البث المباشر

حصون الشرف (القسم الثاني)

الأربعاء 9 أكتوبر 2019 - 11:25 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 58

 

عاد والي العراق من الشام بوجه غريب... وجه يعكس صراعاً محتدماً... يموج بمشاعر مختلطة متناقضة..!!
عينان متوهجتان بالغضب طوراً... وخابيتان تحاكيان عيون الموتى آخر... سحنة مصطبغة بلون أحمر قان تارة... وصفراء ذابلة، كأوراق الشجر في الخريف، ثانية...!
ومذ دخل بيته، وأغلق باب غرفته الخاصة عليه، لم يهدأ لحظة واحدة...!
كان يذرع الغرفة بخطوات هائجة، وهو يتطلع الى الإمام... كمن غُلب على عقله....!!
وفجأة توقدت عيناه بغضب جارف... وانفجر يصرخ، ويضحك بشكل هستيري:
- تباً لك يا ابن هند... آكلة الأكباد...! تباً لك يا غادر... يا محتال... تباً لك... تباً لك... تتوعدني لأطلق زوجتي....!! لماذا..؟ لماذا..؟ .. ألم أخلص لك الخدمة؟!... ألم أمكنكم من رقاب أهل العراق؟!
أطلق ضحكة هستيرية ... وعاد يقول:
- أجل.... لقد طلقت أرينب...!... من...؟! أرينب... أرينب....!!
تهاوى على الأرض... وضع وجهه بين كفيه... وانخرط في نوبة بكاء حادة...
... تجربة قاسية كابدها عبدالله ابن سلام... حالة فضيعة من أحاسيس متباينة إستولت عليه... قهر... غبن... إنكسار... غضب... هوان... خوف... كلها إشتبكت في صراع عنيف، عاناه أياماً وأياماً... صراع، قضى على آخر مقاومة لدى الرجل... ودفعه لأن يقف على حافة الإنهيار...!
حسب معاوية أنه نجح في إسدال برقع ديني على عملية القرصنة التي قام بها...
واستكمالاً لخطته... انتدب أبا الدرداء ليقوم بمهمة خطبة أرينب... فهو يعرف علاقته بأبيها... وثقة الأخيرة الكاملة به...
لكن لا زال أمام معاوية عقبة كبيرة، وهي قلب أرينب... فهو لم يستطع إستمالته ليزيد... ذلك أن أرينب أدركت أن معاوية هو الذي اغتال سعادتها... وهو الذي استل طلاقها، تحت طائلة التهديد...
لكن معاوية ظل يتشبث... فالى جانب شخصية أبي الدرداء المحترمة... وضع في يده مبلغاً كبيراً، عسى أن يشتري رضا أرينب...
وصل أبو الدرداء الى الكوفة، في مهمته الصعبة...
كانت الكوفة لا زالت تحتفل بزيارة الحسين (ع) لها...
وطرق النبأ سمع أبي الدرداء، وهو لم يغسل غبار السفر عن وجهه بعد... فخف الى لقاء الحسين قائلاً:
- هذا ابن بنت رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة... فلست بناظر في شيء، قبل التسليم عليه...
وقاده الناس الى الحسين... فلما رآه (ع) قام إليه فصافحه، ورحب به...
دنى ابوالدرداء من الحسين أكثر، وكأنه يريد الاسرار إليه بشيء، وقال:
- لقد وجهني معاوية، خاطباً لأرينب بنت إسحاق على أبنه يزيد.
إبتسم الحسين (ع) وكأنه كان يتابع مسار خطة معاوية أول بأول، ثم حدق في عينيّ محدثه، وقال:
- اخطب رحمك الله عليّ وعليه...! ... ثم مد يده الى جيبه واستخرج كيساً فيه مال – كان قد أعده لهذا الغرض، على ما يبدو – وناوله أبا الدرداء، كمهر...
ضحك أبوالدرداء، وكأنه سر بمهمته الجديدة.
عوفي ابن سلام من الهدة النفسية التي ألمت به...
وبعد عزلة طويلة فرضها على نفسه، بدأ يفتح بابه لذويه وأصدقائه... وراحت الأخبار التي تراكمت خلال فترة العزلة تأتيه تباعاً... فعرف أن معاوية قد نحاه عن منصبه... وأنه قد بعث من يخطب أرينب...
فضحك، لا سروراً بما سمع طبعاً، وإنما وفاءاً لما عزم أن يأخذ به نفسه... أن يضحك للخطب إذا ما نزل به، مهما بلغ...! كمرهم يضعه على جراحه العميقة... وهمس له أحد أصدقائه مواسياً:
- إسمع يا عبدالله... والله ما أرى، إلا أن الله قد أحبك، إذ أنقذك من العمل لآل أمية... قاطعه عبدالله بنفاد صبر وقال:
- ومن قال لك إني آسف على ولايتهم... أطلق زفرة قوية وواصل:
- أما والله... وبعد الذي رأيته من غدرهم بي... لكنت في هوان ما بعده هوان، لو ارتضيت البقاء معهم...! ....تحسر بألم، ثم أضاف:
- إن ما يؤلمني يا صاحبي، رضوخي لتهديدهم، وظلمي لبنت إسحاق... ثم اختنق بعبرته... هم الصديق أن يتكلم، إلا أن طرقاً توالى على الباب، بدا وكان صاحبه في عجلة من أمره...
فتح الصديق الباب، فاندفع شاب الى داخل البيت، وهو يهتف:
- البشارة يا عم البشارة...! ... وثب عبدالله مستقبلاً الشاب وهو يقول:
- خير يا حسان، ما وراءك؟!... عاد الشاب يقول وهو يلهث:
- البشارة... ياعم... ثم ضحك، وتنهد، وقال:
- لقد رفضت أرينب خطبتها على يزيد...!
اهتز ابن سلام لهذا النبأ فرحاً، غير أنه تماسك وقال:
- من أين لك هذا...؟! ... رد حسان كمن يدافع عن نفسه:
- بعثني به أبي... وها هو ذا على أثري...!
تبادل عبدالله وصديقه نظرات الإستغراب... ثم نهض الرجلان يسبقهما حسان، مستقبلين الطارق الجديد...
اختزل أبوحسان ما جرى بان اباالدرداء لقيه، بعد ذهابه الى ارينب خاطباً للحسين ويزيد معاً... فأبلغته رضاها بالحسين وردها يزيد...!
أطال أبوحسان النظر في وجه عبدالله، ثم قال:
استمع لي يا أخي... أرى أن تلقى الحسين...!
استغرب عبدالله هذا الإقتراح وقال:
- أفعل ماذا؟!... برقت عينا أبي حسان، وأجاب:
- احسب ان الحسين لم يخطب أرينب، الا لأمر آخر في نفسه...!
تطلع اليه أخوه، وقال:
- لم أفهم...! .. رد أبو إحسان وهو ينسحب، واضعاً يده في يد إبنه:
- ستفهم كل شيء حالما التقيته...!
إنه مطمئن لرجاحة عقل أخيه... لكنه كلما قلب الفكرة التي اقترحها، لم ير لها أي مسوغ.. لو كان يمتلك ذريعة واحدة، لما تردد في الذهاب الى الحسين... ولكن ان يذهب هكذا، دون مناسبة وللحسين نفسه... فهو ما لا يستطيع الإقدام عليه أبدا...!
وقضى الليل في التفكير دون نتيجة... ومع خيوط الصباح الأولى، تذكر أمراً هاماً... انه كان قد استودع أرينب بدراً من المال... عند ذاك قطع بلقاء الحسين...
توجه نحو محل إقامة الحسين، ثقيل الخطو... كان يسير في طريقة وهو يحسب أن لعنات الناس تطارده... فهو – بنظرهم – عامل الأمويين المعزول الذي فقد حصانته... والزوج الغادر الذي تخلى عن زوجته، طمعاً في الزواج من إبنة معاوية...!
ولذلك فقد تملكه التردد ثانية، وهو يهم بطرق الباب على الحسين... إلا أنه تحامل على نفسه وطرقه... فانفتح الباب عن طلعة الحسين النورانية البهية... فبادر صاحبنا يقول بشيء من الإرتباك:
- السلام عليك يا أباعبدالله...! ....سطعت قسمات الحسين المشرقة بابتسامة ودودة، قبل أن يرد التحية... فتشجع ابن سلام، وقال:
- إن لي عند إبنة إسحاق، وديعة من المال.... رحب به الإمام ودعاه للدخول.
قالت أرينب مجيبة الحسين:
- إنه لمطبوع عليه بطابعه...
هنا بدا الحسين، كما لو أنه يعمل خطته... إذ أمر أرينب أن تجيء بالبدر، فتضعها بين يدي ابن سلام... أما هو فقد خرج من الغرفة، تاركاً الزوجين السابقين وحيدين...!
تناول ابن سلام بدرة، وحثا منها مالاً وهو يقول:
- خذي هذا، فهو قليل مني...! ...ترامقا بنظرة... ثم انفجرا بالبكاء...!
فدخل الحسين وقد رفرفت على ملامحه الشريفة مشاعر الرقة والرحمة، وقال:
- أشهد الله أنها طالق...!....ثم توجه الى الله بالدعاء، كاشفاً عن دواعي خطته:
- اللهم إنك تعلم، اني لم أتزوجها رغبة في مالها وجمالها... وإنما أردت إرجاعها الى بعلها...!!
خرج الإثنان مودعين من قبل الحسين، وفي قلبيهما طوفان من الحب والتقدير وعرفان الجميل!!....وفيما كانت عينا الحسين ترمقان السماء، بخشوع ورجاء... كانت شفتاه تتمتم ببقية الدعاء: اللهم فأوجب لي بذلك الأجر...!!

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة