إيران موطنٌ لإحدى أقدم الحضارات في العالم. وإنّ افتتان العالم بإيران ليس بالأمر الجديد. فلِقرون، انبهر العالم ببلدٍ مختلفٍ تمامًا عن غيره من بلدان العالم.
مرحبًا بكم مستمعينا، في الحلقة السابقة، أخبرناكم عن كيفية بناء الإيرانيين للغرف وتحولهم إلى مالكي بيوت، وقليلًا من ثقافتهم.
انضموا إلينا في هذه الحلقة لتتعرّفوا على مجالس العائلة والأصدقاء والمعارف بين الإيرانيين ، وذلك من خلال كلمات الرحالة اليونانية صوفيا أكوتلاكي.
كما ذكرنا في الحلقات السابقة، في ثمانينيات القرن الميلادي الماضي سافرت صوفيا إلى إيران بعد الثورة الإسلامية.
فوصلت إلى إيران بعد سبعة أشهر من انتهاء الحرب العراقية الإيرانية. ,نشرت صوفيا نتائج رحلاتها إلى إيران في كتاب بعنوان "بين الإيرانيين"، عرّفت فيه بثقافة الإيرانيين وعاداتهم.
في هذه السلسلة من البودكاست، نحاول التعريف بإيران من خلال كلمات صوفيا كوتيلاكي.
تُعدّ الأسرة، بين الإيرانيين، الوحدة الأساسية لبناء المجتمع، وعلى عكس بعض المجتمعات الغربية، تُعدّ الأسر الكبيرة بالغة الأهمية. لو أردنا توضيح هذه المسألة برسم تخطيطي، لرسمنا مجموعة من الدوائر متحدة المركز، بحيث يكون مركزها واحدًا، ويشكّل أفراد الأسرة المقربون الدائرة الداخلية؛ فإذا كان الشخص أعزبًا، يُشكّل والداه وإخوته الدائرة الداخلية ، وإذا كان متزوجًا، يُشكّل تلك الدائرة الزوج والزوجة والأبناء.
تشمل الدائرة التالية الوالدين والإخوة وعائلاتهم وزوجاتهم، وبالمثل، تشمل الدائرة التالية الأعمام والعمات وأبناء العمومة وزوجاتهم وأبناءهم. جميع هذه العلاقات هي أساس الشبكة الاجتماعية التي ينتمي إليها كل فرد في الأسرة.
بشكل عام، منذ القدم كانت للأسرة أدوارٌ عديدة، ولكن اليوم، ومع اتساع المجتمعات، أصبحت المؤسسات المالية ومراكز الرعاية الاجتماعية ومستشارو الأسرة، وحتى الأطباء، تؤدي بعض هذه الأدوار.
في إيران، تُعتبر العلاقات الاجتماعية والأسرية من أهم العوامل التي تُسهم في حل أي مشكلة. لمزيد من التوضيح، سأقدم لكم بعض الأمثلة لفهم ما أقصده بشكل أفضل.
على سبيل المثال، إذا كنتَ بحاجة إلى قرض قصير الأجل لمدة شهر لتمشية أمورك يُمكن لابن عمك مساعدتك. هل أنت مدعو لحضور حفل زفاف بدون أطفالك؟ طيب يُمكن لوالدتك أو عمتك الاعتناء بهم الليلة.
هل لديك مشكلة مع زوجك أو زوجتك؟ يُمكنك الاستعانة بشخص أكبر سنًا للتوسط والصلح بينكما. هل ابنك ذو العشر سنوات مصاب بنزلة برد؟ تُحضّر له عمتك حساء الدجاج، وفي الطريق تشتري له شاي الأعشاب من العطار وتُحضره لك. لذلك، تلعب الأسرة والجماعات الاجتماعية دورًا رئيسيًا في الحياة اليومية للإيرانيين.
هذا الدور حيوي وأساسي للإيرانيين، لدرجة أنهم عند دخولهم بلدًا أجنبيًا، يجدون أماكن مثل المتاجر أو المطاعم التي يعشقها الإيرانيون الآخرون، فيستبدلون شبكتهم الاجتماعية السابقة بأخرى جديدة.
لكن العلاقات داخل دوائر الأصدقاء والمعارف مثيرة للاهتمام أيضًا بين الإيرانيين. العائلة أو مجموعة الأصدقاء والمعارف، والعلاقات الاجتماعية والأسرية عمومًا، لا تُلبّي احتياجات الفرد النفسية فحسب، بل تُلبّي أيضًا احتياجاته الأخرى لإنجاز الأمور بشكل أفضل وأيسر دون محاباة أو توقعات.
تُشكّل دائرة واسعة من العائلة والأصدقاء والمعارف والزملاء والجيران شبكة دعم موثوقة يُمكن للفرد اللجوء إليها وقت الحاجة. في هذه المجموعة الكبيرة، يجب أن يعرف الفرد من أين يحصل على احتياجاته، أو على الأقل أن يعرف شخصًا يُمكنه تلبية احتياجاته.
على سبيل المثال، عندما كنا نبحث عن مدرسة جديدة لابننا، تمكّن أحد أقارب حسين من جهة الأم، والذي كان يعمل في إدارة التعليم بالمنطقة، من تعريفه بالمدرسة المناسبة لابننا والتأكد من أن المدرسة التي أرسلناه إليها مدرسة جيدة. قدّم لنا خطاب توصية لتأمين استمارة التسجيل في تلك المدرسة. لكن شبكة الدعم لا تقتصر فعاليتها على الطلبات الخاصة.
فكثيرًا ما يُعرّف الإيرانيون عائلاتهم وأصدقائهم بالخياطين والأطباء والمدرسين الخصوصيين، الذين غالبًا ما يُولون اهتمامًا خاصًا لعملائهم الجدد ويحرصون على معاملتهم بأقصى درجات الاحترام. بالطبع، الانتماء إلى دائرة مترابطة يفرض التزامات ومسؤوليات متبادلة؛ فعندما يتقدم شخص بطلب كعضو في مجموعة، يُرد إليه في المستقبل، سواء من قِبله أو من قِبل شخص آخر في العائلة.
لا يُعتبر هذا الدين الاجتماعي عبئًا أو التزامًا، بل هو عنصر أساسي في التفاعلات اليومية. بالنسبة للإيرانيين، يُضفي الشعور بالانتماء إلى مجموعة شعورًا بالأمان وعدم الشعور بالوحدة.
أود أن أروي لكم قصة عن العلاقات بين الإيرانيين داخل المجموعة وخارجها.
في أحد الأيام، في صيدلية كبيرة مزدحمة في وسط طهران، سلمتُ وصفتي الطبية إلى الموظف و الذي كان يتحدث بحرارة مع زميله، وشعرتُ أنه لم يستقبلني كما ينبغي لأنه لا يعرفني. لكنني علمتُ لاحقًا أن الأمر ليس كذلك. التفت إليّ موظف الصيدلية بعد قليل وأخذ الوصفة دون أن ينطق بكلمة.
وبينما كان يبحث عن الدواء، جاء أحد معارفه إلى الصيدلية. توقف عن البحث وذهب إلى الرجل وبابتسامة بدأ يحييه بالتفصيل وسأله كيف يمكنه مساعدته. سلم عليه الرجل وشكره، لكنه ذهب إلى نهاية الصف. عاد مساعد الصيدلية ليجد دوائي وعاد إلى حالته السابقة وسلم الدواء.
بعد هذه التجربة، قد تشك في كرم ضيافة الإيرانيين وودهم ولطفهم، إذا ثبت لك العكس لاحقًا وعندما تفهم المنظور وراء هذا التفاعل، يتضح لك كل شيء. في هذه الحالة، كان العميل أحد معارفه، أي أنه كان ضمن مجموعة أصدقاء ومعارف الصيدلاني، بينما كنت غريبة وخارج تلك الدائرة.
ومع ذلك، لم يؤدِ هذا إلى أن يكون أقل خدمة لي أو أن يكون الصيدلاني أكثر رعاية للشخص الذي قابله.
بالنظر إلى ما قلته عن العلاقات الأسرية، داخل الدائرة العائلية وداخل المجموعات المهنية، تتميز العلاقات بخصائص مثل المساعدة المتبادلة والإيثار والألفة والاحترام.
ومع ذلك، فإن حالة العضوية في المجموعة الخارجية ليست دائمة وغير قابلة للتغيير؛ أحيانًا، قد يُغيّر تعليق عابر أو إدراكٌ لقواسم مشتركة وضع الشخص من جماعة خارجية إلى جماعة داخلية، ويجعله عضوًا فيها.
بعد أن استمعنا إلى ذكريات صوفيا وآرائها، تابعونا لنتعرف على رأيها في رغبة الإيرانيين المتزايدة نحو الجماعة.
من نتائج بحثها، توصلت صوفيا إلى أن الثقافات عمومًا تسير في مسار ثنائي القطب، حيث يُمثّل أحد قطبيه الفردانية والجماعية، وأن هذا يكمن في مفهوم الجماعة، وليس في مفهوم النظام السياسي.
في المجتمعات الفردية، تكون العلاقات بين الأعضاء قليلة، ولا تُرى العلاقات الوثيقة إلا بين أفراد الأسرة المقربين. في مثل هذه المجتمعات، يُتوقع من الأفراد الاعتناء بأنفسهم، والدفاع عن حقوقهم، واختيار الجماعات التي يرغبون في الانضمام إليها. تحتل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا مراتب متقدمة في مسار الفردية.
في الطرف الآخر من هذا التسلسل، توجد مجتمعات، تتميز بمجموعات أسرية مستقرة ومتماسكة. في هذه المجتمعات، يكون الأفراد مخلصين للجماعة، وفي المقابل، تحميهم الجماعة وتدعمهم.
وفقًا لمذكرات صوفيا، فإن الثقافة الإيرانية أقرب إلى القطب الجماعي في هذا التسلسل، وتميل إلى هذا الاتجاه. يتجلى انخراط الإيرانيين في إطار الأسرة بطرق مختلفة في أنشطتهم الاجتماعية ووسائل الإعلام.
يعيش الأطفال الصغار مع عائلاتهم حتى يتزوجوا، وأحيانًا يعيشون بالقرب من والديهم بعد الزواج. في هذه المجتمعات، يصعب افتراض أن طفلًا صغيرًا غير متزوج سيغادر المنزل أو أن الناس سيعيشون بمفردهم بعد الطلاق، حتى لو كانوا مسؤولين عن أطفالهم.
عندما ينفصل أحد الزوجين، يعود كل من الزوجين إلى منزل والديه حتى يتزوج مرة أخرى، لأن الإيرانيين يحتاجون إلى دعم عاطفي وأساسي لا يمكن أن يوفره إلا الأقارب. تتحدد هوية الأفراد من خلال دورهم في الأسرة.
من الأمثلة الأخرى على أهمية العلاقات الأسرية في إيران مسؤولية رعاية كبار السن، والتي تقع على عاتق أفراد الأسرة المقربين، لا على الغرباء الذين يتقاضون أجرًا. فإلى جانب القبول الاجتماعي الذي يحظى به الفرد مقابل رعاية كبار السن، تُعتبر رعاية الوالدين المسنين عملاً ذا ثواب إلهي عظيم في الإسلام. هذا لا يعني أن الغرباء لا يهتمون بكبار السن إطلاقًا، بل هو حل بديل أقل استحسانًا.
فكثير من العائلات لا تعتبر وجود الوالدين المسنين عبئًا عليها فحسب، بل تعتبرهم نعمة وبركة في منزلها، إذ يمكن زيارة أفراد آخرين من العائلة عند زيارة كبار السن. وكلاهما من الأمور التي يستحبها المنهج الإسلامي.
فعلى سبيل المثال، تُوصي آيات القرآن الكريم مرارًا بالأدب والبر والرفق، وخاصة للوالدين اللذين لهما حق كبير على أبنائهما. على سبيل المثال، في سورة الإسراء، يُحذَّر الأبناء من سبّ والديهم في كبرهم، أو التحدث بفظاظة ووقاحة تُسيء إليهما ولا تُحترم. ولذلك قال النبي محمد (صلى الله عليه وآله):
"إكرام كبار أمتي إكرام لي".
تُتابع صوفيا أكوتلاكي قائلةً:
"خلال بحثي في نظام اللباقة والمجاملة ومفهوم الوجه في الثقافة الإيرانية، أدركتُ أهمية قيم الجماعة. توجد مفاهيم إيجابية كالمحبة والتضحية والإيثار والتعاون والتبعية للجماعة في ثقافة شعب هذا البلد. في المقابل، تُدان مفاهيم كالأنانية والفردية وتُحكم عليها سلبًا".
بالنسبة للإيرانيين، تُعتبر الأسرة مصدرًا لمعظم المواقف والسلوكيات الجيدة والسيئة في المجتمع. وهكذا، إذا رُبّي الأطفال تربيةً صالحةً واجتماعيةً ومسؤولةً ومتعددة المواهب، فسيولدون أفرادًا يُربّون أطفالهم على نفس النهج. في المقابل، فإن الأطفال الذين لا يتصرفون بشكل صحيح، والأطفال الوقحون وغير المسؤولين والأنانيون وغير المراعين للآخرين والذين يفتقرون إلى المسؤولية الاجتماعية، يعني أنهم لم يُربّوا تربيةً سليمة.
تتجلى أهمية الأسرة أيضًا في وسائل الإعلام، وخاصةً التلفزيون، الذي يحظى بشعبية واسعة. فالإعلانات عن السلع والخدمات مثل الأجهزة المنزلية والمتنزهات الترفيهية تخاطب عادة العائلات لأغراض متنوعة، من العروض الترويجية والتسهيلات المصرفية إلى سائر الإعلانات. عادةً ما تُظهر هذه الإعلانات العائلة الكبيرة والسعيدة وبحضور الأجداد.
حسنًا، أصدقائنا المتابعين الى هنا نختم الحلقة الثالثة من بودكاست "بين الإيرانيين"، الذي تناول دائرة الأصدقاء والمعارف والعلاقات الجماعية في إيران، وفي الحلقة القادمة سنتحدث عن كمية ونوعية الحياة والتسلسل الهرمي والمساواة بين الإيرانيين من خلال كلمات صوفيا أكوتلاكي.
يسعدنا أن ترافقونا في الحلقات القادمة، وإذا أعجبكم محتواه، شاركوه مع أصدقائكم.
شكرًا لكم لحسن استماعكم وطيب متابعتكم
والى اللقاء.