البث المباشر

"اكتشف إيران".. كُلستان (2)

الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 - 13:07 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الثانية- لا يمكن اعتبار كلستان مجرد محافظة واحدة؛ فهي ملتقى جغرافي وثقافي، أرضٌ تزخر بتنوع هائل في مساحة صغيرة. حيث تتعايش فيها مختلف الأعراق واللغات والأديان وأنماط الحياة، ومن هذا التعايش، تشكلت هوية نابضة بالحياة.

أهلاً بكم أيها الأعزاء ومستمعو بودكاست "اكتشف إيران".

نرحب بكم في رحلة صوتية جديدة إلى قلب إحدى أكثر محافظات إيران تنوعاً: محافظة گلستان .

تمتد هذه المحافظة في شمال إيران وجنوب شرق بحر قزوين، ورغم أنها لا تشغل سوى 3% من مساحة إيران، إلا أنها غنية بالألوان والأصوات والثقافة.

أصدقائي، گلستان في إيران أرض متعددة الثقافات واللغات؛ حيث يتعايش الناطقون بالفارسية والتركمن والبلوش والقزاق جنباً إلى جنب، وبتعايشهم السلمي، يُجسدون مثالاً للوحدة في التنوع.

لا تقتصر هذه المحافظة على كونها ملتقىً للأعراق والأديان المختلفة، بل تزخر أيضاً بكنزٍ دفين من الموسيقى المحلية، والتقاليد والطقوس، والحرف اليدوية، التي يحكي كلٌ منها قصةً من حياة وتاريخ أهلها.

في هذه الحلقة، انضموا إلينا في رحلةٍ إلى قلب تركمن صحراء وكتول، بين الأنغام المحلية والآلات الموسيقية الأصيلة، وبين الأزياء والحلي التقليدية الزاهية لأهل گلستان ؛ مكانٌ تتشابك فيه الموسيقى والملابس والثقافة في كل زاوية، لتشكل هوية گلستان... تابعونا.

محافظة گلستان جوهرة شمال إيران، تقع في المنطقة الجنوبية الشرقية من بحر قزوين، وتغطي أكثر من 3% من مساحة البلاد، لتحتل بذلك المرتبة التاسعة عشرة بين المحافظات الإيرانية.

يعكس سكان هذه المحافظة التنوع الديني والثقافي لإيران؛ إذ يشكل الشيعة حوالي 63% من سكان گلستان ، بينما يشكل السنة حوالي 37%. ويتألف الشيعة في المحافظة من مجموعات ناطقة بالفارسية، والمازندرانيين، والسيستانيين، والأتراك، بينما يشمل السنة التركمن، والبلوش، والقزاق. وإلى جانب هؤلاء السكان، يشكل المسيحيون والصوفيون أيضاً جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للمحافظة كأقليات صغيرة.

يُعد هذا التنوع الديني والعرقي أساس الهوية الثقافية المتعددة في گلستان ؛ فهي مكانٌ يجسد فيه التعايش السلمي والروابط الثقافية العميقة صورةً فريدةً للوحدة في ظل الاختلافات، مما يجعلها مثالاً حياً للتعاطف والوئام في إيران.

يُقدّر عدد سكان محافظة گلستان بنحو مليوني نسمة، نصفهم يسكنون المدن والنصف الآخر في قراها. وقد أضفى هذا التوزيع السكاني تنوعًا وديناميكية ملحوظة على النسيج الاجتماعي والثقافي للمحافظة.

وبفضل لهجاتها ولغاتها المتعددة، باتت كل زاوية من زوايا گلستان مرآةً تعكس الهوية الثقافية. فاللغة الفارسية، باعتبارها اللغة الرسمية هي اللغة السائدة في جميع أنحاء المحافظة، بينما في مدينتي گنبد وبندر تركمن، تُشكّل اللغة التركمنية السائدة في الحياة اليومية للسكان، وتعكس بوصفها اللغة الرئيسة، الهوية المحلية للمنطقة.

وفي زوايا متفرقة من المحافظة، تُسمع أصوات مختلفة من لهجتي كتولي و گرگاني ، تروي كل منها تاريخ وثقافة سكان تلك المنطقة. في الجزء الغربي من گلستان ، في مدينتي كردكوي وبندرگز، تسود اللهجة المازنية أو المازندرانية ، وفي بعض القرى، تُسمع أيضًا أصوات من لهجات كردية وزابلية وتاتية وبلوشية. لتكون دليلا واضحا على التنوع الثقافي واللغوي الفريد لهذه الأرض.

في السنوات الأخيرة، أصبحت گلستان وجهةً مهمة للمهاجرين. فموقعها الجغرافي المتميز، ومناخها المعتدل، وفرص العمل المتاحة فيها في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، جعلت منها مكانًا واعدًا لمن يسعون إلى حياة أفضل.

لفهم محافظة گلستان بشكل أفضل، تجدر الإشارة إلى أنها تُعدّ من أكثر مناطق إيران تميزًا وتفردًا من حيث الخصائص الاجتماعية والثقافية. فالتنوع العرقي واللغوي فيها يجعلها من أكثر المناطق تنوعًا ثقافيًا في البلاد، ويُقدّم صورةً حيةً للتعايش والتعاطف بين مختلف الجماعات.

من أبرز السمات الاجتماعية لهذه المحافظة قدرتها على الحفاظ على التعايش السلمي بين مختلف الأعراق والأديان. وقد لعب هذا التضامن دورًا هامًا في حماية تماسك مجتمع گلستان ووحدته عبر التاريخ، لا سيما خلال الفترات الحساسة والحرجة. فرغم اختلافاتهم الثقافية والدينية، يتمتع سكان هذه المحافظة بروابط اجتماعية وثقافية عميقة، جعلت من گلستان رمزًا حيًا للتضامن والوحدة على المستوى الوطني.

ويتجلى التنوع العرقي والديني في گلستان أيضًا في مجال الثقافة والدين. فكل جماعة عرقية، بعاداتها وتقاليدها وأزيائها المحلية ومهرجاناتها وموسيقاها وأطعمتها الخاصة، تُشكّل جزءًا من نسيج ثقافي غني ومتنوع. بفضل هذا الثراء الثقافي، أصبحت محافظة گلستان واحدة من أبرز مراكز التراث الثقافي غير المادي والثقافة الشعبية في إيران، وكل ركن فيها يحكي قصة حياة الناس وفنهم وهويتهم.

تتميز السياحة في محافظة گلستان بجانبٍ خاص وجذاب للغاية يُعرف بالسياحة الموسيقية؛ وهو فرعٌ ذو جذورٍ عريقة وتنوعٍ فريد ويُشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية لهذه المنطقة. فمن الأغاني التركمنية العذبة إلى الأغاني الإيرانية التقليدية، لكل ركنٍ من أركان هذه المحافظة صوتٌ فريدٌ خالدٌ يأخذ المستمع في رحلةٍ عبر الزمن والثقافة.

من بين هؤلاء، نذكر العازف والملحن البارز للموسيقى الإيرانية التقليدية الراحل محمد رضا لطفي، الذي وُلد عام ١٩٤٦ في گرگان. تعرّف على أغاني التار والستارو هو في صغر سنه وأصبح إحدى الشخصيات المؤثرة في الموسيقى الإيرانية بتأسيسه فرقة "شيدا" وإبداعه أعمالًا خالدة.

واصل لطفي التدريس حتى آخر أيام حياته، ودُفن في مسقط رأسه گرگان بعد وفاته في مايو ٢٠١٤. فنانٌ أثرى تراث الموسيقى الإيرانية وخلّد اسم گلستان في هذا المجال.

تزخر محافظة گلستان ، بتنوعها الفريد في قبائلها المقيمة، بتراث موسيقي محلي غني ومتنوع، يمكن تقسيمه إلى ثلاث فئات رئيسية: موسيقى القبائل الكردية والبدو الرحل، وموسيقى أهالي گرگان، وموسيقى تركمن. لا تعكس هذه الأنماط الموسيقية الحياة اليومية والتاريخ الثقافي لسكانها فحسب، بل تروي أيضًا هويتهم ومشاعرهم وقصص ماضي هذه الأرض وحاضرها.

ولفهم هذا التنوع الموسيقي بشكل أفضل، سنتناول أولًا أحد أبرز هذه الحقول وأكثرها رسوخًا؛ موسيقى أناس ترتبط ثقافتهم وأسلوب حياتهم ارتباطًا وثيقًا بالسهول والترحال.

من هنا، ننتقل إلى تركمن صحرا؛ أرضٌ يتدفق تاريخها وثقافتها ككنزٍ حيّ بين تلال وسهول شمال إيران. اعتنقت قبائل التركمن، وهم فرع من الأوغوز، الإسلام منذ أكثر من ألف عام أثناء إقامتهم على ضفاف نهر سيحون في تركستان. بعد نحو ستمائة عام، استقرت هذه القبائل في المنطقة التي تُعرف اليوم بـتركمن صحرا.

في الثقافة التركمنية، تتشابك ثلاثة رموز أساسية وتتداخل ترابطًا وثيقًا: الحصان، والسجادة، والموسيقى. فالحصان ليس مجرد عنصر من عناصر الحياة اليومية، بل يظهر حضوره جليًا في نقوش السجاد وإيقاعات الموسيقى، وكلٌّ منها مرآة تعكس نمط الحياة التركمني، وذوقه الفني، وتراثه العريق.

خلال الهجرة الكبرى من غرب الصين وجنوب منغوليا إلى آسيا الوسطى، لم يقتصر ما جلبه أسلاف التركمن على الماشية والخيول فحسب، بل حملوا معهم أيضاً تراثاً حياً من السرد والموسيقى. وإلى جانب هؤلاء الرحل، كان هناك مغنّون جوّالون يُطلق عليهم اسم "أوزان"، وهم رواة قصص يروون حكايات عن حياة الناس ومعاناتهم ومعتقداتهم من خلال الترانيم والأناشيد.

استمدّت أعمال أوزان جذورها من طقوس الشامانية القديمة و" پُرخواني "، وهي طقوسٌ امتزجت فيها الموسيقى بالسحر والعلاج التقليدي، ولعبت دوراً علاجياً. حظي الأوزان بمكانة مرموقة بين الناس بفضل إنشادهم الملاحم التي تمجّد أبطال القبيلة، وحافظت أصواتهم على الذاكرة الجماعية للشعب.

أما طقس " پُرخواني" ، بحسب التركمن، فكان معقدا وغامضا، و هومزيج من الحركات الإيقاعية، والصيحات العميقة، وترديد الأدعية والتراتيل، المصاحبة للموسيقية. كان يُقام هذا الطقس لاستحضار الأرواح الشريرة والسيطرة عليها وطردها من أجساد المرضى، ويُعتبر مثالًا بارزًا على العلاج بالموسيقى الطقسية. ومن أشهر مظاهر هذا التقليد احتفال يُعرف باسم "ذكر خنجر"، وهو طقس لا يزال يُذكّرنا بالصلة القديمة بين الموسيقى والمعتقد والشفاء في الثقافة التركمنية.

بمرور الزمن، استمرّ تقليد الأوزان في تركمن‌ صحرا على يد خلفائهم، وهم فنانون يُعرفون اليوم باسم "الباغشي" أو البخشي. ويواصل هؤلاء الموسيقيون والرواة نقل القصص والأساطير والأغاني الشعبية من جيل إلى جيل، وهم حُماة التراث الشفهي لشعبهم.

من المثير للاهتمام في الموسيقى التركمنية أنها، على عكس معظم الموسيقى الشعبية الإيرانية، لا تُشكّل الرقصات فيها دورًا بارزًا. وقد أدّى هذا إلى تقليل استخدام آلات النفخ، مثل سرنا، أو آلات الإيقاع في هذه الموسيقى، حيث ينصبّ التركيز الرئيس على السرد والغناء والألحان المحلية.

إلى جانب هذه التقاليد العريقة، تحتل الموسيقى الدينية مكانةً بارزةً في الثقافة التركمنية. يُعدّ "مولودي خواني" أحد أبرز هذه الطقوس، وهو احتفال يُقام عادةً في شهر ربيع الأول، الموافق لمولد النبي محمد صلى الله عليه وأله بمشاركة الرجال والعلماء ورجال الدين. تُضفي هذه الطقوس، بألحانها الدافئة والعذبة، جواً روحانياً مريحاً على قرى ومدن تركمن‌صحرا، وتُجسّد بوضوح الصلة الوثيقة بين الموسيقى والإيمان والحياة اليومية للناس.

من الأنواع الموسيقية البارزة الأخرى في محافظة كلستان موسيقى كتولي، التي نشأت في قلب التنوع العرقي الملحوظ لهذه المحافظة، وهي تُكمل، إلى جانب الأغاني المحلية الأخرى، الهوية الصوتية لگلستان.

وبشكل عام، أدّى التنوع العرقي في هذه الأرض إلى انتشار أنواع عديدة من الموسيقى العرقية فيها. من موسيقى أتراك گرايل إلى موسيقى گالش، مرورًا بأنغام القبائل البدوية الرحل كثل الكوليين والسيستانيين والبلوش والعرب والكرمانجيين.

لكن عند دخولنا منطقة كاتول، في الجزء الأوسط من محافظة گلستان ، نجد موسيقى ذات طابع مختلف؛ موسيقى تجمع بين روح الملحمة والرومانسية. تعكس موسيقى كاتول حياة ومشاعر وحكايات سكان هذه المنطقة؛ أنغام تروي أحيانًا بطولاتٍ وأخرى تُهمس بالحب والشوق، وقد جعلها هذا التناقض الجميل من أبرز أنواع موسيقى گلستان .

تتميز موسيقى كاتول الملحمية بتنوعها اللافت، ويحتل عازف الدهل مكانةً مركزيةً بارزةً في أداء العديد من مقطوعاتها. في الجزء الصوتي من موسيقى كاتول، نجد في العديد من المقامات ألحانًا تحكي عن التنافسات والمواجهات التاريخية بين شعب كتول والقبائل البدوية في الصحاري المحيطة. الروايات التي منحت هذه الأغاني طابعاً ملحمياً وعاطفياً.

ومع ذلك، فلا تعني هيمنة الملاحم غياب الحياة اليومية عن موسيقى كتولي. فإلى جانب الأغاني الملحمية، تُسمع أغاني تتناول مواضيع الحب والغرام، وألم الفراق وحزنه، فضلاً عن التضامن الاجتماعي والمثابرة في مواجهة مشاق العمل وقسوة العصر. إن الكفاح من أجل البقاء، والأمل في المستقبل، ومقاومة الصعاب، كلها عناصر منسوجة في قوام هذه الموسيقى، وقد تناقلتها الأجيال شفوياً؛ إرثٌ سمعي يُعتبر اليوم كنزاً ثميناً من كنوز ثقافة شعب گلستان.

يرتكز الهيكل الأساسي لموسيقى كتولي على ثلاثة مقامات صوتية: هي "هَرايي"، و"راستِ مقام"، و" كَلّه‌كِش ". لطالما أدّى مغنو كتولي هذه المقامات وفقاً لأذواقهم الفردية وفي إطار التقاليد الارتجالية؛ أسلوبٌ أضفى على كل أداء لوناً وجواً جديدين، وحافظ على حيوية موسيقى كتولي وديناميكيتها.

إلى جانب الموسيقى، تُعتبر گلستان لوحةً فنيةً نابضةً بالحياة، تجمع بين الطبيعة الخلابة، والأعراق المتنوعة، والأديان الغنية، والفنون الأصيلة، والثقافة الغنية؛ أرضٌ تتجلى فيها الألوان في كل شيء، وكأنها تُداعب العيون والأرواح. هذا التنوع اللوني لا يقتصر على المناظر الطبيعية فحسب، بل يمتد ليشمل أسلوب حياة أهلها وملابسهم.

لم يبقَ اليوم في أنحاء محافظة گلستان، سوى عدد قليل من العجائز اللواتي يرتدين أحيانًا ملابس محلية قديمة؛ ملابس رغم أنها لم تعد رائجة في الحياة اليومية، إلا أنها لا تزال تحمل عبق التاريخ والأصالة. هذه الملابس، ببساطتها تحكي قصة ذوق وفنون الأجيال التي سبقتنا.

تختلف أسماء وخصائص الملابس التقليدية في گلستان باختلاف المنطقة ومكان إقامة السكان، وقد حافظ أهالي كل حي ومنطقة على زيٍّ خاص بهم. ومع ذلك، يمكن تمييز بعض السمات المشتركة والبارزة بين ملابس مختلف المجموعات العرقية في المحافظة.

أولًا، "التغطية الكاملة" التي تُعدّ أحد المبادئ الأساسية لهذه الملابس.

ثانيًا، اتباع نمط بسيط وغير متكلف في مظهرها.

ثالثًا، الزخارف والتطريزات التي تُضفي، كعناصر مُكمّلة، رونقًا على الملابس وتُخرجها من مجرد بساطتها.

رابعًا، السمة المشتركة في ملابس الجماعات العرقية في گلستان هي وظيفتها الاجتماعية.

غالبًا ما كان يُختار نوع الملابس وفقًا للمكانة الاجتماعية والقدرة المالية للأفراد. على سبيل المثال، إذا أرادت المرأة من أهالي كتول، الانتقال من القرية إلى المدينة، كانت ترتدي قبعة خاصة تُسمى "قبعة المدينة".

في المناسبات والاحتفالات كالأعراس، كانوا يستخدمون أقمشة وملابس أفضل. وهكذا، لم تكن الملابس في گلستان مجرد وسيلة للتغطية، بل كانت أيضًا لغة صامتة للتعبير عن الهوية والمكانة الاجتماعية والمناسبات الحياتية.

غالبًا ما تُصنع هذه الملابس من القطن والصوف والحرير والخيوط، وقد اختارت كل جماعة عرقية أسلوبًا خاصًا لتزيينها، بما يتوافق مع تراثها الثقافي. التطريز التركمني، والتطريز الكازاخستاني، والتطريز الأسود لنساء شاهكوه، والتطريز الكتولي، ليس سوى بعض من هذه الزخارف التي تميز ملابس النساء من الجماعات العرقية البارزة في گلستان.

يتم التطريز في شاهكوه بخيوط سوداء على قماش أبيض، بينما يستوحي التطريز التركمني نقوشه من النباتات والحيوانات والرموز الدينية. في التطريز التركمني، هناك نقوش خاصة لكل فتاة وفتى، ولكل امرأة متزوجة، ولكل فتاة على وشك الزواج، ولكل امرأة حامل، ولكل امرأة فقدت زوجها .. كل نقش تبدعه المرأة على ملابسها يعكس إيمانها وقيمها التي رافقتها طوال حياتها.

يُعد الحذاء جزءًا أساسيًا من ملابس التركمن، و عند مشاهدة حذاء المرأة التركمنية، فستتبادر إلى الذهن على الأرجح لوحات إيرانية قديمة. يتضمن الزي التركمني التقليدي أحذية ذات مقدمة مدببة وكعب عالٍ، تُسمى " گل ميخ لي” أو “قرمه كوش "، يصنعها حرفيون مهرة وفنانون محليون.

أما ملابس نساء كتول، فكانت تُصنع منذ القدم، من أقمشة يدوية مزينة بأشياء مثل الشرائط والعملات المعدنية، واليراق. قميص نساء كتول طويل، يُلبس فوق تنورة من قماش محاك بالصوف مزين بالزهور، بأكمام مزينة بتطريزات على الحواف. وترتدي الفتيات غير المتزوجات قبعة مخملية، غالباً ما تكون حمراء، مزينة باليراق وشريط يدوي الصنع، يرتدينها تحت الوشاح.

وتشمل المواد الخام المستخدمة في هذا النوع من الملابس أقمشة ذهبية ، ويدوية، وأقمشة شال الصوف (بالخيوط الذهبية )، والأقمشة المخملية، وأنواعاً مختلفة من الشرائط اليدوية، والعملات المعدنية، والحلي، والخرز، والجذور الزخرفية، والمسابح، والمطاط، والخيوط.

بالطبع، لا يقتصر جمال ملابس سكان محافظة گلستان على هذه القطع القليلة. فقد حافظ القزاق المقيمون في إيران وفي هذه المنطقة على أزيائهم التقليدية. تتميز ملابس النساء باللون الأبيض، وتتزين بزخارف متنوعة كالتطريز الكازاخستاني، والتطريز المرقع، والتطريز بالخرز، والتطريز المنسوج.

في الماضي، كانت النساء يرتدين ملابسهن التقليدية في حفلات الزفاف والمناسبات، أما في الحياة اليومية، فكنّ يرتدين قمصانًا بسيطة خالية من الزخارف. كانت الفتيات القزاق يرتدين أيضًا رداءً وقبعة، بينما كانت النساء يرتدين قبعة تسمى "ژاولق" مع ملابسهن، أما اليوم، فترتدي الفتيات أوشحة ملونة، بينما تقتصر النساء على ارتداء الأوشحة البيضاء بعد الزواج.

ينحدر القزاق من قبائل تركية ومغولية تاريخية في آسيا الوسطى. منذ بداية القرن العشرين، وبسبب السياسات الشيوعية، هاجروا عبر تركمنستان واستقروا في إيران، وتحديدًا في محافظة گلستان ، وفي مدن گنبد، گرگان و بندر تركمن.

بعد استقرارهم في إيران، حافظ القزاق على أصولهم العرقية رغم تبنيهم للثقافة الإيرانية. عُرف القزاق بفنونهم ومعارفهم وحرفهم، وكانوا يُعرفون بين التركمن آنذاك باسم "بيليش".

يرتدي القزاق ملابس مختلفة في مناسبات مختلفة، تُخاط بألوان الأبيض والأحمر والوردي، وتزدان بأنماط تطريز متنوعة، ومن أبرز رموزهم قرون حيوانات كالضأن والطيور والزهور والشمس.

إضافةً إلى القوميات المذكورة ولسنوات طويلة استقرت في محافظة كلستان مجموعة من المهاجرين من سيستان وبلوشستان، جلبوا معهم إلى هذه المنطقة ملابسهم وعاداتهم وتقاليدهم الخاصة.

يرتدي رجال البلوش المقيمون في گلستان ، كرجال السيستانيين، ملابس بسيطة طويلة وعمامة - غالبًا ما تكون بيضاء - على رؤوسهم؛ وهو زيٌّ يُعدّ رمزًا للهوية العرقية ويتماشى مع مناخهم وأسلوب حياتهم.

أما ملابس نساء البلوش فتتميز بمظهر مختلف. الوشاح الذي يرتدينه مستطيل ومُزيّن بنقوش وتطريزات بلوشية دقيقة، بالإضافة إلى فن " پِريوال‌ دوزي "؛ وهو فنٌّ يحكي كل نقش فيه قصة ذوق ومهارة نساء هذه الأرض. وما يزيد هذه الملابس جمالًا وجاذبيةً هو الحليّ الذهبية والمجوهرات؛ التي تُعتبر صناعتها من الفنون القديمة الأصيلة في هذه المنطقة، وتُرسّخ صلةً وثيقة بين الملابس والفن والهوية الثقافية للبلوش.

وإذا أردنا إلقاء نظرة شاملة على الملابس التقليدية للجماعات العرقية في محافظة گلستان ، فلا بد من القول إن أكثر ما يلفت الانتباه هو "كمال" هذه الملابس و"راحتها". تتميز الملابس بجمالها، حيث تُصنع بعناية فائقة باستخدام التطريز والزخارف التقليدية، ما يجعلها متناغمة تمامًا مع ثقافة المجتمع، ومُلائمة تمامًا للظروف المناخية والجغرافية للمنطقة. يُصمم شكل هذه الملابس وقصتها بطريقة تجعلها لا تُشكل فقط لباسًا كاملًا، بل تُسهّل أيضًا العمل والحركة والأنشطة اليومية.

في صناعة هذه الملابس، تُستخدم عادةً المواد التي وفرتها الطبيعة للناس. أما الألوان المستخدمة في الملابس، فهي ليست مجرد اختيار جمالي، بل يحمل كل لون رسالة اجتماعية وثقافية، ويكتسب دلالة رمزية تبعًا لظروف ومعتقدات كل جماعة عرقية.

تُجسّد الزخارف التي تُزيّن ملابس نساء قبائل گلستان عالماً زاخراً بالمعاني؛ من عناصر الطبيعة كالشمس والقمر والنجوم، إلى رموز الحيوانات كقرون الضأن والفراخ وأفواه الثعابين. وإلى جانبها، تبرز زخارف نباتية بأنواعها المختلفة من الزهور، وأشياء كالميزان والصناديق الخشبية والشموع، وأنماط هندسية مثل "چهل‌تكه" و"الرقعة الشطرنجية" و"الصليب". وقد حوّلت هذه الأنماط مجتمعةً الزي التقليدي في گلستان إلى لغة بصرية؛ لغة تنبع من صميم ثقافة ومعتقدات وحياة أهل هذه الأرض.

في ختام هذه الرواية، لو أردنا تلخيص گلستان في صورة واحدة، لوجدناها أرضاً يتناغم فيها التاريخ والطبيعة والثقافة والإنسان في حوار دائم. أرض لم يكن تنوّعها العرقي والديني سبباً للقطيعة، بل كان مصدراً للثراء والازدهار. حيث تُشكّل اللغات والأنغام والطقوس والملابس سردًا مستقلًا، لكنها في النهاية تُوحّد هويةً واحدة.

گلستان ليست مجرد موقع جغرافي على خريطة إيران، بل هي ذاكرة حية للتعايش، واحترام الاختلافات، وثقافة توارثتها الأجيال ولا تزال نابضة بالحياة؛ في زغاريد أهالي تركمن ، وفي المقامات الموسيقية لدى منطقة كتولي، وفي تطريزات النساء الدقيقة، وفي الألوان التي زينت هذه الأرض.

في الحلقة القادمة، سنتعمق أكثر ونتوجه إلى قلب المعالم السياحية في محافظة كلستان؛ من الطبيعة الخلابة والمناظر الطبيعية الفريدة إلى الأماكن التي يروي كل منها جزءًا من تاريخ هذه الأرض وحياتها وجمالها.

إذا استمتعتم بهذه الرحلة الصوتية، ندعوكم لمشاركة هذه الحلقة مع أصدقائكم، ومرافقتنا في هذه الرحلة باقتراحاتكم وتعليقاتكم القيّمة.

رحلتنا في كلستان مستمرة...

تابعوا برنامج "اكتشف إيران" حتى الحلقة القادمة.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة