البث المباشر

السخاء

الإثنين 7 أكتوبر 2019 - 13:28 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 21

 

إنحت المرأة العجوز بصعوبة ظاهرة تلتقط شيئاً من على الأرض وألقته في جراب لها وقالت: آه لقد أدور العمر ولم يبق منه إلا النزر اليسير، فلم الخوف يا أبا عبد الله؟
ردّ الشيخ على زوجه بضجر: إنكن معشر النساء هكذا دائماً، لاترين من بعد أرنبة أنفوكن! ألم يطف بخلدك أننا بحاجة الى من يلفنا غداً ببقية طمر بال ويحتفر لنا حفرتين يواري بهما سوأتينا!
إنحنت المرأة العجوز تلتقط شيئاً من على الأرض وألقته في جرابها دون أن تفوه بشيء.
واصل الشيخ هجومه بأنفاس لاهثة: هذه كتلك...
أطلق زفرة طويلة وتابع: أجل هذه الحماقة كتلك، تذبحين شويهتنا الوحيدة لرجال لانعرفهم! أين الشاة يا أم عبد الله؟
ذبحتها!!
وكيف؟
ماذا أفعل؟ لقد نزلنا أضياف!
من هم الأضياف؟؟
لاأعرفهم! قالوا إنهم من قريش.
عدنا فيما كنا يا أبا عبد الله.
وما عسى أن يفيد هذا الكلام. وإنحنت تلتقط شيئاً من على الأرض ثم إعتدلت ببطئ وهي تسند ظهرها بيدها. إنفجرت المرأة غضباً بعد أن عيل صبرها وصرخت في وجه زوجها: كأني أتيت فعلاً ألام عليه!!
وأردفت بنفس الحدة: أراك تأنف هذا العمل؟
تهدج صوتها وهي تضيف: اجل عانيت ما عانيت ولكن هل في اليد حيلة؟
ثم توترت نظراتها من جديد وهي تردف قائلة: لو لم يعني الله بقوة منه ترى ما كنت فاعلاً؟ أكنت قادراً وأنت تدب بقامتك المحدودبة هذه على الإحتيال لمعيشتك؟
كفي كفي!!
أغاضك كلامي الى هذا الحد؟
كفي! إستحي، ألا ترين الرجل المقبل ذاك؟
وما نحن والناس؟
ياسبحان الله! كفي يا أمرأة!
ظلت المرأة العجوز تهمهم كمن تناجي نفسها فيما تطلع الشيخ الى القادم بإمعان. وبعد خطوات توقف الشيخ ذاهلاً، أوبصره الكليل يخدعه أم أنها حقيقة ماثلة؟ الملامح هي هي!! هذه البشرة البيضاء المشربة بحمرة، هاتان العينان السوداوان الواسعتان، يا إلهي إن الرجل هو هو!! لولا ملامح الكهولة لقال إنه رسول الله صلى الله عليه وآله بعينه قد عاد الى الحياة! ولكن أتراه ينتهي اليه بنسب؟ ولشدما أثار عجب الشيخ أن رأى الرجل يحدق هو الاخر في وجه زوجه كمن قد عرفها!!
الوقت ظهيرة والجو حار شديد الحرارة والرياح الصحراوية الجافة تلفح الوجوه بقسوة. ولن يعد هناك من امل لأن يدركوا الرواحل التي تقدمت أمامهم حاملة الأمتعة والمؤن. وشعر الرجال الثلاثة وقد جفت أفواههم من العطش أن الموت يتواثب قيد خطوات منهم وفجأة إنشقت تلك الصحراء الصفراء القاحلة عن بقعة صغيرة خضراء. إندفع الرجال بخيولهم صوب تلك البقعة التي لم يدركوا بعد إن كانت وهماً أم حقيقة؟
كانت هناك خيمة قريبة منصوبة على مقربة من بئر والى الجانب الآخر إمتد شريط أخضر ضيق نبت فيه العشب بكثافة، وفي أقصى الشريط ذاك ربطت شاة راحت تجتر طعامها بهدوء.
على صوت حمحمة الخيول أطل من الخيمة وجه امرأة عجوز أتعبته السنون وسرعان ما تقبض وإصفر علامة الخوف. لأنه عاد بعد هنيهة لينبسط ويعيد طلاقته.
ألقى الرجال الثلاثة السلام ثم تقدم أحدهم طالباً ولرفيقيه الماء. ردت المرأة العجوز وهي تشير صوب الحقل الصغير: تلك الشويهة أحلبوها وإرتزقوا لبنها!
بلّ الرجال ظمأهم باللبن فإستعادوا بعض النشاط، لم يكن امامهم إلا التفكير بإحدى إثنتين، العودة ومواصلة الطريق او المكث ريثما تخف حدة الحاجرة. ولكن ماذا لو قرروا البقاء؟ ترى هل تقدر هذه العجوز الفقيرة على إيواءهم وإسعافهم بشيء من الطعام؟؟
ذهب أحدهم يستطعمها فقالت: هه ليس إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم!
نظر أحدهم في وجه الآخر وإبتسموا! يا لكرم هذه العجوز الطيبة!!
كل ذلك دار في رأسه وهو ينظر الى المرأة التي لم تكن إلا العجوز الفقيرة التي أضافته ورفاقه بينما كان في طريقه الى مكة لحج بيت الله الحرام. عند ذاك تقدم ملقياً التحية ثم قال: أتعرفينني؟
أجابت المرأة بتردد وقد أذهلتها المفاجأة: لا! غير أنها راحت تحدث نفسها، هذا الوجه رأيته من قبل، أتراه احد الرجال الثلاثة الذين إستضافوني يوماً؟ ها نعم، اجل! هو هو بعينه، وهل انسى ساعة إنصرافهم عندما دنا مني هذا الرجل وقال: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا عدنا فألمي بنا فإنا صانعون بك خيراً!!
أجل تذكرت تماماً وكيف يغيب عن بالها ما حصل بعد ذلك عندما عاد أبو عبد الله ولم يجد الشاة!!
أعانك الله يا أبو عبد الله!
وأعانك! ولكنك لو أسعفتيني باللبن لكان خيراً من السلام وحده. فما عسى أن يفيد سلامك فؤادي الذي يضطرم ظمأ.
ومن اين آتيك باللبن يا رجل؟
لماذا؟ ألم تحلبي الشاة بعد؟
لم تعد لدينا شاة!!
وكيف؟
ظهر الإرتباك على وجهها لأول مرة وهمت أن تقول شيئاً غير أن الشيخ عالجها بالقول: لماذا انت ساكتة؟ لماذا لاتتكلمين؟
مالك يارجل؟ لقد نزلنا أضياف ولم يكن لدي ما أطعمهم إلا أن أذبح لهم الشاة!
أضياف؟؟ ومن هم أضيافك يا أم عبد الله؟
لاأعرف لاأعرف!! قالوا إنهم نفر من قريش!
ويحك! تذبحين شاتي لقوم لاتعرفينهم ثم تقولين نفر من قريش؟؟
إنتهت أم عبد الله الى نفسها وهزت رأسها كأنما تحاول إبعاد شبح ماضي ثم نظرت الى الرجل الذي لازالت الإبتسامة المتألقة تعلو قسماته النورانية الوقور وقالت متلعثمة: أجل تذكرت فداك أبي وأمي!!
طريق ترابي ضيق يخترق المنازل الطينية المتراصة والمدينة المنورة تستقبل يوماً ربيعياً جديداً وأطفال يتعلقون بأغصان دوحة توت مثقلة بالثمار يهزونها فيتساقط عليهم التوت ناضجاً لذيذاً. وشجرة اخرى الى جنبها جافة يابسة محطمة. وأفكار كثيرة تدور في رأس هذا الرجل ذو السحنة البيضاء المشرقة، صورة المرأة العجوز بعودها الجاف ويديها المعروقتين وعينيها الغائرتين ألحت على مشاعره الشفافة المرهفة فآلمتها، تجسم امام خياله الصراع الطويل العنيف الذي ناء هذا الظهر المحدودب تحت ثقله. الشوط البعيد الشاق المتحالف مع المعاناة والآلام والدموع. ترى ألم يحن لهذه العظام المتهالكة أن تستريح؟ هذا الجسد الخاوي المتعب أن يخلد الى شيء من السكينة؟ وعادت ذكرى الأمس بكل حيويتها، بكل صدقها وبكل سذاجتها ايضاً تتواثب أمام خياله. المرأة العجوز الفقيرة تشير الى الشاة الوحيدة التي تملك وتقول: ليذبحها أحدكم! هكذا خذوا هذا كل ما لدي!! أية نفس كريمة سمحة؟ ما اجدر هذا الصون؟ ما أحق تلك الكف الندية بالتكريم؟ وكم هي قنينة تلك المرأة بالإحتفاء والإعتزاز؟ إنها لتستحق كل ذلك! لتجد في اخريات أيامها على الأقل بعض السكينة والاستقرار لتتذوق شيئاً من الراحة والدعة، لتهادنها الفاقة والمعاناة والآلام هذه الصبابة من الحياة!
أجل! يريد لها أن تعيش بقية سنيها بكرامة ودعة فلاتشتعل بالطلب ولاتتحمل إصر تبعات المكسب.
وقبل أن يدلف الى بيته ومن وراءه الشيخ وزوجه العجوز كان الرجل قد حسم أمره وقطع برأيه.
يا أمة الله!
أجل يابني!
هذا القطيع من الأغنام منحكماه سيدي!
إستولى السكوت على العجوزين إلا أن الشيخ تمالك نفسه وسأل: آه ومن هو سيدك؟
عجباً وكيف لاتعرفانه؟ الرجل الذي تنزلان ضيوفاً عليه!
ولكننا لم نعرفه بعد!!
ومن يجهل ريحانه رسول الله، الحسن بن علي.
هتفت المرأة مأخوذة: تعني إبن فاطمة الزهراء؟
أجل يا أماه!
بكى الرجل وقال: الحمد لله، الحمد لله الذي حفظ لي بصيرتي على وهن من بدني وبصري. ثم إبتسم وأضاف: إنني ما إن لمحته حتى قلت: هذه شمائل رسول الله!
مدّ الغلام يده الى جيبه ليخرج كيساً يدفعه اليهما وهو يقول: هذه ألف دينار يقول سيدي ليستعينا بها على شؤونهما. وإستطرد كمن يحاول الفراغ من مهمته: وقد أوصاني سيدي أن اوصلكما الى أخيه الحسين وإبن عمه عبد الله بن جعفر.
إلتفت الشيخ مستغرباً الى زوجه فقالت: ها لابد أن يكونا الرجلين اللذين رافقاه في سفره ذاك.
ولم تمض سحابة ذلك اليوم حتى عاد العجوزان بقطيع غنم كبير ومال وفير. ويلتفت الشيخ الى زوجه وبسمة عريضة تضيء وجهه ليقول مداعباً: هههه أنظري كيف تستهينين بغضبي لذبح الشاة؟ ألم ننل كل هذا ببركتها؟
إبتسمت المرأة وقالت: قل بفضل الله وبركة اهل البيت!

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة