البث المباشر

نذر العاصفة ۲

الإثنين 7 أكتوبر 2019 - 13:32 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 24

 

خلاصة القسم الأول


الكوفة المدينة الخاملة التي كانت تتمطى بتراخي وكسل وتلعق جراحها بهدوء وصمت وتشاهد كل شيء فيها يتهاوى وينسحق فلايخفق لها علم ولاترف لها راية. الكوفة هذه تنتفض فجأة فتعلن وفي عملية انتخاب جماهيري واسع اسم الزعيم الذي تريد.
وكان من الطبيعي أن يجد الزعيم المنتخب الحسين بن علي عليه السلام في هذا التحرك الكوفي المساند ما يضاعف من مسؤوليته النهضوية ودواعي ثورته الشاملة لتصحيح الأوضاع وإعادة المسيرة الاسلامية الى نهجها المحمدي الأصيل.
وهكذا وصل سفيره مسلم بن عقيل الى الكوفة لتقصي حقيقة الأوضاع والإطلاع على حجم الإمكانيات التي تقول الكوفة أنها رصدتها لتفجير عبوة الثورة. ولكن الكوفة التي بدت وفية لأهداف ثورتها الشاملة تسارعت في مهرجان شعبي قلّ نظيره تؤكد البيعة لرائد الثورة ومبعوث القيادة مسلم بن عقيل لم تخلو من العناصر الموالية للسلطة الحاكمة التي أبرقت بتقاريرها الفورية الى الشام داعية الى تغيير حاكم الكوفة النعمان بن بشير وإبداله بوجه إرهابي دموي حتى يستطيع الإمساك بزمام الأمور التي اوشكت على الإنفلات، وهكذا كان فقد دخل الكوفة عبيد الله بن زياد والياً جديداً من قبل يزيد بن معاوية وكان لدخوله ذاك وقع كوقع الصاعقة على الناس ذلك أن الجميع يعرف فيه مجرماً محترفاً وعريقاً في الإجرام.
وأمام الجو الإرهابي الذي أشاعه الحاكم الجديد وظهور شارات لسريان حالة التخاذل وإنحسار المد الجماهيري قرر رائد الثورة مسلم بن عقيل البدأ بمهاجمة مقر الحكومة او قصر الوالي غير أن رجال مسلم المقربين اليه يشيرون عليه بالتريث ويتقدم احدهم وهو شريك بن الأعور الهمداني والذي كان طريح فراش المرض يتقدم من مسلم بهذا الإقتراح: إن إين زيادة يعودني وإني أرى أن تخرج اليه فتقتله!
وتتم زيارة إبن زياد لشريك الذي كان ساعتها في بيت هاني بن عروة. ولكن الزيارة تنتهي دون أن يخرج مسلم من مكمنه.
ما منعك من قتله ياسيدي؟ صرخ شريك وهو ينتفض غيظاً.
وقف مسلم معلناً أحد المبادئ الرئيسية للثورة: إن الايمان قيد الفتك فلايفتك مؤمن. مضيفاً هذا هو حديث رسول الله.
ولكن الثورة الملتزمة لايمكن أن تبقى على إلتزامها تجاه أعداءها، هذا ماكان يراه شريك وهو ما دعاه ايضاً لأن يعتبر الموقف محسوماً لصالح العدو، ويقف وسط الطريق وقد إنتابه الفزع.

القسم الثاني

الشمس التي أوشكت على الأفول راحت تجر أذيال ثوبها الفضاض فتخط على كل شيء وتلونه باللون الأحمر وكأنها وهي تسير مترفقة متمهلة تتقدم موكباً جنائزياً تخيم عليه اجواء الخشوع والجلال والرهبة. وسرحت عينا الرجل تتأمل هذا المنظر وكأنه يشاهد ظاهرة غريبة. أثاره ذلك التوافق العجيب بين ما يجده في ذهنه وهذا المشهد الكوني المعبر ولكن ماهو ذلك الشيء الذي يحسه ويشعر به بقوة؟ ذلك الشيء الذي أعادته رؤى المغيب سحابة حمراء قانية.
يا إلهي آه أجل أجل قال هذه العبارة المقطعة وإستعبر باكياً. وعندما أرضى عواطفه وهدأت نفسه كان الظلام يدب حوله بحذر وإحتراز. نهض واقفاً على قدميه، تلفت حوله ثم سار ينقل خطواته بملل وإعياء. إنتهى كل شيء، أجل إنتهى كل شيء. الحسين واهل بيته وصحبه يقتلون وتضرج الأرض بدماءهم ومن قبلهم مسلم وإبن عروة. آه يالمنظر الأجساد المتناثرة، يالمنظر الدماء المطلولة، يالها من كارثة وما أعظمها من فاجعة. ثم صرخ بصوت عالي: ماجدوى كل ذلك؟ ما جدوى كل ذلك؟ وعاد ينتحب من جديد.
تناهى الى سمعه حوافر خيل مغير، توقف، مسح دموع عينيه على عجل ثم تلفت حوله. بدا له أنه يعرف الفارس المقبل رغم الكوفية التي تلثم بها بحرص حتى لم تبدو غير عينيه وهتف: أهلاً بك يابن منقذ!
هذا انت ياشريك؟ أهلاً بك
أراك تستحث جوادك فأي وجهة تقصد؟
نرى سليمان بن صرد الخزاعي. قال الرجل ذاك ثم لكز جواده فإنطلق ينهض الطريق.
تابع شريك طريقه غير أنه توقف ونظر حيث يمتد خيط من الغبار خلف الجواد المغير وتمتم: سليمان بن صرد؟؟ ثم إسترد بصره وعاود المسير.
عندما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة صحت الكوفة تماماً على عمق الجريمة التي إرتكبتها وراحت تحاول جاهدة غسل يديها الملطخة بدماء آل الرسول الطاهرة البريئة. وحتى اولئك الذي إختاروا الوقوف على الحياد أحسوا أنهم قد ساهموا بنحو ما في وقوع المأساة فإن كانوا لم يوجفوا على الحسين بخيل ولاركاب ولم يعينوا عليه فقد خذلوه وتنكروا لدعوتهم وبيعتهم إياه وكتب تأييدهم الكثيرة اليه. كان هذا الشعور يكبر كل يوم ويتسع ويأخذ أبعاداً جديدة وخطيرة. وتحول شيئاً فشيئاً الى صيحة تنطلق هنا وهناك للتكفير عن الذنب بالإقتصاص من الجناة القتلة ومسح بعض معالم الجريمة. وأصبح شعار يالثارات الحسين حافزاً وهاجساً بل واجهة عريضة يجتمع تحتها الثائرون والناقضون على إنتظام القائم. وفي صبيحة احد الأيام رددت أزقة الكوفة وشوارعها نداءاً أخذ يتعالى ويتعالى "يالثارات الحسين" "يالثارات الحسين" "يالثارات الحسين" ...
لبيك لبيك هتف عبد الله بن حازم ثم وثب الى ثيابه فلبسها ثم تناول سلاحه. ذهبت زوجه التي كانت ترقبه ثم نادت بجزع: ويحك أجننت؟
ردّ عبد الله وفيه عينيه تصميم لم تر مثيله من قبل: لا ولكني سمعت داعي الله عزوجل فأنا مجيبه وطالب بدم هذا الرجل حتى أموت!!
فتقدمت منه وامسكت بيده ثم صوبت اليه نظرة حملتها كل فتنتها الطاغية وجمالها الساحر وهمست: الى من تودع بيتك هذا؟
سارع عبد الله الى القول وكأنه يخشى أن يثنيه حبه العارم لزوجه عما يروم الى الله، ثم حول وجهه ورفع يديه وقال: اللهم اني أستودعك ولدي وأهلي، اللهم إحفظني فيهم وتب عليّ فيما فرطت في نصرة إبن بنت نبيك.
قال ذلك ثم خرج لايلويه شيء. وهكذا إندفعت الأفواج تتلوها الأفواج مجيبة ملبية وإلتأمت في جيش كبير. وقف سليمان بن صرد الخزاعي في مقدمته ثم سار، وسار الجيش ميمناً وجهه شطر الشام.
مالي أراك واجماً يا أبا المعالي؟
دعني وشأني يا صاحبي!
خير ماذا دهاك؟
صمت الرجل قليلاً ثم اجهش بالبكاء.
ماهذا الذي أرى منك؟ لاأبكى الله عينيك. أتكتم أمرك عن اخيك ورفيق طفولتك؟
إنني لاأبكي حزناً وإنما أبكي أسفاً اذ لم نوفق في إجتثاث هؤلاء العتاة الذين أدموا قلب رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل سبطه وأهل بيته!
رحم الله بن صرد ورحم أصحابه الذين مضوا الى ربهم صابرين محتسبين وآجرك الله وإياهم. ولكن أتحسب أن الأمر سينتهي هكذا؟ وتابع بنبرة أشد إصراراً: كلا الأيام مقبلة على الكثير الكثير.
ومن اين لك العلم بذلك؟
أتراني أفوه بغير علم؟ مدّ يده بشيء من العصبية وإستخرج كتاباً وراح يقرأ: اما بعد فإن الله أعظم لكم الأجر وحطّ عنكم الوزر لمفارقة القاسطين وجهاد المحلين، إنكم لن تنفقوا نفقة ولن تقطعوا عقبة ولم تخطو خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة وكتب لكم حسنة فأبشروا فإني لو خرجت اليكم جربت فينا بين المشرق والمغرب من عدوكم بالسيف بإذن الله لجعلتهم ركاماً وقتلتهم فذاً وتواباً فرحم الله لمن قارب وإهتدى ولايبعد الله إلا من عصى وأبى والسلام ياأهل الهدى.
من صاحب الكتاب؟
المختار بن أبي عبيدة الثقفي.
أليس المختار في السجن؟
أجل وسيخرج بعد أيام.
والله لأن فعلها فإني أول من يجيب.
بارك الله فيك وليزكو قلبك فقد أصبحت الكوفة كلها تلهج بإسمه.
عاد الرجل يبكي وبكنها الآن دموع من نوع آخر، كانت دموعه تنسكب بهدوء على وجهه وهو يتطلع باسماً الى البعيد وكأنه يستعرض كتائب المقاتلين وهي تصطف للقتال. وتمتم مع نفسه: أجل لقد أصبح دم أبي عبد الله الحسين عليه السلام وقوداً لكل الثارين بالطاقة الصمود والتحدي.
ومسح دموعه وقد أصبحت سحنته أكثر تجهمناً وهو يقول: أجل هي والله نذر العاصفة تلوح من جديد!!

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة