لعقود طويلة، عُرفت قرية زيارت في محافظة كلستان، التي تبعد 17 كيلومترًا فقط عن جرجان، وتجاور منتزه "نهارخوران" الوطني الشهير، بأنها محطة روحية، ملاذ صيفي، ووجهة سياحية بيئية متزايدة الأهمية.

إن موقع قرية "زيارت" في قلب غابات "هيركاني على الشاطئ الشرقي لبحر قزوين، الذي يعد أحد أقدم النظم البيئية في العالم، قد منحها مساحة بكر لم تمسها يد التطور المستمر للسياحة الحديثة.
وكما هو الحال في العديد من القرى والمدن التاريخية في إيران، تبدأ هوية قرية "زيارت" بضريح "الإمام زاده عبد الله"، أحد أحفاد الإمام موسى كاظم (ع)، الإمام السابع للشيعة.

هذا الحضور المقدس هو ما منح القرية اسمها "زيارة". ,قبل وقت طويل من شق الطرق المعبدة التي ربطت جرجان بالجبال المحيطة، كانت العائلات من جميع أنحاء المنطقة تأتي إلى هنا لزيارة هذا المزار وتقديم احترامها له. ووفقًا للسكان المحليين، فقد نمت القرية بأكملها حول هذا المزار.
منظر قرية "زيارت"
تُشكل تضاريس زيارات الفريدة، بمنحدراتها الشديدة ووديانها المكسوة بالغابات وجبالها الخلابة، دعوةً للسياح الراغبين في استكشاف المعالم الطبيعية لشمال إيران.
يُعد شلال "زيارت" أحد أشهر المعالم السياحية في المنطقة، إذ تحيط به غابات كثيفة ويمكن الوصول إليه عبر مسار مشي شهير.

كما يوجد نبع حار، غني بالمعادن يحتوي على الكالسيوم والمغنيسيوم والكبريت، ويقع بالقرب من الطريق الجبلي المؤدي إلى القرية.
وتبلغ درجة حرارة هذا النبع حوالي 40 درجة مئوية، وهو معروف محليًا بفوائده في تخفيف آلام العضلات والروماتيزم والأمراض الجلدية.
وتوجد عدة ينابيع أخرى حول القرية، أشهرها نبع "سرخ رود". وبفضل مياهه الصافية الدائمة، يُساهم هذا النبع في توفير جزء من إمدادات المياه المحلية، كما أن محيطه مثالي للنزهات.

بما أن قرية "زيارت" تقع على ارتفاع أعلى من مدينة جرجان، فإن مناخها معتدل حتى في ذروة الصيف. وعندما تلامس جرجان سهول بحر قزوين، تتمتع القرية بمناخ لطيف.
وفي الربيع، تُزهر الأزهار في أرجاء القرية مع هطول أمطار خفيفة.
أما الخريف، فيجلب معه ضباب الصباح وغابات بألوان صفراء وحمراء زاهية، بينما تكتسي التلال المحيطة بها بالثلوج في الشتاء.

الآثار والعمارة في قرية "زيارت"
تشير الأدلة الأثرية والتاريخ المحلي إلى أن القرية تعود إلى القرون الإسلامية الأولى. وقد جعلها موقعها الآمن في قلب الجبال، المحمي بالغابات الكثيفة وموارد المياه الوفيرة، ملاذًا من الغزوات الأجنبية.
وتشير بقايا المعالم التاريخية من مواقع مثل "تَخت خُسرو"، "تخت ديغا"، "محلة إسفنديار"، وغيرها، إلى استيطان طويل الأمد في القرية خلال العصرين القاجاري والبهلوي.

حتى أن قرية "زيارت" تُصنّف ضمن "القرى العشر ذات القيمة التاريخية الآشورية"، وهو لقب يُبرز أصالة القرية وعراقتها واستيطانها البشري المتواصل. ورغم أن هذا لا يعني أن الآشوريين هم من أسسوا القرية مباشرةً، إلا أن هذا التصنيف يُشير إلى وجود مواقع أثرية ومبان قديمة وهياكل تاريخية تدل على آلاف السنين من الاستيطان المتواصل.
وبفضل هندستها المعمارية المميزة والتقليدية، تُعدّ "زيارت" مثالًا فريدًا على انسجام الإنسان مع الطبيعة حيث معظم المنازل مبنية على سفوح الجبال بشكل متدرج، باستخدام مواد محلية كالحجر والخشب والطوب.

ويتلاءم التصميم المعماري تمامًا مع مناخ المنطقة الجبلي:
"فالأسقف الجملونية تساعد على تصريف مياه الأمطار، والأزقة المنحدرة تسمح بمرور الفيضانات، وهما سمتان أساسيتان لهذا النمط المعماري التقليدي.
تتألف المنازل عادةً من طابقين أو ثلاثة، مع شرفات مطلة على المناظر الطبيعية الخلابة التي توفر إطلالات رائعة على الغابة.
النوافذ الخشبية المشبكية، الجدران السميكة التي تحافظ على درجة الحرارة الداخلية، واستخدام الألوان الترابية في الواجهات الخارجية، كلها عناصر تضفي على المكان دفئًا وأصالة.

وفي قلب القرية، بُنيت أيضًا مبانٍ عامة كالمسجد والمدرسة القديمة وضريح الإمام زاده عبد الله على الطراز التقليدي نفسه. ولا تزال العديد من المنازل القديمة تحتفظ بزخارفها التقليدية، وأفرانها الطينية، وبركها التقليدية.
وإلى جانب جاذبيتها الجمالية، يتميز هذا النمط المعماري التقليدي بفعاليته في التكيف مع الظروف المناخية للمنطقة، وذلك بفضل استخدام المواد المحلية والتصميم العملي.

ثقافة متجذرة في الأرض
يعيش سكان قرية "زيارت" حياةً وثيقة الصلة ببيئتهم الجبلية. فالزراعة وتربية المواشي والبستنة وتربية النحل تُشكّل روتينهم اليومي. وغالبًا ما يُقدّم للزوار العسل المحلي والأعشاب الجبلية وقصصا من ماضي القرية.
تُستخرج المنتجات بشكل رئيسي من الأراضي المحيطة بالقرية:
"العسل، المخللات، معجون الرمان، عصير الحصرم، المشروبات، والأعشاب الطبية المجففة مثل لسان الثور واليارو والزعتر.

كما تُنتج بعض العائلات الجاجيم، وهي سلال منسوجة يدويًا من الخيزران والخوص؛ وهي حرف يدوية تقليدية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالدين المحلي.
تنبض الحياة في قرية "زيارت"، بتناغم مع الجبال والغابات.

يمتزج الروتين اليومي والتقاليد العريقة والجمال المحيط، ليُقدّم للزوار صورةً لقرية تتعايش فيها التاريخ والثقافة والطبيعة في وئام تام.