البث المباشر

"واشنطن" بين التفوق العسكري والإخفاق الاستراتيجي

الثلاثاء 30 يونيو 2026 - 21:33 بتوقيت طهران
"واشنطن" بين التفوق العسكري والإخفاق الاستراتيجي

رغم التفوق العسكري الذي أظهرته الولايات المتحدة في الحرب التي استمرت أربعين يوماً ضد إيران، فإن نتائجها أثارت تساؤلات واسعة حول قدرة واشنطن على تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية.

أظهرت الحرب التي استمرت أربعين يوماً ضد إيران، بصرف النظر عن تباين الروايات بشأن نتائجها الميدانية، حقيقة لافتة أمام الباحثين في العلاقات الدولية، تتمثل في اتساع الفجوة بين القدرة التكتيكية للولايات المتحدة وقدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

فبينما سعت واشنطن إلى تقديم عملياتها العسكرية بوصفها استعراضاً للقوة ومحاولة لإعادة ترسيخ معادلة الردع، تكشف العديد من التقييمات الصادرة عن وسائل إعلام ومراكز أبحاث غربية أن تلك العمليات لم تُترجم إلى المكاسب السياسية التي كانت الإدارة الأمريكية تأمل في تحقيقها.

وفي هذا السياق، استخدم موقع Defense One مصطلح "العمى الاستراتيجي" لتوصيف أحد أبرز مواطن الخلل البنيوية في السياسة الخارجية الأمريكية؛ وهو الخلل الذي يدفع صناع القرار إلى اعتبار النجاحات العسكرية الآنية انتصاراً نهائياً، في حين تسير التداعيات السياسية والجيوسياسية بعيدة المدى في اتجاه مختلف تماماً.

 

الفرق بين الانتصار التكتيكي والنجاح الاستراتيجي

في الفكر العسكري، لا تُعد العمليات القتالية غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف سياسية. فمنذ طرح كارل فون كلاوزفيتز نظريته الشهيرة بأن الحرب هي "امتداد للسياسة بوسائل أخرى"، باتت قيمة أي عملية عسكرية تُقاس بمدى إسهامها في تحقيق الغايات السياسية، لا بحجم الدمار الذي تُخلّفه.

غير أن إحدى الإشكاليات المزمنة في السياسة الخارجية الأمريكية خلال العقدين الأخيرين تمثلت في استبدال المعايير الاستراتيجية بالمؤشرات العملياتية. فعدد الطلعات الجوية، وحجم القصف، وعدد الأهداف المدمرة أو القادة الذين تمت تصفيتهم، قد تعكس نجاحاً ميدانياً، لكنها لا تعني بالضرورة تحقيق النصر في الحرب.

وقد أكدت تجارب أفغانستان والعراق وليبيا هذه الحقيقة؛ إذ نجحت الولايات المتحدة مراراً في فرض تفوقها العسكري، لكنها أخفقت في تحويل هذا التفوق إلى نظام سياسي مستقر أو إلى نفوذ استراتيجي دائم.

 

الحرب الأربعينية وكشف الفجوة الاستراتيجية

جاءت الحرب الأخيرة لتعيد إنتاج النمط ذاته. فقد راهنت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على أن توجيه ضربات عسكرية واسعة سيؤدي إلى تغيير موازين القوى الإقليمية وإضعاف قدرة إيران على الردع، إلا أن مجريات الأحداث أثبتت أن المعادلات السياسية في المنطقة لا تخضع بالضرورة للنتائج العسكرية المباشرة.

فمع انتهاء الحرب، بقيت إيران لاعباً رئيسياً في معادلات الأمن الإقليمي، ولم تتحقق معظم الحسابات الأولية لواشنطن. فلم يشهد النظام الإقليمي تحولاً جذرياً، ولم يُستبعد محور المقاومة من المشهد، كما لم تصل منطقة غرب آسيا إلى مستوى الاستقرار الأمني الذي كانت الولايات المتحدة تتطلع إليه.

وفي المقابل، أفرزت الحرب أزمات جديدة تحمّلت واشنطن جانباً كبيراً من أعباء إدارتها.

 

ارتفاع كلفة الولايات المتحدة

من أبرز نتائج الحرب ارتفاع الكلفة التي تكبدتها الولايات المتحدة على أكثر من مستوى.

فعسكرياً، اضطرت واشنطن إلى الإبقاء على جزء كبير من قدراتها اللوجستية، ومنظوماتها الدفاعية، وقطعها البحرية، وقواتها في المنطقة، الأمر الذي زاد الضغوط على ميزانيتها الدفاعية.

أما اقتصادياً، فإن أي تصعيد في غرب آسيا ينعكس مباشرة على تكاليف التأمين والشحن البحري، وسلاسل إمداد الطاقة، واستقرار الاقتصاد العالمي، وهي أعباء تتحمل الولايات المتحدة وحلفاؤها جانباً مهماً منها.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها مضطرة إلى استنزاف جزء كبير من رصيدها السياسي في احتواء تداعيات أزمة أسهمت هي نفسها في صنعها.

 

تراجع هامش المناورة الأمريكية

ومن النتائج البارزة أيضاً تقلص هامش الحركة أمام الولايات المتحدة في المنطقة. فكلما اتسعت دائرة التوتر، ازدادت القيود المفروضة على خيارات واشنطن.

فاحتمالات اتساع رقعة الحرب، وهشاشة القواعد العسكرية الأمريكية، والمخاطر التي تهدد طرق إمدادات الطاقة، وضغوط الرأي العام الداخلي، وهواجس الحلفاء الإقليميين، كلها عوامل حدّت من قدرة صناع القرار الأمريكي على المناورة.

وبذلك، أصبح استخدام القوة العسكرية أكثر كلفة من السابق، وهو ما يعدّه كثير من المحللين مؤشراً على تآكل القدرة الهيمنية الأمريكية.

 

اتساع الفجوة داخل التحالف الغربي

ويلفت Defense One إلى نتيجة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في تعمق التباينات بين الولايات المتحدة وحلفائها.

ففي العديد من المحطات، اتخذت واشنطن قراراتها من دون توافق كامل مع شركائها الأوروبيين أو بعض حلفائها الإقليميين، الأمر الذي جعل هؤلاء يجدون أنفسهم في مواجهة تداعيات أمنية واقتصادية لحرب لم يكونوا شركاء رئيسيين في قرار إطلاقها.

وقد برزت هذه الخلافات في تنامي المخاوف الأوروبية بشأن أمن الطاقة، واحتمالات توسع الحرب، والانعكاسات الاقتصادية للأزمة.

ومع رور الوقت، قد يؤدي هذا المسار إلى تراجع ثقة الحلفاء في القيادة الأمريكية، إذ كلما ارتفعت كلفة الانخراط في سياسات واشنطن، تراجعت دوافع الشركاء للاستمرار في الاصطفاف خلفها.

 

أزمة الردع

كان أحد الأهداف الرئيسية للولايات المتحدة يتمثل في استعادة مصداقية الردع، غير أن نتائج الحرب أثارت تساؤلات جديدة حول هذا المفهوم.

فالردع لا يقوم على التفوق الناري وحده، وإنما على القدرة على تغيير سلوك الخصم. وإذا لم تؤد العمليات العسكرية إلى تعديل سلوك الطرف المقابل، أو أسهمت في تعزيز إرادته على الصمود والمواجهة، فإن الحديث عن نجاح الردع يصبح موضع شك.

ولهذا يرى عدد من المحللين أن الحرب الأخيرة كشفت حدود القوة الأمريكية أكثر مما أعادت ترميم قدرتها الردعية.

 

"العمى الاستراتيجي"... أزمة مزمنة في السياسة الأمريكية

لا يقتصر مفهوم "العمى الاستراتيجي" على الإخفاق الاستخباراتي، بل يشير إلى العجز عن استشراف النتائج بعيدة المدى للقرارات.

فعندما تُعرّف قوة عظمى النجاح من خلال المؤشرات العسكرية الكمية فقط، فإنها قد تنتصر في ساحة القتال، لكنها تخسر في ميدان السياسة.

وتؤكد تجارب أفغانستان والعراق وليبيا، والآن الحرب الأربعينية ضد إيران، أن الولايات المتحدة لا تزال أسيرة هذا النمط؛ إذ تركز بصورة مفرطة على الأدوات العسكرية، مقابل اهتمام محدود بالتداعيات السياسية والاجتماعية والجيوسياسية لتحركاتها.

 

خلاصة القول

أعادت الحرب الأربعينية التأكيد على أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة تحقيق التفوق الاستراتيجي. فالعملية العسكرية لا تُعد ناجحة إلا إذا حققت الأهداف السياسية المرسومة، وحافظت على تماسك التحالفات، وخفضت كلفة الصراعات المستقبلية، ووسّعت هامش حركة صناع القرار.

أما إذا اقتصر تقييم الحرب على عدد الضربات الجوية، أو حجم الدمار، أو كثافة النيران، فقد تبدو بعض الإنجازات العسكرية نجاحات مؤقتة. لكن عند اعتماد معايير استراتيجية، مثل إعادة تشكيل ميزان القوى، وترسيخ النظام الإقليمي المنشود، والحفاظ على المصداقية الدولية، وتقليص الكلفة، وتعزيز التحالفات، فإن الصورة تبدو مختلفة تماماً.

ومن هذا المنطلق، فإن مصطلح "العمى الاستراتيجي" لا يصف خطأً عابراً، بل يعكس نمطاً متكرراً في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث تتكرر النجاحات العملياتية من دون أن تتحول إلى مكاسب سياسية واستراتيجية مستدامة.

 

مهر

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة