البث المباشر

ايران كيف فرضت معادلات القوة على واشنطن؟

السبت 7 فبراير 2026 - 08:26 بتوقيت طهران
ايران كيف فرضت معادلات القوة على واشنطن؟

بعد اختتام الجولة الأولى من المحادثات الإيرانية-الأميركية في مسقط، لماذا تصر طهران على التمسك بالملف النووي بنداً وحيداً للتفاوض دون غيره؟

في سياق التوترات الأخيرة التي تعصف بالمنطقة، نتيجة التهديدات الأميركية لإيران، وتدحرج الأحداث في الأيام الماضية نحو مفاوضات مسقط، يبرز تساؤل أساسي متعلق بما وضعته الجمهورية الإسلامية على طاولة الحوار، وتحديداً فيما يخص السبب الداعي لحصرها في بند واحد فقط، تسمح  لواشنطن بالنقاش فيه، وهو الملف النووي.

وبعيداً عن مسألة العسكرة والقدرات المادية التي نجحت إيران في إصلاحها بعد حرب الـ 12 يوماً، وقبل أن تسيطر التساؤلات بشأن "إمكانية فشل المفاوضات أو اندلاع الحرب"، لا بد من التوقف عند هذه اللحظة بالذات، حيث قالتها طهران علناً، رافضةً الانصياع لتهديدات واشنطن: فاوِضونا فقط بشأن النووي. فعلى أي قوة تتكل طهران حتى استطاعت أن تحصر سياق المفاوضات بهذا الشرط؟ ولماذا؟

قد يبدو من الغريب أن نقول إنّ حرباً فُرضت على إيران، شكّلت بالنسبة إليها نقطة قوة استطاعت استثمارها لفرض شروطها على مفاوضات اليوم، ولكن طهران، بعد حزيران/ يونيو 2025، أدركت أن قدراتها النووية والسياسية والعسكرية، إلى جانب الدعم الإقليمي والاستراتيجي الذي تملكه، يمنحانها هامشاً واسعاً يسمح لها بتحديد نطاق الحوار على طاولتها، ورفضها لأي محاولة ربط لملفها النووي بقضايا أخرى، مثل الصواريخ البالستية أو السياسة الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بدعم حركات المقاومة، باعتبارها شؤوناً سيادية داخلية، لا دخل لأي قوى خارجية فيها.

لذا، فإن حرب الــ 12 يوماً أعادت رسم معادلة القوة بين الطرفين، وهنا لا نعني القوة العسكرية، بل قوة فرض الشروط والتأثير على موازين القوى، للوصول إلى اليوم الذي ترفض فيه إيران أن تفتح ملفاتها السيادية للبيت الأبيض، مشترطةً ما تريد أن تتفاوض به فقط، وهو ما يجعل الملف النووي محور المفاوضات فعلياً اليوم. فالولايات المتحدة اليوم، تفاوض إيران فيما زعمت سابقاً تدميره وإنهاءه، وبعد فشل ما سماه رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "معركة إسرائيل الوجودية"، خلال حربه على إيران.

اليوم، الولايات المتحدة تتفاوض مع النظام الذي خططت -مع "تل أبيب"- لإسقاطه، حول الشرط الذي ألقت صواريخها في حزيران/ يونيو لتهديد وجوده. 

وهنا مربط الفرس، فقد حوّلت الجمهورية الإسلامية برنامجها النووي إلى ورقة ضغط فعّالة، من خلال إثبات قدرتها على أن تكون الفاعل في المفاوضات الدولية غير المباشرة مع واشنطن في مسقط. وأمسكت طهران باستراتيجية تُجبر واشنطن على الجلوس إلى طاولة الحوار وفق شروطها، متحدية بذلك الضغوط العسكرية والعقوبات التي تفرضها الأخيرة عليها. 

لماذا النووي؟   
من هنا، فإن إصرار إيران على تحديد ساحة التفاوض فيما يخص الملف النووي فقط، يمثّل موقفاً تفاوضياً لتسهيل رفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها. يحدث هذا فعلياً عبر منع توسيع دائرة التفاوض لتشمل ملفات أخرى، مثل علاقاتها مع حلفائها، بوصفها شؤوناً داخلية خاصة، أو برنامجها الصاروخي، باعتباره شأناً عسكرياً داخلياً كذلك.

لذا، يتيح هذا الشرط لطهران ربط أي التزام نووي تقدمه بشكل مباشر برفع العقوبات، باعتبار أن الجزء الأكبر منها فُرض تحت هذا العنوان تحديداً، وبالتالي تكون إيران قد حولت ورقة الضغط السياسية الأميركية إلى أداة للتفاوض مع الولايات المتحدة نفسها.

وعلى غرار ذلك، يسهم هذا الموقف في تعزيز صورة الجمهورية الإسلامية بوصفها طرفاً منفتحاً على التفاوض، ملتزماً بالمسارات الدبلوماسية، الأمر الذي يضع واشنطن أمام ضغوط دولية متزايدة، لدفعها إلى التجاوب مع هذا المسار من دون فرض شروط إضافية. 

لذا، يضمن هذا الحصر -أي التفاوض على النووي فقط- أن أي تقدم في الملف، يأتي مقابل نتيجة ملموسة للشعب الإيراني، ألا وهي رفع العقوبات، وهذا بحد ذاته يحفظ استقلالية القرار في البلاد، ويظهر قدرتها على التفاوض من موقع القوة، لضمان حماية مصالح الشعب والسيادة الوطنية. 

البالستي خارج نطاق التفاوض.. لماذا؟
بعد الحديث عن تأثير حرب الـ12 يوماً على  إطار القوة الإيرانية، وتأثير هذه الأخيرة على فرض شرطها فيما يخص الملف النووي في المفاوضات، بالتوازي مع اختيار هذا الملف تحديداً دون غيره، قد يطرأ سؤال فيما يخص صواريخ إيران البالستية، فلماذا تضعها إيران خارج نطاق التفاوض؟

يعدّ الملف النووي إطاراً تفاوضياً منظماً مرتبطاً باتفاق دولي قائم وآليات واضحة تتيح ربط الالتزامات النووية برفع العقوبات الأميركية المفروضة على طهران. في المقابل، تنظر إيران إلى برنامجها البالستي بوصفه جزءاً من عقيدتها الدفاعية وسيادتها الوطنية، وترفض إخضاعه لأي مسار تفاوضي، لما يحمله ذلك من مساس مباشر بأمنها القومي. 

علاوة على ذلك، فإن إدخال البرنامج البالستي في المفاوضات من شأنه توسيع دائرة الشروط الأميركية وتعقيد مسار التفاهم، فيما يتيح حصر النقاش بالملف النووي تضييق نطاق التفاوض على ساحة دبلوماسية موحدة.

لماذا ترفض إيران إدراج ملف العلاقة مع حلفائها في المفاوضات؟
إن خيار تفاوض الولايات المتحدة مع الجمهورية الإسلامية في إيران على ملف يتعلق بحلفائها -إن وُجد- يعد ورقة ابتزاز وتعدّياً على سيادة الأخيرة، ولهذا بالتحديد لم تدرجه طهران في سياق ملفات التفاوض، باعتبار أن طبيعة العلاقة بين إيران وحلفائها متعلقة بعقيدتها التي تدفعها للتعاضد مع كل من يسعى لمجابهة الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية في العالم، كما أن أي "مشكلة" بين واشنطن وحلفاء طهران، لا تُحل بوضع ملف العلاقة بينهما في إطار التفاوض.

لذا، وطالما أن العلاقة بين الطرفين، أي بين طهران وحلفائها، قائمة على تشابه عقائدي وخيارات استراتيجية مشتركة، فإن محاولة واشنطن التعامل مع الحلفاء كـ "أوراق ضغط أو ملفات تفاوضية" تمثل خياراً خاطئاً وتصاعدياً في سياق المفاوضات. 

لماذا تعد إيران قادرة على التمسك بالملف النووي بوصفه بنداً وحيداً في المفاوضات؟
تتمسك إيران اليوم بالملف النووي باعتباره "المسيطر" على ساحة التفاوض مع واشنطن، وهذا أمر بات واضحاً وتم إعلانه والمضي به في الجولة الأولى في مسقط كما في الجولات السابقة، لكن التساؤل الأساس هنا هو عن القدرة، لا عن الخيار فحسب.

لدى طهران هامش واسع من الدبلوماسية المعتمدة في سياق التفاوض، فضلاً عن أن الملف النووي بطبيعته يقوم على معادلة تبادلية واضحة بين التزامات محددة، خاصة في إطار رفع العقوبات كما سلف وذكرت، وهو ما يخلق توازن حاجة متبادلاً بين الطرفين. 

علاوة على ذلك، إن فشل السعي الأميركي الدائم لـ "إسقاط النظام" في إيران، أو أقله التغيير الجذري فيه، خاصة في ظل أعمال الشغب المسلح الأخيرة، أعطى إيران قدرة إضافية للذهاب إلى طاولة التفاوض من موقع قوة جديد.

لذا، إن اختيار حصر التفاوض في ساحة الملف النووي بعيداً عن أي تدخل سيادي، هو بحد ذاته إعادة تموضع للقوة الإيرانية سيادياً، داخلياً وخارجياً، وتحدٍ للنفوذ الأميركي الذي يسعى دائماً لفرض شروطه على الجهات المعارضة له.

عموماً، وأمام تعدد هذه الأسئلة، لا يمكن إغفال الجدل المتعلق بإمكانية نجاح المفاوضات أو فشلها، أو باحتمال إقدام واشنطن على شن حرب من عدمه، غير أن هذه التساؤلات تبقى مرهونة بالوقت.

ومهما تكن النتيجة، وبأي شكل تحققت، فإنها ستؤول إلى حقيقة واحدة ثابتة: أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية نجحت في فرض شروطها وتحديها لمختلف الضغوط، لتصل في النهاية إلى معادلة واضحة، مفادها أن ما سيجري في الأيام المقبلة، أياً كان، سيجري لأن طهران لم تقبل بالتنازل.

موقع المادين/ هبة دهيني

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة