البث المباشر

رواية الحق.. من البدء إلى اليوم (7)

الأربعاء 16 سبتمبر 2026 - 10:38 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة السابعة- نتحدث في هذه الحلقة عن حرب الروايات والحرب الناعمة حيث لا تُرى الحقيقة دائمًا كما هي، بل تُرسخ في الأذهان كما تُعرض.

إن الحرب الإعلامية اليوم وجه جديد للمعركة نفسها التي طال أمدها بين الحق والباطل؛ فقد انتقل ميدانها من التحصينات إلى شاشات الهواتف والتلفزيون، وأصبحت الرصاصات تُصنع من الكلمات والصور والتأطير.

في هذه الحملة، "الرواية" هي التي تصنع المستقبل؛ من يقف خلف الكاميرا، وأي اللقطات تُعاد؟

يتتبع هذا البودكاست في حلقته مسار هذه المعركة الصامتة؛ معركة تُحدد مصير الميدان الواقعي في أذهان الناس.

على مر التاريخ، لم تبدأ الحروب دائمًا بصوت السيوف وهدير الملاحم. أحيانًا، قبل إطلاق الرصاصة الأولى، تبدأ معركة صامتة في العقل والقلب؛ معركة لا تُحدد حدودها الأرض، بل الأفكار والمعتقدات.

من الأدوات البدائية للإمبراطوريات القديمة إلى آلة الإعلام الجبارة في القرن الحادي والعشرين، بقيت حقيقة واحدة ثابتة: من يصنع الرواية يصنع المستقبل. وهنا يبرز دور "الحرب الناعمة" حيث يمكن لعنوان صحيفة، أو نشيد وطني، أو حتى قصة في فيلم أن تُغيّر مصير أمة.

اليوم، لم تعد ساحة المعركة تقتصر على شوارع غزة أو جبال اليمن؛ بل أصبحت شاشات هواتفنا، وشاشات التلفاز، ومقاطع الفيديو البراقة التي تُخفي الحقيقة وراء ستار الخداع في مواجهة هذا السيل الجارف، تقف وسائل إعلام المقاومة شامخة؛ وأحيانًا، بصورةٍ مهتزةٍ من هاتف صحفي مجهول، تُنسج روايةً تُحطّم جدران الأكاذيب.

هذه الحلقة دعوةٌ للغوص في قلب هذه المواجهة. من حرب الروايات في مراكز الأبحاث الغربية إلى المقاومة الثقافية في أماكن بسيطة واستوديوهات صغيرة، سنرى كيف تُصبح العقول حصونًا، والمعتقدات أسلحة.

انضموا إلينا في الحلقة السابعة من "رواية الحق من البدء إلى اليوم"؛ روايةٌ لهجوم دون إراقة دماء، لكن جراحها قد تبقى لأجيال.

في حرب الروايات، لا تُرى الحقيقة دائمًا كما هي، بل تُرسخ في الأذهان كما تُعرض. هذه المعركة ليست ميدان رماية، لكن أي صورة قد تكون طلقة قاتلة. في هذا الميدان، الخنادق ليست من التراب، بل من الكلمات والصور، والجنود لا يرتدون الزي العسكري، بل بدلات مذيع أو ملابس بسيطة لمراسل محلي.

الرواية ليست مجرد سرد لحدث ما، بل هي صياغة العقل الجمعي والذاكرة الجماعية لأمة. عندما يُعرض طفل فلسطيني على شاشات التلفزيون العالمية مع كرته، أو عندما لا تُبث الصورة نفسها أبدًا، يُبنى مستقبل مختلف في أذهان الآلاف. الرواية قادرة على تحويل البطل إلى عدو والمجرم إلى منقذ، الأمر يتوقف على من يقف خلف الكاميرا ومن يضغط زر تشغيل البث.

في السنوات الأخيرة، كانت الحملة الإعلامية بين إيران والكيان الإسرائيلي مثالًا واضحًا على هذه المعركة. كل عملية عسكرية تتبعها مباشرةً تغطية إعلامية.

يحاول الكيان الإسرائيلي تبرير عدوانه السافر وغير القانوني على الساحة الإعلامية بمصطلحات مثل "الضربة الاستباقية" أو "العمل الضروري"، بينما تنقل وسائل الإعلام المقاومة صور يقظة إيران ومقاومتها إلى العالم.

في هذا السياق، لا يقتصر الصاروخ الذي يُطلق من الأراضي الإيرانية على إصابة هدف عسكري فحسب، بل يستحوذ أيضاً على اهتمام الكاميرا، وتصل رسالته إلى ملايين الناس في شوارع بيروت وصنعاء، وحتى في المدن الغربية.

لقد بالغت القوى الإعلامية لجبهة الباطل، بقيادة وسائل الإعلام الغربية في هذا الاستغلال، لتكييف نتائج العمليات العسكرية مع سرديتها المفضلة. لكن وسائل إعلام المقاومة تحدت القواعد؛ بروايات تنبع من صميم الحقيقة، حتى وإن كانت بسيطة تقنياً وسطحية، لأنها تنبع من القلب، فهي تلامس الروح وتُحطم جدران الدعاية.

هذه المعركة مستمرة كل يوم. قد يكون صوتها أخف من هدير الصواريخ، لكن أثرها قد يكون أشد ديمومة. كل نقرة، كل إعادة نشر، كل كلمة، قد تكون راية في هذه الحرب الصامتة، أو رصاصة تصيب الحقيقة.

الحرب الناعمة هي حرب تُصنع رصاصاتُها من الأخبار والصور والموسيقى، وحتى الفكاهة. تحدث الطلقات في ثوانٍ وأنت تحدق في شاشة هاتفك أو تلفازك، وانفجاراتها لا تدمر المدينة، بل العقل.

في هذا النوع من الحروب، لا يقتصر دور الإعلام على نقل الرسائل فحسب، بل هو صانع الواقع. فمن خلال انتقاء الكلمات بعناية، واختيار زاوية الكاميرا، وترتيب الأخبار، وحتى الموسيقى الخلفية، يستحوذ الإعلام على حواس الجمهور وعقوله. صورة مهتزة وعفوية قد تتجاوز معادلات أكبر منها، لتصبح رمزًا للجبهة.

تكررت بنية استغلال الغرب للإعلام مرارًا وتكرارًا: مراكز أبحاث تُصمم سيناريوهات إعلامية.

شبكات إخبارية دولية تنشر الرواية المطلوبة عالميًا.

منصات ترفيهية وشبكات تواصل اجتماعي ترسخ الرسالة في الأذهان بصيغ جذابة وعادية.

لكن الحرب التي فرضها الكيان الإسرائيلي على إيران أظهرت أن هذا المجال ليس دائمًا من جانب واحد. ففي الليالي نفسها التي أُطلقت فيها صواريخ من الأراضي الإيرانية على أهداف صهيونية، انطلقت شرارة أخرى: الفضاء الإلكتروني. غمرت موجة من الصور والفيديوهات للصواريخ الإيرانية الجماهير العربية، لا سيما في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

من الأوسمة الموحدة إلى مقاطع الفيديو التي جمعت بين صوت إطلاق النار وأناشيد المقاومة، تحولت شبكة الإنترنت كل ليلة إلى ساحة جديدة تُعاد فيها نشر صورة صاروخ من الأراضي الإيرانية إلى قلب تل أبيب آلاف المرات.

لم تكن هذه الموجة مجرد نقل للأخبار، بل كانت تشكيلًا للمشاعر والمعتقدات؛ شعورًا بالمشاركة والنصر المشترك، ليس لإيران فحسب، بل لمحور المقاومة بأكمله. كل مستخدم، حتى بإعادة نشر بسيطة، أضاف لبنة صغيرة إلى جدار هذه المعركة العظيم.

هذا هو جوهر الحرب الناعمة: السيطرة على المعتقدات والمشاعر قبل التعقل. فالرواية السائدة تستحوذ على العقول قبل أن تصلها الحقيقة. وفي هذه الحرب، تعد الاجواء الإلكترونية احدي الساحات القليلة التي يمكن للطرف الآخر فيها شن هجوم مضاد دون قيود مادية.

لكل حرب مرحلتان: الأولى هي ساحة المعركة، حيث دويّ صفارات الإنذار وأضواء الانفجارات؛ والثانية هي ساحة المعركة الهادئة، التي تتدفق بهدوء واستمرار في العقول. تهدأ ساحة المعركة بانتهاء وقف إطلاق النار، لكن ساحة المعركة الهادئة ما زالت في بدايتها. في هذه الساحة الثانية، لا تكون الأسلحة من حديد وبارود، بل من كلمات وصور و رجز.

في الحرب التي فرضها الكيان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بلغت هذه الجبهة ذروتها. قد تكون عملية الصواريخ الإيرانية حدثًا محدود النطاق من الناحية العسكرية، لكنها تحولت في المجال الثقافي إلى ملحمة خالدة: في العراق، رسم مراهقون أعلام إيران والعراق وفلسطين جنبًا إلى جنب على جدار؛ ووصلت صورة ذلك الجدار إلى آلاف المستخدمين العرب في غضون يوم واحد و في صنعاء، نحت فنان تمثالًا لصاروخ من مخلفات الحرب، ونقش عليه كلمة "القدس".

في كل ركن من أركان العالم العربي، قام طلابٌ واعون وداعمون للمقاومة بتزيين صور الصواريخ الإيرانية بقصائد المقاومة، وعلقوها في الجامعات، فتحولت أروقة العلوم الجافة إلى ممراتٍ للقصة.

قد لا تُثير هذه التفاصيل اهتمام شبكات الأخبار الكبرى، لكن الحقيقة أنها تُشكّل الذاكرة الجماعية. فالطفل اليمني الذي يرسم اليوم صورة صاروخ بأقلام التلوين، هو من سيروي هذه القصة للأجيال القادمة بعد سنوات.

المقاومة الثقافية ليست مجرد ناقلة للواقع، بل هي مهندسة المستقبل. فكل قصيدة، وكل لوحة، وكل فيديو، لبنةٌ في جدار هوية الأمة. لم يستطع الغرب، بكل قوته الإعلامية، حتى الآن، ابتكار آلية لهدم هذا الحصن.

في اليوم الذي يصمت فيه صوت الانفجارات، يظن كثيرون أن المعركة قد انتهت. لكن ما دامت هذه الروايات حيةً في الكتب والأفلام والاشعار وذاكرة الناس، فإن الجبهة الثقافية ستظل متقدةً حماسةً. إنها ساحةٌ، حتى بعد انقشاع آخر دخانٍ من السماء، تبقى مشتعلةً في القلوب.

وسائل إعلام المقاومة هي الركائز الحية للجبهة الثقافية؛ ركائزٌ بُنيت على الإيمان والتجربة المعاشة، تنبع من قلوب الناس، لا من أبراج الشبكات الإعلامية السائدة. تروي قصصًا لأماكن لا تزال رائحة البارود والغبار عالقةً في أجوائها، حيث ضحكة طفلٍ خاطفةٍ في ملجأ، أو نظرة رجلٍ مسنٍّ فقد بيته الهادئة، جزءٌ لا يتجزأ من المشهد.

هذا القرب من الواقع يمنح القصة دفئًا لا تستطيع أي غرفة أخبار رسمية محاكاته. غالبًا ما تنظر وسائل الإعلام الغربية إلى القصة من منظورٍ علويٍّ وبعيد، كخريطةٍ مبعثرةٍ على طاولة غرفة عمليات؛ أما وسائل إعلام المقاومة فتسير جنبًا إلى جنب مع الناس، بجانب صفوف الخبز، خلف شاحنات الإغاثة، أو في منتصف الليل الذي لا يضيئه سوى لهيب شمعةٍ أو ضوء هاتفٍ محمول.

في الحرب التي فرضها الكيان الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ابتكرت هذه الوسائل الإعلامية، بشبكة من المراسلين الميدانيين والصحفيين المحليين والفنانين المبدعين، رواية تجاوزت مجرد الخبر لتصبح تجربة مشتركة. جاءت الصور الأولى من الميدان؛ لحظة إطلاق صاروخ أو انفجار بعيد، فورية وصادمة.

سرعان ما انتشرت هذه الصور عبر الهواتف المحمولة، لتجد طريقها إلى منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وأضفت عليها الموسيقى والترجمة بلغات مختلفة مزيدًا من الحيوية. بعد ذلك بوقت قصير، أُعيد إنتاج المحتوى نفسه بصيغ جديدة: أناشيد رنانة في الصور، ورسوم بيانية نُشرت، وملصقات عُلّقت على جدران الجامعات.

لم يقتصر هذا التدفق المتواصل على نقل الأخبار فحسب، بل غرس أيضًا شعورًا بالمشاركة في قلوب شعوب المنطقة. أصبح المستخدمون في دول من العراق وسوريا إلى اليمن ولبنان، الذين أعادوا نشر وإنتاج نسخ جديدة من الرواية نفسها، جيشًا ثقافيًا خفيًا، تجاوزت سرعته ومرونته أي هيكل إعلامي رسمي.

لم تكتفِ وسائل إعلام المقاومة برد الفعل؛ لقد خططوا، وأرشفوا، ووثقوا، وسجلوا الذكريات الجماعية في صيغٍ تضمن بقاءها لسنواتٍ قادمة. ولهذا السبب، حتى بعد انتهاء المعركة وعودة السلام، تستمر المعركة في العقول، وتصبح هذه الوسائل الإعلامية مهندسة المستقبل، مستقبل تُبنى فيه هوية الأمة من خلال العناصر التي تُجمع اليوم، في صميم الثقافة والرواية. إنهم يروون القصة كما حدثت، لا كما تريدها السلطات، وهذا يعني الانتصار على جبهةٍ لن تسكت تمامًا.

لا تكتفي وسائل الإعلام الغربية في ساحة الحرب الناعمة بالصوت والصورة فحسب، بل تستغل آلية معقدة لانتقاء الأخبار وترتيبها وإبرازها. ففي تغطيتها للمعارك، غالبًا ما تُعطي الأولوية للإطارات التي تتوافق مع المصالح السياسية والأمنية للحكومات الداعمة لها.

وفي هذا السياق، يُعرض على الجمهور ما هو أقرب إلى "تفسير مُوجّه" منه إلى صورة حقيقية للحدث. فمن اختيار الكلمات إلى ترتيب بث الصور، يُستخدم كل شيء لتشكيل الاستنتاج المنشود؛ فعلى سبيل المثال، بدلًا من عبارة "هجوم على مواقع عسكرية إسرائيلية"، تُكرر عبارات مثل "أعمال إيران الاستفزازية" أو "الدفاعات الإسرائيلية" وتُصوّر وكأنها طبيعية، حتى وإن كانت الرواية على أرض الواقع تُخالف ذلك.

وخلال الحرب المفروضة من قِبل الكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تجلّى هذا النمط بوضوح في سلوك بعض الشبكات الإعلامية المعادية الناطقة بالفارسية.

كانت قناة "إيران اينترنشنال" مثالاً بارزاً على ذلك، إذ دأبت، في لحظات حاسمة، على إعادة إنتاج الروايات الرسمية لتل أبيب دون أي مساومة، ودون الاعتماد جدياً على المصادر الميدانية أو الروايات المعارضة.

ومن خلال تسليط الضوء على الخسائر في جبهة المقاومة والتقليل من شأن عواقب الهجمات الإسرائيلية على المدنيين، قدمت هذه الشبكة صورة مشوهة للواقع أمام المشاهد. في الواقع، في بعض الحالات، لم تُبث على قناة "إيران اينترنشنال" صورٌ نُشرت من مناطق الحرب، مصحوبةً باسم المكان والزمان ووصف دقيق في وسائل إعلام المقاومة، أو عُرضت بتفسيرات متحيزة ومبهمة.

أدى هذا النهج إلى حجب أو تشويه جزء مهم من الواقع عن الرأي العام. كان دور هذه الوسائل الإعلامية في هذه المعركة أشبه بـ"غرفة صدى" تُعيد إنتاج رسالة القوى الداعمة لإسرائيل بلغة وصورة، دون منح المشاهد فرصة التشكيك أو فحص بيانات أخرى.

على الصعيد الدولي، عمدت الشبكات الغربية الكبرى، بتغطيتها المتحيزة، إلى تهميش عوامل جوهرية كجذور الصراع والأبعاد الإنسانية للكارثة. هذا التضافر بين وسائل الإعلام الدولية والناطقة بالفارسية المعادية يُعدّ جزءًا من معضلة الحرب الناعمة نفسها، التي تهدف إلى إعادة صياغة الواقع لصالح أحد أطراف الصراع.

وبالتدقيق، يتضح دور وسائل الإعلام الغربية ليس فقط كمصدر للأخبار، بل أيضًا كمصمم ومخرج لسيناريو متعدد الطبقات. فبفضل مواردها الواسعة، وصحفييها الدوليين، وأرشيفاتها المرئية، ومراكز أبحاثها الاستراتيجية، تصوغ هذه الوسائل سردها . سردا يشكل انطباعًا محددًا من خلال اختيار الكلمات وزوايا الكاميرا وحتى توقيت البث.

هذا المحتوى الخام، بعد مروره عبر فلترة مكاتب التحرير الغربية، يُقدّم إلى وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية المعادية في نسخ مختصرة ومحلية. ومن أبرز الأمثلة على هذه الآلية، وسائل إعلام مثل إيران الدولية وبي بي سي الفارسية، اللتان تتمثل مهمتهما في دمج هذه السردية في النسيج الاجتماعي والثقافي لإيران.

كانت حرب الكيان الإسرائيلي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025 مثالاً ملموساً على هذه الآلية. ففي الساعات الأولى من الصراع، بثت الشبكات الأمريكية الكبرى الرسالة الرئيسية، ثم قام المعارضون، مع تعديل لغوي طفيف وإضافة عناصر عاطفية تتناسب مع الجمهور الإيراني، ببثها في صورة أخبار عاجلة، أو برامج تحليلية، أو حتى نقاشات على إنستغرام. وتشير بيانات محدودة إلى أن تويتر وإنستغرام كانا خلال تلك الفترة الساحتين الرئيسيتين لهذه الأنشطة:

"فقد استخدمت قناة إيران الدولية وبي بي سي الفارسية وسوماً سياسية ومصطلحات رئيسة لإيصال السردية المطلوبة إلى صدارة الترند. ويشير ارتفاع نسبة المشاهدات إلى المحتوى المُنتج على هاتين المنصتين إلى أن الرسالة الرئيسة لم تصل إلى الجمهور عبر الإنتاج الضخم، بل من خلال التوزيع المُستهدف والواسع النطاق لعدد قليل من السرديات المُحددة".

ومن الناحية النوعية، دار ما يقرب من خُمس المحتوى الفارسي حول المعركة، حول حرب السرديات والأخبار الكاذبة. كان هذا أهم مجال للمناورة بالنسبة لوسائل الإعلام المعادية: استخدام صور غير موثقة أو ذات مصادر غير كافية، واقتباسات منتقاة، وإطارات إخبارية اختزلت الأزمة إلى رد فعل فوري من إيران بدلاً من شرح سياق الصراع.

وعندما نقارن هذا التوجه بنمط المحتوى في فترة ما بعد وقف إطلاق النار، تتضح الصورة بشكل أكبر: انخفاض ملحوظ في إنتاج المحتوى الأصلي من قبل هذه الوسائل الإعلامية نفسها، مع استمرار إعادة نشر الروايات السابقة للحفاظ على التأثير النفسي للحدث.

خلال هذه الفترة، ظهر توجه يوازي المستخدمين ووسائل الإعلام المتحالفة مع المقاومة على الساحة الدولية. فقد أظهر المحتوى باللغتين الإنجليزية والعربية، وخاصة على تويتر وإنستغرام، تعاطفاً ودعماً عالميين متزايدين؛ موجة إما تم استبعادها تماماً من إنتاج وسائل الإعلام الغربية والمعادية الناطقة بالفارسية، أو تم إخفاؤها عن الجمهور الناطق بالفارسية عن طريق التقليل من أهميتها وتغيير وزنها الإخباري. ه

ذا التناقض بين رد الفعل الحقيقي في العالم والرواية المقدمة للمجتمع الإيراني، يُظهر بوضوح أكبر من أي وثيقة مكتوبة، الدور التوجيهي والتحكمي لوسائل الإعلام الغربية. في هذا النموذج، تُصمَّم الأزمة بحيث تتحرك عقول الجمهور المحلي والأجنبي في اتجاهين منفصلين لكنهما منسقان: فبالنسبة للعالم، إيران هي الطرف الذي يجب احتواؤه؛ وبالنسبة لجزء من المجتمع الإيراني، تُقدَّم الحكومة على أنها مصدر الأزمة.

هذان المساران، على الرغم من اختلافهما الظاهري، يصلان إلى نقطة مشتركة؛ وهي إضعاف شرعية وتضامن الجبهة الداخلية في إيران ضد السياسات الغربية. في نهاية المطاف، نحن أمام سلسلة معلوماتية تبدأ بالترميز الأولي في وسائل الإعلام الغربية، ثم تُنقل إلى وسائل الإعلام الفارسية المعادية، ثم إلى النشر المكثف على مواقع التواصل الاجتماعي؛ سلسلة لا يقتصر هدفها في كل خطوة على مجرد الإعلام، بل يتعداه إلى تشكيل الفهم العام والمشاعر بطريقة مُحكمة.

تتوقف الحلقة السابعة من "رواية الحق" عند هذه النقطة؛ حيث كشفت خريطة المعارك الإعلامية المعقدة عن خطوطها الخفية والظاهرة.

من شاشات الاستوديوهات الغربية العملاقة إلى الهواتف التي تُفتح وتُغلق في شوارع طهران وبيروت وغزة، رأينا صورة واقعٍ مُريع: حربٌ يُمكن لكل مشهدٍ وكل عنوانٍ فيها أن يُغيّر حدود العقل.

اصطدمت الروايات، بعضها يُزيّن الأكاذيب وبعضها يُحيي الحقيقة. وهنا، في خضم هذا الصراع الصامت، أدركنا أن المقاومة لا تقتصر على الخنادق الترابية أو مواقع إطلاق الصواريخ؛ بل تكمن في القدرة على قول الحقيقة، حتى في وجه موجات الأكاذيب.

شكرًا لانضمامكم إلينا في هذه الرحلة التحليلية؛ رحلةٌ انطلقت من الرموز الخفية لوكالات الأنباء إلى همسات الأزقة الرقمية، وأظهرت كيف أن "معركة العقول" ليست هامشية، بل هي قلب ساحة المعركة اليوم. هذا الدرب، رغم احتراقه بنار الشائعات والتشويه، يحمل في طياته شعلة حقيقةٍ متقدة في كل زاوية.

إذا دفعتكم قصتنا اليوم إلى التأمل والتحليل، ندعوكم لمشاركتها مع الآخرين، وطرح أسئلتكم وآرائكم، والمشاركة في حوار يتجاوز الحدود والحواجز.

في الحلقة القادمة، سندخل مرحلة جديدة؛ حيث لا تفوح من الروايات رائحة البارود والدخان، بل رائحة النصر والنور.

منذ لحظة انهيار مشروع الكيان الصهيوني وحتى صدى فرحة الشعب الذي غذّى هذا الحلم في قلبه لسنوات، سنكون معكم خطوة بخطوة.

سنروي لكم كيف انبثقت من هذه المعركة الطويلة، ليس فقط هزيمة عدو، بل خطة لمستقبل مشرق؛ خريطة رُسمت خطوطها بدماء الشهداء وعزيمة الأمم، ولونها الأخير هو النور.

من هنا إلى هناك، لا سبيل إلا اليقظة.

حافظوا على صفاء أذهانكم وثبات قلوبكم.

سنكتب، معكم، خطوة بخطوة، فصلًا جديدًا من هذه القصة.

فحتى الملتقى في الحلقة القادمة من بودكاست "رواية الحق" دمتم في أمان الله وحفظه.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة