معنى قوله تعالى "قل إنما أعظكم بواحدةٍ"

الأربعاء 4 ديسمبر 2019 - 09:55 بتوقيت طهران
معنى قوله تعالى "قل إنما أعظكم بواحدةٍ"

تفسير الآية 46 من سورة سبأ قوله تعالى:"قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ.

 

{قُلْ} لهؤلاء الذين تجمّعوا حولك وهم يصرخون إنك مجنون، أو الذين يلاحقونك وهم يهتفون خلفك ويشيرون إليك بأنك مجنون، أو الذين يتحدثون عنك في غيابك فيتهمونك بالجنون، قل لهم كلمة العقل والحكمة، وعلّمهم منهج التفكير وطريقة إدارة القضايا المتنازع عليها في الجوّ والأسلوب والحركة، لأنّ مشكلتهم هي أنهم لا يحركون الأسلوب بطريقة هادئة، ولا يحدِّدون المنهج العقلاني الذي يعتمد على الموضوعيّة في مناقشة الأمور وإطلاق الأحكام، وإلا، فإنّك لن تستطيع الوصول إلى أيّة نتيجةٍ حاسمةٍ معهم إذا أردت أن ترد الكلمة المعادية التي يطلقونها ضدّك بشكلٍ مباشرٍ، بل لا بدّ لك من أن تثير أمامهم مسألة المنهج، لتقودهم إلى الطريقة المثلى في إثارة الأمور ومعالجة القضايا ومناقشة الظواهر، والوصول إلى تكوين القناعات من خلال ذلك كلّه.

 

قل لهم: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ}، فهي كلمة واحدة تحدّد لكم المنهج في التفكير، {أَن تَقُومُواْ للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى}، وتنفصلوا عن الجوّ المحموم الضاغط على عقولكم ومشاعركم ومواقفكم، والذي يُشعر كل واحدٍ منكم بأنّ الدخان يملأ عقله وشعوره وحياته، فلا يرى أمامه شيئاً، فتفرّقوا فرادى، وليجلس كلّ واحد منكم مع نفسه، ليخلو إلى عقله ويفكّر، أو تفرّقوا مثنى مثنى، ليجلس كلّ واحدٍ منكم إلى صاحبه، ويفكر معه بحسابات هادئةٍ متزنةٍ، ومناقشةٍ عاقلةٍ دقيقة، في ظلّ حالةٍ فكريةٍ هادئةٍ، تنطلق منها الشخصية الفردية المفكّرة، ليكون الفكر فكر المجموع من خلال فكر الجميع، لا فكر المجموع من خلال انفعال المجموع.

 

{ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}، ليقودكم التفكير إلى قراءة كلام هذا الإنسان في كلماته وأسلوبه ومضمونه الفكري، وإلى دراسة خطواته العملية، وعلاقاته بالنّاس، وطريقته في التخطيط، ولتستنتجوا من خلال ذلك كلّه، أنّ هذا الإنسان هو في قمة التوازن العقلي والشعوري والعاطفي، ولتعرفوا الحقيقة التي تفرض نفسها عليكم، {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ}، لأن للجنون علاماته في الكلمة والحركة والأسلوب، فلم يأتكم بشيءٍ يبتعد عن المعقول، بل أتاكم بما أتى به النبيّون من قبله في ما حدّثكم عن الله وعن اليوم الآخر في ثوابه وعقابه، وعما ينتظر الكافرين من عقاب شديد {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} أعدّه الله للكافرين والمشركين.

 

العلامة السيد محمد حسين فضل الله

 

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم