مسؤوليتي

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 12:48 بتوقيت طهران
مسؤوليتي

المجاهد الشهيد إبراهيم هادي
عنوان هذه الحلقة: مسؤوليتي
مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) أي سلام على إبراهيم
ضاق إبراهيم بمديرية التربية الرياضية... فالوظيفة الحكومية، والجلوس المستمر وراء المنضدة، لم يكن ليلبي طموحه لخدمة عقيدته، أو يغني إحساسه بأداء مسؤولياته الرسالية الإجتماعية...
ولم يجد حاجة للبحث عن ميدان عمل جديد... ذلك أن نفسه تتوق منذ زمن بعيد الى التعليم... وهل يوجد هناك عمل أفضل من عمل الأنبياء..!
وهكذا إنتقل إبراهيم الى حقل التعليم... رغم قلة المرتب الذي يتقاضاه...
كان يقول: إن ترسيخ أسس الثورة والمحافظة على جذوتها متقدة في نفوس الأجيال القادمة... يفرض البدء من المدرسة... وإلا فإن المستقبل سيتولاه أناس غرباء على المسيرة... أي اولئك الذين لم يولدوا من رحم المعاناة...
وبدأ عمله التدريسي... كان له أسلوبه المتميز عن بقية الأساتذة... فهو يقضي أغلب وقته مع تلاميذه... يتجول بينهم في الساحة خلال الفرصة، مستكشفاً مشاكلهم ومعاناتهم...
والأكثر من ذلك... إنه كان ينفق دائماً من مرتبة البسيط، لتوفير حاجات ضعيفي الحال من طلابه... حتى إنه تكفل نفقات إعداد وجبة فطور لهم.
ولحسابات لم ترد في ذهن إبراهيم، بدا وكأن سلوكه هذا أغاظ مدير المدرسة، فدعاه يوماً وقال بامتعاض:
- أستاذ إبراهيم... أريد أن أصارحك أن سلوك هذا قد أخل بنظام المدرسة...
- أي سلوك تقصد جناب الأستاذ؟ قال إبراهيم وقد فوجئ.
أجاب المدير بلهجة صريحة أثارت حيرة إبراهيم قبل أن ترد على إستفهامه:
- قضية وجبة الفطور.
إتسعت حدقتا إبراهيم وهو يسأل:
- وما هو وجه الإخلال؟!
قال المدير بغضب:
- إن كنت لا تعلم يا أستاذ فاعلم: أن تصرفك هذا يستدعي مطالب إضافية، والمدرسة غير قادرة على تغطية أي نفقات من هذا النوع.
- ومن هو الذي سيطالب المدرسة؟... تساءل إبراهيم ببراءة.
تجاهل المدير السؤال، وقال:
- على أي حال، إنني أبلغتك جناب الأستاذ، وأوكد: إنك لا تملك حق القيام بأعمال كهذه مستقبلاً...
وهكذا وجد إبراهيم نفسه، مضطراً لترك المدرسة، ذلك إنه لم يستطع أن يكون بمنأى عن معاناة تلاميذه.
ولم يمر إنقطاع إبراهيم عن المدرسة ببساطة، بل إنه أثار ضجة غير متوقعة...
فلا تكاد إدارة المدرسة تخلو يوماً من مناقشات الطلاب واوليائهم الحادة مع المدير... وتطور الموقف الى تهديدهم إياه، برفع شكوى الى وزارة التربية...
المدير الذي رأى أن موقعه أصبح مهدداً، إضطر الى دعوة إبراهيم الى استئناف نشاطه التدريسي.
إلا أن إبراهيم الذي شرع التدريس في مدرسة أخرى، إعتذر بعدم إمكانية التخلي عن إلتزامه الجديد.
وعلى عكس المدرسة السابقة، فقد كان إعتزاز إدارة المدرسة الجديدة بإبراهيم، وأشادتها بجهوده، سبباً لاختياره أحد الأساتذة النموذجيين على مستوى البلاد.
كثيراً ما شغل تفكيره هذا الهاجس... ترى أيسوّغ رضاه النسبي عن أدائه، توقعه أن مهمته قد إنتهت داخل جدران المدرسة الأربع، وإنه لم يعد مسؤولاً أكثر من ذلك أمام ربه.
وإن قدر على حشد الحجج لإقناع نفسه بذلك، فهل سيقدر على إسكات صوت الضمير، الذي يطن في رأسه، كوجع مزمن...
فتح باب البيت وخرج... كان أولاد المحلة مشغولين بلعب الكرة الطائرة...
ظل يتأمل المشهد لحظات... لم يكن فيه من جديد... كثيراً ما رآهم يلعبون... لكنه أحس هذه المرة بشيء يدعوه نحوهم... بل يدفعه دفعاً... وكأنما يستجيب بذلك لحاجة في نفسه...
تقدم ملقياً التحية... ثم ليقول دون تكلف:
- هل يسمح الأصحاب بمشاركتهم اللعب.
قال إبن الجيران الذي يعرف إبراهيم بطلاً في المصارعة:
- أهلاً بك... هل تجيد لعب الكرة الطائرة أيضاً؟
أجاب إبراهيم بتواضع:
- إذا كنت لا أعرف، فأتعلم!
بدأ إبراهيم اللعب... مرن الحركة... سريع الوثبة... يرسل الكرة بنحو يصعب التصدي لها... فذهل الأولاد، وأخذ الواحد منهم ينظر في وجه الآخر...
وبعد شوط قصير، ودع إبراهيم الجمع، وانسحب...
ظل الأولاد مأخوذين لبعض الوقت... ثم راحو يطرون إبراهيم بانبهار...
وبعد أيام، يعاود إبراهيم اللعب مع الأولاد، وعندما يرتفع صوت المؤذن للصلاة، يمسك الكرة قائلاً:
- يا شباب..! ألا تحبون أن نذهب معاً الى المسجد؟
يصيح الأولاد:
- لِم لا... نذهب!
وتكرر شوط اللعب وشوط المسجد... وتطورت العلاقة الى دعوات وموائد في بيت إبراهيم... وترسخت أكثر فأكثر، حتى لم يعد الأولاد يطيقون فراقه...
وهكذا بدا أن طموح إبراهيم للتربية والهداية، قد تسلق فعلاً أسوار المدرسة ولم يبق حبيس جدرانها الأربعة.
شيئان لم يكتشف سرهما في حياة صديقه...: المال والوقت..!
ترى، من أين يأتي إبراهيم بكل هذا المال لتغطية نفقات مشاريعه الإجتماعية الكثيرة... وكيف يسعه الوقت لإنجازها جميعاً.
كانت هذه الأفكار قد راودت ذهن الصديق، مذ جاء إبراهيم ضحى لإستعارة سيارته...
قال أنه سيعيدها عصراً... وها هو بوق السيارة يؤكد أنه صادق الوعد...
فتح الباب وقال:
- ساعدك الله...... وأردف:
- أين ذهبت؟!
أجاب إبراهيم بابتسامة عريضة:
- لم أذهبت الى مكان محدد، بل ذهبت الى كل مكان!
- تتحدث بلغة الأحاجي والألغاز... ماذا تعني؟ قال الصديق متهكماً:
- أعني أني حوّلت مركبتك الفارهة، الى سيارة أجرة، ورحت أنقل فيها الركاب من مكان الى آخر... ثم ربت على جيبه، وقال ضاحكاً:
- لقد أصبح لديّ مدخول جيد...
ضحك الصديق وقال:
- أتهزل؟!
- لا والله... جاد تماماً... ولا زال أمامي بعض الأعمال... فإن كنت تجد الفرصة فحبذا لو رافقتني..! ... وأردف:
- حقا... إذا كان لديكم مواد غذائية فائضة عن الحاجة، فلا بأس أن تجلبها معك...
وبعد أن تحركت بهما السيارة قليلاً، أوقفاها أمام محل لبيع المواد الغذائية... إشترى إبراهيم لحماً ودجاجاً ورزاً وأشياء أخرى... ثم أدخل يده في جيبه، لنعود برزمة أوراق مالية مجعدة من فئة صغيرة، فتيقن الصديق أن إبراهيم جمعها من الركاب حقاً.
وبعد أن تحركت السيارة ثانية، توقفت أمام بعض البيوت ليهبط منها إبراهيم مسلماً كل بيت كيساً، وهو يقول:
- إنا كنا في المسجد، وهذه حصتكم من المواد الغذائية.
تعالت أصوات الجيران في الزقاق:
- لص... لص... أمسكوا به!
وبدأت المطاردة...
كان اللص قد سرق دراجة نارية وهرب بها... غير أن أحد شباب المحلة، إعترض طريقه، وطرحه أرضاً...
وعندما وصل إبراهيم الى محل الحادث، كانت يد اللص تنزف دماً... فيما بان على وجهه الرعب القاتل.
تقدم إليه إبراهيم يطمأنه، ثم سارع الى ركوب الدراجة، ليردفه خلفه، وينطلق به الى المستشفى.
وفي المسجد، حيث أجلس إبراهيم صاحبه الى جانبه، وعلى يده ضمادة طبية... همس إليه بنبرة عاتبة مفعمة بالرقة:
- لماذا ورطت نفسك في هذا الفعل الحرام... إلا تعلم أن المال الحرام يحيل الحياة الى الجحيم.
بدأ التأثر على الرجل وقال:
- أعرف ذلك... لكني عاطل عن العمل، كما تعلم ولدي أسرة تنتظر مني أن أطعمها...!
إبتسم إبراهيم وقال: من أين لي أن أعلم...!
تساءل الرجل كالمستعطف: كيف... ألم تأتنا أمس بمعونة المسجد؟
فوجئ إبراهيم، غير أنه تلفت فيما حوله، ثم نهض عجلاً... جلس الى رجل كهل، عليه مظاهر النعمة... ثم عاد بعد قليل بادي البشر، وقال:
- شكراً لله... لقد تهيأ لك عمل مناسب، تستطيع أن تبدأ من الغد...
ثم مد يده إليه بمظروف، وهمس:
- خذ هذا المبلغ إستعن به على بعض شأنك... واطلب العون من الله دائماً... وليكن هدفك المال الحلال فهو مبارك، وإن كان قليلاً...
إنحدرت دموع الرجل رغماً عنه، فهوى للسجود...
ثم لم يملك نفسه إن بكى... وراح ينتحب بصوت عال ملفت... وكأن عاصفة عاتية من مشاعر الندم والألم، والشكر والعرفان أيضاً قد اجتاحته..!!

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم