البث المباشر

الأحاديث

السبت 10 يوليو 2021 - 16:13 بتوقيت طهران
الأحاديث

إذاعة طهران-الأدب النبوي:

قلنا: أن أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) تحتل مساحة كبيرة من كلامه (صلى الله عليه وآله) طالما تتضمن: تذكيراً بمبادىء الله تعالى، وحثاً عليها: عقائدياً وفقهياً واخلاقياً والغالبية منها تأخذ شكلاً مستقلاً، نجهل كيفية صدورها، وان كنا نتوقع القاءها على شكل مواعظ ينثرها في مجالس خاصة، أو عامة، كما أن الكثير منها يرد في تضاعيف وصاياه (صلى الله عليه وآله) حيث تشكل سلسلة أحاديث متنوعة، فضلاً عما يرد منها خلال الخطب والرسائل الى ولاته.
والحديث يتسم بالقصر في الغالب، ولكنه قد يطول حتى يمكن أن نعده (خاطرة)، ثم قد يمتد حتى يمكن عده (مقالة) أو شكلاً فنياً آخر كالمحاورة مثلاً...
ويمكننا أن نلحظ المستويات التالية من الصياغة للحديث:

*******
الحديث العام


وهو الحديث الذي يتضمن: ظاهرة مفردة مثل (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، (۳) أو يتضمن ظاهرتين أو مقارنتين مثل (المؤمن دعب لعب، والمنافق قطب غـضب) (٤)...، او يتضمن ثلاث ظواهر فصاعداً، مثل: (ان من البيان سحراً، ومن العلم جهلاً، ومن القول عياً) (٥)، ومثل: (من أبتلي فصبر، واعطي فشكر، وظلم فغفر، وظلم فاستغفر: أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). (٦)
(الأحاديث المتقدمة: توكأت على الرمز، والاستعارة، والتقابل، والايقاع).

*******
الحديث المصنف


وهذه الأحاديث قد تم صياغتها في ثنائيات، أو ثلاثيات، أو رباعيات.... مثل: (نعمتان مجهولتان) (ثلاث يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب...) (۷) (أربعة يذهبن ضلالاً: الأكل بعد الشبع... ). (۸)

*******
الحديث العلمي


وقد يأخذ الحديث شكل التصنيف العلمي لسمات الشخصية مثل (وأما علامة الصابر فأربعة...) ونجد بعض الأحاديث تعنى بسمات الشخصية الرئيسة والفرعية على نحو ما نلحظه في التصنيف العلمي المعاصر (في مجال علم نفس الشخصية)، وهذا من نحو تعريفه (صلى الله عليه وآله) للعقل: (ان العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب، فان لم تعقل حارت... وان الله خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل.. الخ)، ثم يعرض (صلى الله عليه وآله) عشر سمات رئيسة تتفرع كل واحدة من الاخرى (فتشعب من العقل: الحلم، ومن الحلم: العلم، ومن العلم: الرشد، ومن الرشد: العفاف، ومن العفاف: الصيانة، ومن الصيانة: الحياء، ومن الحياء: الرزانة، ومن الرزانة: المداومة على الخير، ومن المداومة على الخير: كراهية الشر، ومن كراهية الشر: طاعة الناصح)، ثم يفرع (صلى الله عليه وآله) على كل سمة عشر سمات اخرى فتصبح مائة سمة. (۹)
بل أن الأحاديث المتفرقة التي تجمع ضمن (وصايا) النبي (صلى الله عليه وآله) مثل وصيته (يا علي ثلاث يقبح بهن الصدق: النميمة، واخبارك الرجل عن أهله بما يكره، وتكذيبك الرجل عن الخبر) (۱۰)، أمثلة هذه الأحاديث تظل خاضعة لملاحظات عبادية ترصد سمات الانسان وفق منهج علمي دقيق، سوف نعرض له لاحقاً.
وبالرغم من أن أمثلة هذا التصنيف ينتسب الى (المعرفة النفسية) وليس (الأدب)، الا ان الصياغة اللغوية لها ذات طابع أدبي، حيث لحظنا في التصنيف الأول: تشبيهاً ومجازاً (مثل أخبث الدواب)، (فقال له أقبل، فأقبل)، ونلحظ حتى في التصنيف سمة (التقابل من خلال التضاد) وهذا من نحو:
واما العلم فيتشعب منه الغنى وان كان فقيراً، والجود وان كان بخيلاً، والمهابة وان كان هيناً، والسلامة وان كان سقيماً،....

*******
الحديث القصصي


وهو الحديث الذي يأخذ شكل (المحاورة الأدبية)، وهذا من نحو محاورته (صلى الله عليه وآله) للسائل الذي سأله عن (العقل) وقدم له التصنيف العلمي المشار اليه، ثم واصل كلامه مع الشخص، وأرشده الى الطريقة التي يتغلب من خلاله على كيد الشيطان،‌ فقال له: (فاذا أتاك - اي الشيطان- وقال: قد ذهب مالك، فقل: الحمد الله الذي أعطى واخذ، وأذهب عني الزكاة فلا زكاة علي، اذا قال لك، الناس يظلمونك وانت لا تظلم، فقل: انما السبيل يوم القيامة على الذين يظلمون الناس وما على المحسنين من سبيل. اذا اتاك وقال: ما اكثر احسانك يريد ان يدخلك العجب، فقل: اساءتي اكثر من احساني. واذا اتاك وقال: ما اكثر صلاتك، فقل: غفلتي اكثر من صلاتي. واذا قال لك: لم تعطي الناس، فقل: ما اخذ اكثر مما اعطي...). (۱۱)
فالملاحظ هنا أن (المحاورة) ذات طابع قصصي ممتع يجريها النبي (صلى الله عليه وآله) على لسان الشيطان والانسان، حيث يجسد مثل هذا الشكل الادبي: عنصراً حيوياً منطوياً على التشويق في متابعة هذا الحوار الذي يأخذ طابع (الحوار الداخلي)، الذي يجريه الانسان بينه وبين نفسه حينها يوسوس له الشيطان بعمل السوء... فاذا كان الحديث المباشر يحمل فاعلية التأثير بنحو عام، فان الحديث غير المباشر - اي الذي يعتمد شكلاً قصصياً او غيره- يظل بدوره اداة اخرى يستخدمها المشرع الاسلامي في احداث تأثير اشد واكثر امتاعاً: على هذا النحو الذي لحظناه في صياغة النبي (صلى الله عليه وآله) للمحاورة المشار اليها.
ان المحاورة القصصية التي يصوغها النبي (صلى الله عليه وآله) تظل منتسبة الى ما هو (واقع) وليس اصطناعاً لمواقف او حوادث، فهو (صلى الله عليه وآله) يترسم خطى القرآن الكريم في الركون الى ما هو (واقع) حتى في المحاورة التالية التي يجريها النبي على لسان العناصر الكونية من أرض وجبل وحديد و... الخ، فلو تابعنا المحاورة المذكورة التي سأل فيها السائل: عن العقل وتابع فيها النبي (صلى الله عليه وآله) ارشاداته للسائل المذكور: لوجدناه يتابع ارشاده لهذا السائل فينتقل به الى الظاهرة الكونية وكيفية ابداعها، فيجري هذه المحاورة بين عناصر الكون (على نحو المجاز) الا أن هذا المجاز نفسه (واقع) وليس وهماً، يقول النص: (ان الارض فخرت وقالت: اي شيء يغلبني؟ فخلق الله الجبال فأثبتها على ظهرها أوتاداً من أن يمتد بما عليها فذلت الأرض واستقرت. ثم ان الجبال فخرت على الأرض فشمخت واستطالت وقالت: أي شيء يغلبني؟ فخلق الحديد، فقطعها فذلت...) (۱۲) فالمحاورة هنا بين الارض والجبل، والجبل والحديد الخ، تنطوي على دلالة (مجازية) لما هو (واقعي) اي: أن الله تعالى سخر العناصر الكونية وذللها من حيث التفاعلات الحادثة فيما بينها لتفيد المخلوقات منها على شتى مستوياتها، وهذا من نحو قوله تعالى:
(فقال لها وللأرض ائتيا: طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) فمخاطبته تعالى لهذه القوى هي (ارادته تعالى) وآتينا هما طائعين وهو تجسيد لذلك سواء أكان هذا التجسيد حركة أم فكراً أم احساساً أم كلاماً صامتاً او منطوقاً.. يضاف الى ذلك أن تسبيح الكون الذي لا نفقهه - بصريح الآيات القرآنية التي تشير الى ذلك - وتأبي الأرض والجبال لتحمل الأمانة - بصريح الآية الكريمة: «انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال...».
هذه الحقائق تشير الى ان النبي (صلى الله عليه وآله) حينما يصوغ حواراً على ألسنة عناصر الكون - وقد كان داود وسليمان يتعاملان مع بعض هذه العناصر- فانه ليختلف عن البشر العادي الذي لا يفقه شيئاً من اسرار الكون،... لذلك فان امثلة هذه المحاورة لابد من ان تنطوي على (واقع): كل ما في الامر، ان المحاورة تستهدف - من خلال لغة المجاز- لفت النظر الى حقائق الظواهر الكونية وتسخيرها للمخلوقات (الانسانية منها بخاصة حيث اسجد الملائكة لها: تحسيساً بخطورتها التي تقتاد بالشخص الى ان يصبح افضل من الملائكة في حالة الطاعة وان يصبح احط من البهائم في حالة المعصية).
واذا كان النص المتقدم يتضمن عنصر (المحاورة)، فهناك من النصوص ما يتضمن عنصر (الحكاية) او الحديث المشفوع بـ(المثل) الذي لحظناه في (الصورة) القرآنية الكريمة... لقد نسب الى النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: (اني ضربت للدنيا مثلاً ولابن آدم عند الموت: مثله: مثل رجل له ثلاثة أخلاء، فلما حضره الموت قال لأحدهم: انك كنت لي خليلاً وكنت أبر الثلاثة عندي، وقد نزل بي من امر الله ما ترى فماذا عندك؟.. فيقول: وماذا عندي؟ وهذا أمر الله قد غلبني ولا استطيع أن انفس كربتك ولا افرج غمك، ولا اؤخر ساعتك، لكن ها أناذا بين يديك فخذني زاداً تذهب به معك فانه ينفعك) ثم يتحدث الثاني بنفس اللغة فيشير الى انه تولى غسله وتكفينه، ويأتي دور الثالث فيقول الرجل له: (كنت أهون الثلاثة علي وكنت لك مضيعاً وفيك زاهداً فما عندك؟) ويجيبه: (اني قرينك وحليفك في الدنيا والآخرة ادخل معك قبرك حين تدخله وأخرج منه حين تخرج منه ولا أفارقك أبداً. هذا ماله وأهله وعمله. (۱۳)
واضح، أن احاديث كثيرة تشير الى هذا الجانب وتجري حواراً على ألسنة هذا الثلاثي بالنحو المذكور حيث تجسد أمثلة هذا الحوار تعبيراً (مجازياً)، عما ينفع وعما لا ينفع من السلوك، وحيث يظل (العمل الصالح) هو المستهدف من ذلك.

*******
الحديث الفني


يظل الحديث المأثور عن النبي (صلى الله عليه وآله) أكبر النصوص حجماً - كما أشرنا-، كما يظل أشدها احتفاء بقيم الصوت والصورة. والسر في ذلك (من حيث ضخامة العدد) أن الحديث - ونعني به القصير حجماً فيما لا يتجاوز نطاق الجملة أو اكثر- يتكفل ببيان مئات أو آلاف الظواهر العبادية المختلفة: وهذا ما لا يتوفر في الخطب والرسائل مثلاً الا ان يتخللها الحديث القصير، وحينئذ فان (الحديث) هو الذي يأخذ استقلاله من خلال الخطبة أو الرسالة أو الوصية: فيكثر عدده حينئذ.

*******
الحديث والوصايا


ويلاحظ أن (الوصايا) المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) ومنها وصاياه للامام علي (عليه السلام) تظل - في واقعها- مجموعة أحاديث من نحو: (يا علي: إنه لا فقر أشد من الجهل، ولا مال اعود من العقل... الخ، يا علي: آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان... الخ، يا علي: ثلاث من أبواب البر: سخاء النفس وطيب الكلام والصبر على الأذى.. الخ). (۱٤)
وهكذا تمضي الوصية بنشر أحاديث مستقلة من جانب ولكنها متجانسة من جانب آخر، حتى انه (صلى الله عليه وآله) اخضع هذه الأحاديث لهيكل فني من حيث الخطوط التي تجمع بين الأحديث، فهو (صلى الله عليه وآله) عندما يستهل كل مجموعة أو مقطع بمخاطبة الامام علي (عليه السلام): يردفها بأحاديث متجانسة، وهذا من نحو المقطع التالي:
(يا علي: آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الفترة، وافة السماحة: المن...) (۱٥) فالجامع بينها هو مصطلح (آفة) حيث وصله بالكذب والنسيان والفترة والمن من حيث صلتها بالحديث والعلم والعبادة والسماحة... ومن نحو (يا علي: ثلاث من ابواب البر:‌ سخاء النفس، وطيب الكلام، والصبر على الأذى. ومن نحو (يا علي: ثلاث يحسن فيهن الكذب: المكيدة في الحرب، وعدتك زوجتك،‌ والاصلاح بين الناس) (۱٦) فالمكيدة في الحرب، وعدة الزوجة، والاصلاح بين الناس: تجسد سلوكاً مشتركاً يستخدم فيه (الكذب) الذي يفضي الى عمل الخير، فاستخدام الحيلة حيال العدويعد انتصاراً للخير لأنه الانتصار على العدو - وهو الشر- انتصار للخير وكذلك الاصلاح بين الناس، فعندما تكذب على أحد المتخاصمين وتقول له: ان خصمك قد مدحك، حينئذ تكون بهذا الكذب قد مسحت ما في اعماق هذا الرجل من حقد وثورة على غريمه،... وكذلك عندما تعد زوجتك بشراء حاجة وانت على معرفة كاملة بأن هذه الحاجة لا ضرورة لها أو انها توثر على دخلك: حينئذ تكون قد مارست عملية اقتصاد تعصمك من الافلاس والمتاعب: بخاصة ان المرأة - غالباً- تصدر عن سلوك عاطفي لا تفكر من خلاله بدخل الرجل وامكاناته او لا تفكر من خلاله بنتائج اقتناء الحاجة غير الضرورية، ‌اما لاستتباع ذلك فساداً أو ترفاً يتنافى مع ضرورة تدريب الانسان على تناول ما هو ضروري فحسب.
ومهماً يكن، فان ما نستهدفه من هذا العرض للاحاديث هو: انها تخضع فنياً الى تخطيط فكر تتلاحم من خلاله موضوعات هذه الاحاديث وتخضع لخيط فكري يوحد بينها، بالنحو الذي لحظناه.

*******


(۳) نفس المصدر: ص ۳۳٤.
(٤) تحف العقول: المكتبة الاسلامية، طهران، ص ٤۹.
(٥) نهج الفصاحة: ص ۱۸٥.
(٦) التوحيد: للصدوق، منشورات جماعة المدرسين، ص ۱۱۳.
(۷) نهج الفصاحة: ص ۳٦۲.
(۸) تحف العقول: ص ۱۰.
(۹) نفس المصدر: ص ۱٦، ۱۹.
(۱۰) نفس المصدر: ص ۱۱.
(۱۱) نفس المصدر: ۲٤.
(۱۲) نفس المصدر: ص ۲٥.
(۱۳) نهج الفصاحة: ص ٦۸۸.
(۱٤) تحف العقول: ص ۷.
(۱٥) نفس المصدر: ص ۷.
(۱٦) نفس المصدر: ص ۹.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة