ومع إعلان البحرية الإيرانية عن تطوير تكتيكات متقدمة في مجال زرع الألغام البحرية ونشر منظومات حديثة، بعثت طهران رسالة ردع عملية إلى مجموعات السفن الأمريكية عالية الكلفة المنتشرة في الخليج الفارسي.
وتشكّل هذه التكتيكات، التي تُنفَّذ من السواحل الإيرانية، أحد أبرز أدوات الردع الفاعل، إذ لا تقتصر على تقييد حركة الأساطيل المعادية، بل تفرض عليها تهديدًا مباشرًا يؤثر في قدراتها وحرية عملياتها.
وتتميّز هذه الإجراءات بإمكانية تنفيذها بسرعة عالية ومن دون الحاجة إلى قطع بحرية قتالية، ما يبرز قدرة إيران على تقييد حرية عمل الأساطيل المعادية. وكانت وكالة «فارس» قد تناولت في تحليل موسّع هذا البعد من القدرات البحرية الإيرانية، وقدّم «بارس تودي» خلاصة لأبرز ما جاء فيه.
يأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد التحركات العسكرية الأمريكية في غرب آسيا وتعزيز الوجود البحري لواشنطن قرب المياه الجنوبية لإيران، حيث تشير تقديرات استراتيجية إلى تفعيل خيارات الردع البحري الإيرانية في حال تصاعد التهديدات العسكرية.
وتندرج هذه الخيارات ضمن عقيدة الدفاع غير المتماثل واستراتيجية منع الوصول/المنع المناطقي (A2/AD). ومن أبرز السيناريوهات المطروحة في هذا الإطار، توظيف قدرات حرب الألغام البحرية في الخليج الفارسي ومحيط مضيق هرمز، بوصفها من أكثر الأدوات فاعلية في تقييد العمليات البحرية للأساطيل المعادية.
ويُعدّ الخليج الفارسي، من منظور الجغرافيا العسكرية، أحد أكثر البيئات العملياتية تعقيدًا في العالم، نظراً لمحدودية عمق مياهه، وكثافة حركة السفن العسكرية والتجارية، وضيق مسارات الملاحة، إضافة إلى وجود مضيق هرمز بوصفه عنق زجاجة استراتيجياً.
وفي مثل هذه البيئة، فإن أي خلل في أمن خطوط الملاحة قد يمتد أثره من البعد العسكري إلى أسواق الطاقة العالمية وأمن الملاحة الدولية، ما يفسّر المكانة الخاصة للخليج في الحسابات الجيوسياسية للقوى الكبرى.
وتُظهر مراجعة تطورات البنية الدفاعية البحرية الإيرانية خلال السنوات الماضية أن حرب الألغام باتت عنصرًا محوريًا في استراتيجية الردع، إذ تركز على رفع كلفة العمليات على القوات المهاجمة، وتقليص حرية مناورتها، وخلق حالة من عدم اليقين في ميدان العمليات.
وتمتاز الألغام البحرية بانخفاض كلفتها التشغيلية مقارنة بالمنظومات القتالية الثقيلة، مقابل تأثير مرتفع على خطوط عبور السفن، ما يمنحها دورًا رئيسيًا في عقائد الدفاع غير المتماثل.
وفي حال تصاعد التهديدات، فإن الانتشار الموجّه للألغام في مسارات الملاحة المحدودة قد يفرض تحديات عملياتية جسيمة على الأساطيل المهاجمة. وتستند هذه المقاربة إلى خبرات سابقة، من بينها اصطدام ناقلة النفط الأمريكية «بريجتون» عام 1987، والفرقاطة «صموئيل بي. روبرتس» عام 1988، بألغام بحرية، وهي حوادث أبرزت فعالية هذا السلاح وانعكاساته الدولية.
وتشير المعطيات إلى اعتماد إيران على منظومة متكاملة تشمل مراقبة ميدان المعركة عبر رادارات ساحلية، ووسائل رصد إلكتروني، وطائرات مسيّرة، وحساسات تحت سطح البحر لتحديد مناطق زرع الألغام، إضافة إلى إنشاء مناطق عالية الخطورة في الممرات البحرية الرئيسية ومحيط مضيق هرمز. كما تُدمج الألغام مع طبقات ردع أخرى، مثل الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة القتالية، ووسائل الحرب الإلكترونية، لزيادة تعقيد بيئة العمليات.
وتتحدث تقارير غربية عن ألغام ذكية وتحت سطحية مزودة بحساسات صوتية ومغناطيسية وهيدروديناميكية، فيما أظهرت مناورات «الرسول الأعظم 19» أسلوباً جديداً لزرع الألغام من البر باستخدام راجمات «فجر-5»، ما يتيح نشر مئات الألغام في وقت قصير مع تقليل قابلية الاستهداف.
ولا تقتصر تداعيات هذا النهج على الجانب العسكري، إذ قد تؤدي إلى اضطرابات في نقل الطاقة، وارتفاع كلفة التأمين البحري، وتقلبات في أسواق النفط العالمية. كما تُعدّ عمليات مكافحة الألغام معقدة وباهظة الكلفة، وتشكل تحدياً حتى للقوات البحرية المتقدمة.
ويخلص التحليل إلى أن إيران تطوّر حرب الألغام البحرية كجزء من استراتيجية ردع محسوبة ضمن عقيدة A2/AD، بهدف رفع كلفة أي عمل عسكري محتمل إلى مستوى غير مقبول، وتقييد حرية عمل الأساطيل المعادية في الخليج الفارسي ومضيق هرمز، ودفعها إلى موقع ردّ الفعل بدل المبادرة.