البلاد حتى اليوم بكل اقتدار ودافعوا عنها.
واكد بالقول: أنا لا أخشى الشهادة ، بل أعدّها فوزًا عظيمًا. لكن أن أعيش في هذا المجتمع وأعجز عن حل مشكلات الناس، فهذا أمر غير مقبول بالنسبة لي على الإطلاق. ولذلك يجب أن أتمكن من معالجة مشكلات المواطنين.
وردا على سؤال وهو ان هناك حديثا واسعا عن وجود خلافات بين القوات المسلحة والحكومة والجهاز الدبلوماسي بشأن الحرب والمفاوضات ، قال: أرفض ذلك بشكل قاطع. القرار اتُّخذ في المجلس الأعلى للأمن القومي، وجميع الأجهزة الأمنية والدفاعية والعسكرية دافعت عنه وأقرّته.
*توقيع مذكرة التفاهم
وقال: لم يكن من المقرر أن يتوجهوا إلى جنيف لتوقيع الاتفاق، لكن التفاهم بشأن الخطوط العامة والمرتكزات الأساسية كان قد أُنجز بالفعل، ولذلك قمنا نحن بتوقيعه.
واضاف: في الطرف المقابل، كان من المفترض أن يوقّع السيد جيه دي فانس مع السيد قاليباف، إلا أنه تقرر لاحقًا أن يتولى الرئيس دونالد ترامب التوقيع بنفسه، بهدف منح الاتفاق قدرًا أكبر من المصداقية والضمانات السياسية، بحيث لا يكون من السهل التنصل منه أو التراجع عن الالتزامات المترتبة عليه. بناءً على ذلك، عندما جرى التوقيع في الجانب الآخر على مستوى رئيس الدولة، قمنا نحن أيضًا بالتوقيع على المستوى ذاته. ومن حيث المكانة والاعتبار السياسي، فإن توقيع الاتفاق بهذا المستوى كان يمنحه وزنًا أكبر.
وردا على سؤال وهو هل تمت كل هذه الترتيبات والتنسيقات خلال أقل من 24 ساعة؟ وما الذي جرى تحديدًا حتى تقرر فجأة أن يوقع الرئيس ترامب عن الجانب الأمريكي، وأن يوقع الرئيس بزشكيان عن الجانب الإيراني؟ قال: تفاصيل هذه القضية لا تزال تكتسب طابعًا سريًا إلى حد ما، وربما تتاح فرصة للحديث عنها في وقت آخر. أما في الوقت الراهن، فأفضّل عدم الخوض في مزيد من التفاصيل بشأنها. وما تم ذكره حتى الآن هو الجزء القابل للنشر من هذه الرواية.