مرحباً...
في الحلقة الأولى من هذا البودكاست، تقدم أننا أطلقنا على هذا البرنامج اسم "أحمد كل الأمم"، واليوم أريد أن أخبركم لماذا اخترنا هذا الاسم.
ما سأخبركم به اليوم يُوضّح قضيتنا الرئيسية في هذا البرنامج، وهي قضيةٌ أثارت خلافاتٍ كثيرة بين شعوب العالم لقرون.
لا يختلف اثنان ممن لهم معرفة بالعهد الجديد، أنه قبل مجيء النبي عيسى عليه السلام، كان الناس ينتظرون نبياً من الله. وحسب العهد الجديد والوثائق التي عُثر عليها على شواطئ البحر الميت، كان الناس في عهد النبي عيسى عليه السلام ينتظرون قدوم عدّة أشخاص.
وقد بلغ هذا الانتظار من العظمة حدّ ظهوره وانعكس في النصوص المقدسة للمسيحيين. على سبيل المثال، ورد في إنجيل يوحنا: "في يوم العيد الكبير، حين كان النبي عيسى (عليه السلام) يخطب في الناس، اختلف الناس بعد انتهاء خطبته حول هويته. فمنهم من اعتبره "النبي نفسه" الذي بشّر به النبي موسى (عليه السلام) ومنهم من اعتبره "المسيح الموعود (عليه السلام)"
"فلما سمع كثير من الناس ذلك، قالوا: هذا هو النبي حقًا. وقال بعضهم: هو المسيح. وقال بعضهم: هل المسيح يأتي من بحر الجليل؟... فاختلف الناس فيه."
يتضح من هذا القول أن الناس كانوا ينتظرون مسيحًا ونبيًا موعودًا. أي أنهم كانوا ينتظرون شخصين، ولذلك اختلفوا؛ قال بعضهم: هذا هو، وقال بعضهم: ذاك!
" تخبرنا قصة أخرى في إنجيل يوحنا أنه عندما عبر يسوع (عليه السلام) بحر الجليل، استقبله أهل طبرية، فأطعمهم بخمسة أرغفة وسمكتين صغيرتين، وكان عدد الرجال منهم فقط نحو خمسة آلاف. ولما شبع الجميع، أمر النبي بجمع ما تبقى من الطعام حتى لا يضيع شيء، فامتلأت اثنتا عشرة سلة من بقايا أرغفة الشعير الخمسة. فلما رأى الناس هذه المعجزة، قالوا: "هذا هو النبي الآتي إلى العالم حقًا". أما المسيح ، فلما علم أنهم سيأتون وينصبونه ملكًا بالقوة، انصرف إلى الجبل وحده.
من هو "النبي" الذي وعد به موسى (عليه السلام)، والذي كان الشعب اليهودي بأكمله ينتظر ظهوره؟
كان يمثل "النبي الموعود" وعدا بالغ الأهمية لدى الشعب اليهودي، حتى أن أكثر من سبعين رجلا من كبار اليهود حملوا على عاتقهم مسؤولية تحديد هويته وتعريفه للشعب في مجلس كبير سمي "السنهدرين". كلما ادعى أحدٌ النبوة ، كان هذا المجلس يرسل إليه ممثلين لمقارنة آيات نبوته بما تلقوها من موسى (عليه السلام)، وبذلك يقوم بتحديد صحة ادعائه من زيفه. ولذلك، عندما بدأ النبي يحيى (عليه السلام) يُرشد الناس ويُبشرهم بأنه نبي الله، قام هذا المجلس بالتحقيق معه.
وقد تحدث إنجيل يوحنا في هذا الإطار قائلا:
"هذه شهادة يحيى حين أرسل اليهود الكهنة و اللاويين من أورشليم ليسألوه: من أنت؟ فاعترف ولم ينكر، بل أقر بأنه ليس "المسيح". ثم سألوه: "ماذا إذن؟ هل أنت إلياس؟" قال: لا ، هل أنت "ذلك النبي"؟ أجاب بأنه ليس كذلك. ثم قالوا له: "فمن أنت إذًا؟ أخبرنا لنرد جوابًا للذين أرسلونا؟ ماذا تقول عن نفسك...؟" كان الرسل من الفريسيين. ثم سألوه قائلين: "إن لم تكن المسيح ولا إلياس ولا "ذلك النبي"، فلماذا تُعمّد...؟"
أجابهم يحيى (ع): ...هو الذي يأتي من بعدي، لكنه سبقني، أنا لستُ أهلًا أن أحل خيوط حذائه، هو أقوى مني.
كما ذُكر مرارًا، دأب أنبياء بني إسرائيل، وهم كثيرون جدًا، على إعلان ظهور "المسيح" و"نبيّ مثل موسى". كما آمن اليهود، وفقًا لسفر الملوك الثاني، بأن النبي إلياس (عليه السلام) نبيٌّ ركب العاصفة وصعد إلى السماء وسيعود بنفسه إلى الأرض. لذلك، سأل كهنة اليهود وشيوخهم يحيى (عليه السلام) عن هؤلاء الأشخاص الثلاثة الموعودين، وأرادوا معرفة أيّهم هو.
ينكر يحيى (عليه السلام) صراحةً أنه المسيح أو إلياس، ثم يطرح الرسل السؤال الثالث حول "ذلك النبي"، فينكر يحيى (عليه السلام) ذلك أيضًا، مشيرًا إلى أن "ذلك النبي" سيأتي بعده، ويقول: "ذلك النبي أقوى مني".
الموضوع الذي ذكرناه في بداية هذه الحلقة هي: من هو "ذلك النبي الموعود"؟ هل المسيح (عليه السلام) هو النبي الموعود أم محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله)؟ من هو النبي الأقوى على الإطلاق والذي لا يرى يحيى (عليه السلام) نفسه أهلاً لحل خيوط نعليه؟ كثير من المسيحيين يقولون إنه عيسى (عليه السلام)، ابن مريم العذراء. والمسلمون يعتبرون ذلك النبي هو محمد بن عبد الله، ولا يزال كثير من اليهود ينتظرون ظهور "ذلك النبي".
هناك دلائل على أن "ذلك النبي" لم يكن هو عيسى عليه السلام، مع أن ظهور عيسى عليه السلام كان موعودًا به. نظراً للحوار الذي رويناه بين شيوخ اليهود والنبي يحيى عليه السلام فلو كان المسيح هو النبي الموعود، فهل كان من المنطقي أن يسأل كبار اليهود عنه مرة، ثم، عندما يقول النبي يحيى صراحةً أنه ليس المسيح، فيسألوه مرة أخرى عما إذا كان هو "ذلك النبي"؟ هذا يدل بوضوح على أن المسيح في نظر كبار اليهود كان شخصًا آخر غير "ذلك النبي". ومن الدلائل أيضًا أن النبي يحيى عليه السلام عندما سُئل عن "ذلك النبي"، قال: "سيأتي بعدي".
ولعلنا لو علمنا أن عيسى عليه السلام وُلد بعد يحيى عليه السلام، لظننا أن يحيى كان يقصد النبي الذي سيأتي بعده، أي المسيح. مع ذلك، يجب الانتباه إلى أن عيسى (عليه السلام) كان أصغر من يحيى (عليه السلام) بستة أشهر فقط، وأن هذين النبيين الإلهيين كانا يعملان بالتزامن معا على هداية الناس. لذا فإن عيسى (عليه السلام) ليس نبيًا جاء بعد يحيى (عليه السلام).
بالإضافة إلى ذلك، إذا قبلنا الرواية القرآنية عن حديث عيسى (عليه السلام) في المهد، يجب القول إنه كان نبيًا منذ لحظة ولادته. ووفقًا للآيات القرآنية في سورة مريم، فإن عيسى (عليه السلام) خاطب الكهنة وهو في المهد مولودًا جديدًا، فعرّف نفسه بأنه نبي الله. بينما كان يحيى (عليه السلام) آنذاك يبلغ من العمر ستة أشهر فقط. كان يحيى (عليه السلام) أيضًا نبيًا في صباه ، ولكنه بالتأكيد لم يبعث نبيًا وهو بعمر ستة أشهر.
هناك مثال آخر يمكن اعتباره دليلًا على أن عيسى بن مريم(عليهما السلام) لم يكن ذلك النبي الموعود، هو نفس المقطع من إنجيل يوحنا الذي ذكرناه في بداية البرنامج .
ذكرنا أن الناس عندما رأوا عيسى (عليه السلام) يُطعم جمعًا غفيرًا بقليل من الطعام، ثم كثر، قالوا: "هذا هو النبي الذي جاء إلى العالم". ولكن لما علم عيسى أنهم سيأتون ويجبرونه ليكون ملكاً، انصرف إلى الجبل وحده.
لو كان عيسى (عليه السلام) هو النبي الموعود، لما كان عليه أن يُعارض طلب الناس. فوفقًا لنص التوراة، جاء ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص لاستقبال عيسى (عليه السلام)، وآمنوا به جميعًا بعد رؤية المعجزة، وهذه هي أفضل فرصة لأي نبي لتحقيق رسالته. ولكن لماذا رفض عيسى (عليه السلام) إصرارهم على الذهاب إلى الجبل وحده ليعبد الله؟
يبدو منطقيًا القول إن النبي عيسى حاول أن يفهم بعدم قبوله دعوة الناس، بأنه ليس "النبي الموعود"، وأن على الناس انتظار نبي آخر. يبدو هذا التفسير أكثر أهميةً عندما نعلم أنه وفقًا لنص الإنجيل، بشّر عيسى (عليه السلام) أتباعه بظهور "معزٍّ" آخر. في إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع عشر، الفقرة ١٦، نقرأ: " وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ
ويُذكر في القرآن أيضًا أن عيسى (عليه السلام) بشّر أصحابه بمجيء نبي اسمه "أحمد". حيث جاء في سورة الصف، الآية ٦:
«وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ....»
كل ما ذكرناه حتى الآن يدل على أن جميع الشعوب والأمم تنتظر نبيًا منذ قرون، قد بشّروا بمجيئه. لذا يمكننا القول إن هذا النبي هو نبي جميع الأمم، وبما أن عيسى (عليه السلام) قد عرّف هذا النبي باسم أحمد، فقد اخترنا اسم "أحمد كل الأمم" لهذا البودكاست، وسنتعرف علي العلامات التي توفرت عند أهل الكتاب بحيث تكون كافية لتحديد و تمييز "ذلك النبي" أم لا؟.
يبدو أن الله، لو وعد عباده بقدوم نبيّ على مرّ القرون، من المفروض أنه يهيأ لهم علامت ليعرفوه، ولا يخطئوا في معرفته، ويتبعوا رسوله كما أمر الله، وينالوا النجاة. لا شك أن العباد لا يستطيعون اتباع رسولٍ ونبيٍّ يجهلونه.
فإذا لم توجد علامات يُعرف بها النبي المرسل من مُدّعي النبوة، أو لم تكن تلك العلامات كافيةً، فإنّ إعلان ظهوره عبثٌ لا طائل منه، وهو أبعد ما يكون عن الله الحكيم.
نسعى إلى استخلاص آيات هذا النبي الموعود من قلب التوراة والإنجيل، وهما أقدم الكتب الدينية. وحسب آيات القرآن الكريم، كانت هذه العلامات واضحة وجليةً، حتى أنّ اليهود عرفوا النبي الموعود كما عرفوا أبناءهم.
ومن سمات معرفة الآباء لأبنائهم أن جميع الآباء يعرفون من هم آباؤهم وأجدادهم. فإذا كان اليهود والمسيحيون يعرفون نبي الإسلام كما يعرفون أبناءهم، فعليهم أن يعرفوا من هم آباء وأجداد نبي الإسلام.
تابعونا في الحلقة القادمة
وسنتناول هذه القضية بمزيد من التفصيل
شكراً لكم
وفي أمان الله