قصة مؤمن آل فرعون

السبت 16 مارس 2019 - 19:06 بتوقيت طهران

الحلقة 29

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، والصلاه والسلام علی امين وحيه محمد المصطفی واله الهداه الابرار. 
اهلاً بكم الی برنامج القصص الحق في هذه الحلقة من البرنامج نواصل حديثنا عن حكاية نبي الله موسی (عليه السلام) التي ذكرت في سورة غافر من ۲٦ الی ۲۸ وهي تذكر قصة مؤمن آل فرعون. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: 
- بداية ننصت خاشعين الی تلاوة هذه الآيات 
- ثم نتعرف علی معاني مفرداتها والعبارات التي وردت في الآيات 
- نستمع بعدها الی الحوار القراني الذي اجری بشان الآيات مع ضيف البرنامج السيد عبد السلام زين العابدين
- لنستمع بعد ذلك الی سرد حكاية مؤمن آل فرعون
- ونغترف من معين رسول الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) بشأن مؤمن آل فرعون 
- ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية 

*******

في الآيات التالية نری اشتداد الصراع بين موسى (عليه السلام) وأصحابه من جانب، وبين فرعون وأنصاره من جانب آخر. اذ يبرز هنا دور من يعبر عنه القران الكريم بالرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان من المقرّبين إلى فرعون، ولكنّه اعتنق دعوة موسى التوحيدية من دون أن يفصح عن إيمانه الجديد هذا، وإنّماتكتم عليه واعتبر نفسه ـ من موقعه في بلاط فرعون ـ مكلفاً بحماية موسى (عليه السلام) من أي خطر يمكن أن يتهدده من فرعون أو من جلاوزته. 
يقول تعالى: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ»، تدل كلمة «ذَرُونِي» أنّ غالبية مستشاري فرعون أو بعضهم على الاقل كانوا يعارضون قتل موسى، لخوفهم من أن يطلب (عليه السلام) من ربّه نزول العذاب بساحتهم، لما كانوا يرون من معجزاته وأعماله غير العادية، إلاّ أنّ فرعون ـ بدافع من غروره ـ كان يصر على قتله مهما تكن النتائج.
وقد استدل فرعون على تصميمه في قتل موسى (عليه السلام) بدليلين:
الأوّل: ذو طابع ديني ومعنوي، والآخر ذو طابع دنيوي ومادي، فقال في الأوّل، كما يحكي القرآن ذلك: «إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ».
وفي الثاني: «أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ».
فكانما يقول فرعون إذا سكتّ أناوكففت عن قتله، فسيظهر دين موسى وينفذ في أعماق قلوب أهل مصر، وتزول ديانتكم التي تحفظ منافعكم ووحدتكم; وإذا سكتّ اليوم فإنّ الزمن كفيل بزيادة أنصار موسى (عليه السلام) وأتباعه، لذا فالمصلحة تقتضي أن أقتله بأسرع ما يمكن.
بالطبع، لم يكن فرعون يقصد من الدين شيئاً سوى عبادته أو عبادة الأصنام، أمّا الفساد فهو من وجهة نظر فرعون يعني الثورة ضدّ استكبار فرعون من أجل تحرير عامّة العباد، ومحو آثار عبادة الأصنام، وإحياء معالم التوحيد، وتشييد الحياة على أساسها.
والآن لنر كيف كان رد فعل موسى (عليه السلام) والذي يبدو أنّه كان حاضراً في المجلس؟
يقول القرآن في ذلك: «وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ».
قال موسى (عليه السلام) هذا الكلام بكل صلابة واطمئنان ويدل ذلك علی إيمانه القوي واعتماده المطلق على الله تعالى، وأثبت بذلك بأنّه لا يهتز أو يخاف أمام التهديدات.
ولكن ماذا كان عاقبة تهديد فرعون؟
الآيات القادمة تنبئنا بذلك، وتكشف كيف استطاع موسى (عليه السلام) أن يفلت من مخالب هذا الرجل المتكبّر المغرور.
يقول تعالى: «وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ»، اي أتقتلوه في حين أنّه «جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ».
ثم إنّ للقضية بعد ذلك جانبين: «وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ».
لذا فإنّ قتله في كلتا الحالين أمر بعيد عن المنطق والصواب.
ثم تضيف الآيات: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ».
فإذا كان موسى سائراً في طريق الكذب والتجاوز فسوف لن تشمله الهداية الإلهيّة، وإذا كنتم أنتم كذلك فستحرمون من هدايته.
ولم يكتف «مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ» بهذا القدر، وإنّما استمرّ يحاول معهم بلين وحكمة، حيث قال لهم ـ كما يحكي ذلك القرآن -:«يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا»، فيقول لهم: إن بيدكم حكومة مصر الواسعة مع خيراتها ونعيمها فلا تكفروا بهذه النعم فيصيبكم العذاب الالهي.
ويظهر أنّ هذا الكلام أثّر في حاشية فرعون وبطانته، فقلّل من غضبهم وغيظهم، لكن فرعون لم يسكت ولم يقتنع، فقطع الكلام بالقول: «قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى» اي إننّي أرى من المصلحة قتل موسى ولا حلّ لهذه المشكلة سوى هذا الحل.
ثمّ إنّني: «وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ».
وهذا هو حال كافة الطواغيت والجبّارين على طول التاريخ،.
نستفيد من الآيات القرآنية أنّ «مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ» هو رجل من قوم فرعون آمن بموسى (عليه السلام)، وظلّ يتكتم على إيمانه، ويعتبر نفسه مكلّفاً بالدفاع عنه (عليه السلام).
لقد كان الرجل ـ كما يدل عليه السياق ـ ذكيّاً ولبقاً، يقدّر قيمة الوقت، ذا منطق قوي، حيث قام في اللحظات الحسّاسة بالدّفاع عن موسى (عليه السلام) وإنقاذه من مؤامرة كانت تستهدف حياته.

*******

نستضيف في هذه الحلقة سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين.
السيد عبد السلام زين العابدين: الله يبارك فيكم.
المحاورة: سماحة السيد يقول «مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ» فيما لو كان النبي موسى (عليه السلام) صادقاً «يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ»فلماذا حدد العذاب في «بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ»؟
السيد عبد السلام زين العابدين: احسنتم، بسم الله الرحمن الرحيم هناك عدة اتجاهات في تفسير هذا «بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ»الاتجاه الاول يقول ان طبيعة الحوار تقتضي ذلك لأنه اراد ان يكون حيادياً، اراد ان يقنع الاخر، طبعاً موسى هوصادق وهكذا لما قال «وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا» هنا على طريقة وانا او اياكم على هدى او فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ، هذه طريقة حوارية بحيث ان لا ابين للاخر انا صاحب الحق وانما كأنه هو لم يشك، انه من ال فرعون، هذا مؤمن كان يكتم ايمانه يعني في حالة تقية ويقال انه كان ابن عم فرعون وولي عهد فرعون في بعض الروايات، لأنه كان في حالة تقية وفي حال كتمان الايمان ولهذا يحاول ان يكون موضوعياً اتجاه قومه يعني قال لهم «وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» يعني هنا لم يقل يصبكم الذي يعدكم بل خفف الامر حتى يكون حيادياً وحتى يكون مقبولاً كذلك، هذه طبعاً طبيعة الحوار، هنا كذلك اسلوب من اساليب الحوار الرائعة في اقناع الاخر وفي عدم استفزاز الاخر يعني هو لم يستفز الاخر بأمرين اولاً احتمل ان يكون موسى كاذباً وان يكون موسى صادقاً يعني لم يقطع بصدق موسى رغم انه يؤمن بأن موسى كان صادقاً مئة بالمئة وكان مؤمناً بموسى وكان يعرف جيداً ان موسى (عليه السلام) صادقاً ولكنه على طريقة كما قلنا وانا او اياكم على هدى او في ضلال مبين، هذا اسلوب رائع من اساليب الحوار هذا اولاً، ثانياً كذلك حتى قدم الكذب «وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» يعني هو لم يقل ولم يقدم الصدق وانما قدم الكذب هذا كذلك طبيعة في الحوار بحيث كأنهم هم يودون ان موسى يكون كاذباً ولهذا قدم اولاً الكذب «وَإِن يَكُ كَاذِبًا» لم يقل لهم وان يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم وانما قال «وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ» يعني قدم الكذب لأن هم يأملون ان يكون موسى كاذباً يعني هم يوقنون ان موسى كاذباً ولهذا هو حاول ان يداري القوم من باب المدارات ومن باب المجادلة التي هي احسن ومن باب عدم استفزاز الاخر بحيث افترض موسى خمسين بالمئة (عليه السلام) انه كاذباً وخمسين بالمئة صادقاً وهو يؤمن بأنه صادقاً، ثانياً لم يقل لهم وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بالذي يَعِدُكُمْ وانما«بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» لأن من باب المجادلة والحوار وان قال بعض المفسرين هناك اتجاه آخر وان كان صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» يعني وعدهم بالعذاب الدنيوي والعذاب الاخروي فهنا المقصود بعض الذي يعدهم يعني بعض العذاب وهو العذاب الدنيوي وليس العذاب الاخروي، طبعاً هذا رأي ربما هناك اتجاه ثالث يقول من باب المظاهرة والحجاج اي انه كان يكفي بعض ما يَعِدُكُمْ فكيف بجميعه يعني كأنه يقول اذا كان «بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» هو مؤذي لكم ومهلك لكم فكيف اذا كان جميعه، كل ذلك من باب اللطف في المجادلة.
المحاورة: طيب السيد عبد السلام يعني كيف تفسرون رؤية فرعون الى مسألة الفساد في عبارة «أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ» في حين هو في قمة الفساد يعني هل هو جهل او تناسي او تغيير المعايير؟
السيد عبد السلام زين العابدين: احسنتم سؤال جميل ورائع يعني ممكن ان يكون جهل او تناسي وتغيير المعايير طبعاً من الجهل يعني دائماً الطاغية قد يتصور نفسه صحيح وعلى حق وحتى الناس الذي يطيعون الطاغية قد يتصورون او يظنون او يحسبون انه على صح، القرآن الكريم في سورة غافر في الاية السادسة والعشرين «وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ» هنا يعني يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ طبعاً هذا منطق الطغاة في مواجهة منطق البينات«وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ» انظري هنا ذَرُونِي يعني يبدو ان بعض الملأ يرون الحوار والمجادلة وعدم اللجوء الى منطق العنف، موسى جاءهم بمنطق البينات، منطق المعاجز والحوار، هم دائماً الطغاة يصعدون الموقف فيتحول موقف الجدال والمحاورة الى منطق قوة ومنطق العنف، دائماً الطغاة لا يحبون من الانبياء المجادلة لأنهم يخسرون في الحوار والمجادلة، هنا قد يتصور فرعون من باب تغيير المعايير، انقلبت على فرعون فأعتبر نفسه ملاحق والدين الذي يؤمن به على حق ولهذا كان يعتبر ان دين موسى دين خاطئ، ان ماجاء به موسى سيفسد العقيدة ويفسد المجتمع كذلك لأنه من باب الاضطراب بينما طاغية يطاع من قبل الجماهير، الجماهير تطيعه، الامن موجود، اي احد يتنفس «انا ربكم الاعلى ما علمت لكم من اله غيري»استتباب امني موجود فممكن ان يكون هذا من باب الاستهلاك الاعلامي، من باب ذر الرماد في العيون بحيث يتصور الطاغية ان حكمه هو الصحيح والاخر هو الخاطئ او لا من باب كما قلتم تغيير المعايير يعني يصل الناس الى درجة يرون الخطأ صحيح ويرون الطاغية هو هذا الحكم الطاغي الملكي الوراثي هو هذا القاعدة الاساس وهم قد تعودوا عليه من آباءهم واجدادهم «بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ» فأعتبروا هذا هو القاعدة الاساس واي انتفاضة او اي تغيير يؤدي الى الفساد والى قلق امني والى اضطرابات وربما الى سفك الدماء.

*******

قصة مؤمن آل فرعون

بعد ما حدث في يوم الزينة من المعجزة وايمان السحرة برب موسی وهارون اجتمع الملأ في قصر فرعون وارتقی الاخيرعرشه وهو يفور غضبا مما حدث فصرخ باعلی صوته: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ.
كادت فكرة فرعون أن تحصل على التصديق لو لا رجل من آل فرعون. رجل من رجال الدولة الكبار، تحدث هذا الرجل المؤمن، وكان «يَكْتُمُ إِيمَانَهُ»، تحدث في الاجتماع الذي طرحت فيه فكرة قتل موسى وأثبت عقم الفكرة وسطحيتها. 
وقال: إن موسى لم يقل أكثر من أن الله ربه، وجاء بعد ذلك بالأدلة الواضحة على كونه رسولاًَ، وهناك احتمالان لا ثالث لهما: أن يكون موسى كاذبا، أو يكون صَادِقًا، فإذا كان كَاذِبًا، «فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ»، وهو لم يقل ولم يفعل ما يستوجب قتله. وإذا كان صادقاًَ وقتلناه، فما هو الضمان من نجاتنا من العذاب الذي يعدنا به؟
ثم اضاف المؤمن لقومه: إننا اليوم في مراكز الحكم والقوة. من ينصرنا من بأس الله إذا جاء؟ ومن ينقذنا من عقوبته إذا حلت؟ إن إسرافنا وكذبنا قد يضيعانناهل فيكم من يستطيع أن ينكر معاجزه، مثل معجزة العصا واليد البيضاء؟ ألم تشاهدوا بأعينكم إنتصاره على السحرة، بحيث إنّهم جميعاً استسلموا له وأذعنوا لعقيدته عن قناعة تامة، ولم يرضخوا لا لتهديدات فرعون ووعيده، ولا لإغراءاته واُمنياته، بل استرخصوا الأرواح في سبيل دعوة موسى، وإله موسى. هل يمكن أن نسمّي مثل هذا الشخص بالساحر؟
فكروا جيّداً، لا تقوموا بعمل عجول، تحسّبوا لعواقب الاُمور وإلاّ فالندم حليفكم.
وبدت كلماته مقنعة. إنه رجل ليس متهماً في ولائه لفرعون. وهو ليس من أتباع موسى. والمفروض أنه يتكلم بدافع الحرص على عرش فرعون. ولا شيء يسقط العروش كالكذب والإسراف وقتل الأبرياء.
ومن هذا الموضع استمدت كلمات الرجل المؤمن قوتها بالنسبة إلى فرعون ووزرائه ورجاله. 
ولكن رغم ذلك قال فرعون كلمته التاريخية التي ذهبت مثلاً بعده لكل الطغاة: «قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ».
لم تتوقف المناقشة عند هذا الحد. قال فرعون كلمته ولكنه لم يقنع بها الرجل المؤمن. وعاد الرجل المؤمن يتحدث وأحضر لهم أدلة من التاريخ، أدلة كافية على صدق موسى. لقد سبقتهم أمم كفرت برسلها، فأهلكها الله: قَوْمِ نُوحٍ، قوم عَادٍ، قوم ثَمُودَ.
ثم ذكرهم بتاريخ مصر نفسه. ذكرهم بيوسف (عليه السلام) حين جاء بالبينات، فشك فيه الناس ثم آمنوا به بعد أن كادت النجاة تفلت منهم، ما الغرابة في إرسال الله للرسل؟ 
فقال: ان التاريخ القديم ينبغي أن يكون موضع نظر. لقد انتصرت القلة المؤمنة حين أصبحت مؤمنة على الكثرة الكافرة وسحق الله الكافرين. أغرقهم بالطوفان، وصعقهم بالصرخة. أو خسف بهم الأرض. ماذا ننتظر إذن؟ ومن أين نعلم أن وقوفنا وراء فرعون لن يضيعنا ويهلكنا جميعاً؟
كان حديث الرجل المؤمن ينطوي على عديد من التحذيرات المخيفة. ويبدو أنه أقنع الحاضرين بأن فكرة قتل موسى فكرة غير مأمونة العواقب. وبالتالي فلا داعي لها.
إلا أن الطاغية فرعون حاول مرة أخرى المحاورة والتمويه، كي لا يواجه الحق جهرة، ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهز عرشه.
أنهى الرجل المؤمن حديثه بهذه الكلمات الشجاعة وانصرف بعدها. انصرف فتحول الجالسون من موسى إليه. بدءوا يمكرون للرجل المؤمن. بدءوا يتحدثون عما صدر منه. فتدخلت عناية الله تعالى: «فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ» وأنجته من فرعون وجنوده.

*******

من هدي الائمة (عليه السلام)

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الصديقون ثلاثة: مؤمن آل ياسين وحزقيل مؤمن آل ‏فرعون وعلي بن أبى ‏طالب وهو افضلهم.

*******

دروس وعبر

• ان منطق الطواغيت الوحيد هو قتل القيادات الحقة وهذا ما يشير اليه قول فرعون: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى.
• عندما تتعرض مصالحهم الشخصية لخطر الانهيار يحاولون ايحاء الناس انهم حريصون علی مصلحة الناس حسب قوله: «إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ».
• ليس امام الانسان ملجأ الا الله تعالی ليلجأ به عند اطلاق العدو التهديدات كما استعاذ النبي موسی (عليه السلام): «إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي».
• النبي موسی (عليه السلام) لا يستعيذ من فرعون وحسب بل انه يستعيذ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ‏ وبذلك يقول لفرعون وبشجاعة انت متكبر والمتكبر حسب الاية هو الذي لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ. 

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم