متى ألف الكتاب المقدس ومن هم مؤلفوه؟.
مرحبا..
أنتم تستمعون إلى الحلقة الرابعة من مراجعتنا لكتاب "اختراع الشعب اليهودي". بقلم الكتاب شلومو ساند، الأستاذ في جامعة تل أبيب.
ما دفعنا إلى قراءة هذا الكتاب هو أنه يتحدى كل الأسس والادعاءات التاريخية للصهاينة في إنشاء دولة وهمية في فلسطين المحتلة.
إن عدوان الكيان الصهيوني على غزة وقتل الفلسطينيين لفت انتباه الرأي العام العالمي إلى التاريخ الزائف لإسرائيل.
في العقود القليلة الماضية حاول الصهاينة تبرير احتلال أراضي الشعب الفلسطيني وقتله وتشريده من خلال تشويه التاريخ وتحريفه و إظهار نفسه على أنه ضحية. إلا أن عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول/أكتوبر، وبعد 17 عاما من الحصار المفروض على قطاع غزة، والرد الإسرائيلي الظالم على هذه العملية، كل ذلك كشف للرأي العام العالمي حقيقة الصورة القاتمة لإسرائيل وأكاذيب الصهاينة وخداعهم.
في هذا المنعطف الحرج، يجدر بنا الوقوف عند كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، الذي كتبه الأستاذ شلوموساند في جامعة تل أبيب.
وفقا لمؤلف كتاب "اختراع الشعب اليهودي" فإن الشعب اليهودي، هو مفهوم مجرد وأسطوري لا تحظى بخلفية تاريخية أو دليل عنه في المصادر التاريخية سوى المصادر التي توفرت في الفترة الحالية والعقود الماضية.
في الفصل الأول من كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، يلخص شلومو ساند أن الحركات القومية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا أدت إلى تشكيل الحركة القومية والاستعمارية لليهود والصهاينة، الذين مارسوا فيما بعد تغييرات في الكتاب المقدس وتاريخ الديانة اليهودية من أجل بناء دولة يهودية بهدف تحقيق أهدافهم الأخرى.
أما الفصل الثاني من الكتاب و تحت عنوان " الميثو تاريخ – الأسطورة:
في البداية خلق الله الشعب"، يتناول مفهوم "القومية اليهودية" ويبدأ بحديثه قائلا:
" إن التاريخ اليهودي الأول كتب في نهاية القرن الأول الميلادي على يد فلاويوس جوسيفوس".
أما الشخص الثاني الذي حاول كتابة تاريخ اليهود من زمن المسيح إلى العصر الحديث كان يعيش في القرن الثامن عشر هو الذي ذكره شلومو ساند باسم "العالم البروتستانتي".
فقد استخدم هذا العالم البروتستانتي مصطلح الـ"أمة" لليهود. ومع ذلك، عند استخدام الكلمة ، لم يأخذ في الاعتبار معناها الحديث وناقش تاريخ اليهودية كطائفة مضطهدة لرفضها قبول المسيح كمخلص.
في كتابه "اختراع الشعب اليهودي" ، يشير شلومو ساند إلى كلمات مهمة في إعادة بناء الخلفية التاريخية لإسرائيل. ويقول إن كلمة "أمة " في العبرية الحديثة تترجم إلى Leom.
هذا الأستاذ في مادة التاريخ بجامعة تل أبيب يدعو إلى التأمل والتفكير في مفهومي "الشعب" و"القومية ". ووفقا له ، فإن كلمة am أي (الناس) في العبرية القديمة ومعناها في اللغات الأخرى هي كلمة مستعملة للغاية.
ويقول أيضا إن جميع كتب التاريخ المنشورة في إسرائيل تستخدم كلمة "أمة" كمرادف لـ leom أي (الأمة). يجب أن نلاحظ أن الكتب "المنشورة" قد فعلت ذلك ، وليس الأعمال غير المنشورة!
المؤرخ الألماني اليهودي إسحاق ماركوس هو المؤلف الثالث لتاريخ اليهود. وبهذه الطريقة ، اتخذ "الباحث البروتستانتي" نموذجا له.
يوضح في الفصل الثاني من كتاب "اختراع الشعب اليهودي" عملية تحويل الكتاب المقدس إلى كتاب علماني على مدى القرون القليلة الماضية. وفقا لرؤية مدرسة كوبنهاغن ، فإن الكتاب المقدس ليس كتابا، بل إنه مكتبة كبيرة تمت كتابتها وتصحيحها على مدى ثلاثة قرون أي من نهاية القرن السادس إلى بداية القرن الثاني قبل الميلاد.
من القضايا المهمة التي يشير إليها مؤلف "اختراع الشعب اليهودي" في الفصل الثاني من كتابه أن الكتاب المقدس اليهودي كتب بأيد بشرية ، ونقطته المهمة هي: "لا يمكننا أن نقول على وجه اليقين متى كتب الكتاب المقدس ومن هم مؤلفوه".
في كيفية إنشاء تاريخ القومية اليهودية ومفهومها ، يشير ساند إلى قضية اليهود الألمان وتأريخ الشعب اليهودي. على سبيل المثال ، يقول إنه في العقدين الأولين من القرن التاسع عشر، كانت الصورة التي تستقر في ذهنية المثقف اليهودي الألماني عن نفسه صورة ثقافية ودينية أكثر منه سياسية.
في ذلك الوقت، لم يرغب اليهود المتنورون التغاضي عن تميزهم الثقافي وفي الوقت نفسه تمنوا أن يتم استيعابهم من قبل ألمانيا الناشئة. وهكذا، من خلال البحث في الماضي اليهودي وتسليط الضوء على جوانبه الإيجابية ، ساعد مؤلفو تاريخ القومية اليهودية في بناء جسر يسمح للمجتمع اليهودي بالمشاركة في ألمانيا المستقبلية.
في هذا المضمار، ظهرت شخصيات مثل إسحاق ماركوس يوست، الذي رأى أن إنطلاق التاريخ اليهودي لم يبدأ بتغيير دين إبراهيم أو ألواح الشريعة على جبل سيناء، بل بعودة المنفيين إلى بابل. أما مؤيدو مثل هذا النهج استدلوا بأن اليهودية التاريخية والدينية بدأت منذ تلك الفترة . يعتبر يوست أن "فترة المنفى" تمثل بداية التاريخ اليهودي، وبناء على ذلك فهذا هو أصل ومصدر تسليط الضوء على قضية المنفى في تاريخ اليهود.
وفقا لشلومو ساند ، فقد كانت أرض اليهود في الماضي البعيد ، "بابل" أو "إيران". في حين خلال فترة يوست الذي كان يكتب تاريخ شعبه ، كانت أرض اليهود بشكل عام "ألمانيا ما بعد نابليون".
كان يوست على دراية جيدة بالعلامات الأولى للقومية الألمانية، ومثل معظم اليهود المتعلمين ، سعى للانضمام إليها من خلال طرق غير مباشرة. وبالتالي أضطر هذا المؤرخ اليهودي على إعادة بناء تاريخ بني إسرائيل، بدوافع فكرية وتنويرية مختلفة تماما.
وفقا لشلومو، فقد حدد يوست بكل وضوح مبادئ القومية في عصره ، لكنه كان في شك من إمكانية تعايش اليهود مع غيرهم بين الشعب الألماني الناشئ ، وقد تفاقمت شكوكه تلك بسبب موجة التحفظ في ثلاثينيات القرن التاسع عشر بكل تياراتها المعادية لليهود.
في قسم من كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، يقول هذا الباحث في التاريخ:
"من إيزاك يوست إلى ظهور المبتكر العظيم هاينريش غريتز، أصبح العهد القديم نقطة الانطلاق لاختراع كلمة "الأمة اليهودية"، وهو اختراع أصبح ذا أهمية متزايدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
في خمسينيات القرن التاسع عشر تم نشر المجلدات الأولى من تاريخ اليهود من العصور القديمة إلى الوقت الحاضربعنوان (History of the Jews) لكاتبه "إينريش غيرتز".
في نظرية غيرتز، هناك مشكلة هي عبارة عن عدم بقاء عرق من الأعراق اليونانية واللاتينية التي تم دمجها في مجموعات بشرية أخرى، لكن العرق اليهودي نجح في بقائه. وأن الشعب اليهودي هو الشعب الذي سينقذ البشرية جمعاء في النهاية.
أصبح كتاب غيرتز بأدبه المذهل خارطة طريق لليهود الأوائل الذين احتلوا فلسطين. على الرغم من أن غيرتز لم يكن صهيونيا بالكامل، إلا أنه أنشأ إطارا وطنيا لكتابة التاريخ اليهودي. ونجح في خلق سرد موحد أوصل بالتعددية المزعجة إلى أقل مستوياته وبالتالي قدم خدمة لا مثيل لها لإسرائيل.
المؤرخ الإسرائيلي المهم الآخر هو سيمون دوبنوف ، الذي تركت أنشطته تأثيرا مهما على كتاب "اختراع الشعب اليهودي". فبعد وفاة غيرتز في عام 1891 ، كتب دوبنو ، الذي التحق بمدرسة الحاخامات، نعيا مؤثرا لتكريس نفسه لتاريخ إخوانه في الدين ، أو بتعبير شلومو ساند ، "لتكريس نفسه لليهود وتسجيل تاريخهم من الوقت الذي خرجوا فيه من البَرِّ إلى العصر الحديث ".
لم يعتقد دوبنو أنه من الممكن أو المناسب نقل جماهير كبيرة من الناس إلى فلسطين من أجل بناء دولة خاصة بهم ، لكنه أراد خلق بيئة حكم ذاتي كامل للشعب اليهودي الذي كان يعيش فوضى متدهورا.
وفقا لساند، كان دوبنو أول مؤرخ في التاريخ الصهيوني ذا نهج براغماتي حوّل لاحقا الإيمان الديني إلى أداة في تعريف الهوية القومية اليهودية. كان غيرتز قد فصَلَ التاريخ اليهودي تماما عن بيئتهم ، لكن دوبنو سعى إلى ربطه بالمجتمعات التي يعيش فيها اليهود.
في أعمال دوبنو يكثرالحديث عن الأسس الوطنية ، وفي هذا الصدد، طلب اختيار قصص من الكتاب المقدس والعهد القديم تتفق إلى حد ما مع الواقع، كما طلب أن يتم اعتبار القصص الأخرى التي عرضت الماضي بتفسيرات رمزية، قصصا مجازية.
تم تبني هذه الاستراتيجية السردية من قبل جميع المؤرخين الصهاينة الذين تبعوه. بعبارة أخرى ، فإن الكتاب المقدس مليء بالفعل بالحكايات الخيالية ، لكن جوهره التاريخي أصيل. أراد دوبنو أن يرجع ولادة "القوم" إلى أبعد تاريخ ممكن ، مؤكدا أن "تاريخ إسرائيل" بدأ في القرن العشرين قبل الميلاد.
"مختبر تدوين التاريخ " هو مصطلح استخدمه شلومو ساند لوصف أسلوب كتابة التاريخ لدوبنو، ويعتقد أن تخصيص مثل هذا الزمن البعيد إلى رواية العهد القديم يتطلب تأكيد الاكتشافات الأثرية الجديدة ، يقول ساند في هذا الإطار:
"كان من الضروري فقط أن تعرف كيف تفسرها لتوفير أساس علمي لقصص أول قوم يهودي." كما يشير أيضًا إلى فترة كان فيها علم الآثار، مثل الكتابة التاريخية، ليس صهيونيًا بعد. تبرير دوبنو لعزلة الشعب اليهودي وتكاثرهم بعيدا عن الأضواء ، هو تبرير مادي وعصري تمامًا على عكس نهج كتب عِزرا ونحيميا.
قبل بدء التخصص في مجال التاريخ، هناك كتاب آخر لتأسيس تاريخ شامل لليهود: تحت عنوان "كتاب تاريخ إسرائيل" من تأليف "زييف ياوتس".
كان ياوتس ملتزمًا بشدة بسرد الكتاب المقدس، لأنه من ضمن أولئك الحاخامات الصهانية الذين حولوا العهد القديم من كتاب مقدس إلى كتاب وطني، وفي الوقت نفسه انتقد بشدة القراءة المادية أو الإصلاحية له.
في الفصل الثاني من كتابه يشير "شلومو ساند" إلى "ديفيد بن غوريون"، أول رئيس وزراء لإسرائيل، ويكتب في قسم "السياسة وعلم الآثار" عنه: " لقد أدرك ديفيد في وقت مبكر أنه يمكن تحويل الكتاب المقدس إلى نص وطني غير ديني." أصبحت قصص الكتاب المقدس أساس اللغة السياسية اليومية لبن غوريون، ويبدو أنه كان يرى نفسه في مرتبة النبي موسى ويشوع.
من منظار بن غوريون كانت إسرائيل الجديدة ، مملكة المعبد الثالث. يشير مؤلف كتاب "اختراع الشعب اليهودي" أيضًا إلى حلقة حصرية كانت تُعقد كل أسبوعين في منزل بن غوريون، حيث كانت النقاشات تُنقل أحيانًا في الصحف.
كانت هذه النقاشات تضم أقوال المؤرخين المحترفين والمفسرين المؤهلين للكتاب المقدس والشخصيات السياسية. من خلال دراسة كتاب "تأملات حول الكتاب المقدس" لبن غوريون، نشعر بالدهشة من ازدواجية البراغماتية السياسية الشعبوية مع الإيمان الصادق بـ "الحقيقة" القديمة. ومن المثير للاهتمام أن نعرف أن بن غوريون كان يلجأ إلى الأحكام الإلهية عند الضرورة.
مع الوصول إلى هذه المرحلة من البحث، من الجيد أن نعود إلى التاريخ ونرى كيف تصرف الإسرائيليون، على الرغم من وجود مفكرين ومؤرخين قاموا بصياغة تاريخ الشعب اليهودي، لتعزيز خطابهم.
وفقًا لما ذكره ساند، شارك "جميع النخب المثقفة" في السنوات الأولى لتأسيس دولة إسرائيل في تنمية الثالوث:" الكتاب المقدس، الأمة، والأرض".
من الأمثلة على الأعمال التي قامت بها دولة إسرائيل لتعزيز الخطاب المطلوب، أنه كان يتعين على موظفي الحكومة تغيير أسمائهم إلى العبرية، والتي كانت عادة ما تُختار من الكتاب المقدس، أو تم تسمية جميع المستوطنات الجديدة تقريبًا بأسماء عبرية قديمة.
كان تفسير شلومو ساند لهذه الأعمال لتحقيق أمرين:
"إزالة الأسماء العربية المحلية والهروب من "المنفى" الطويل الذي انتهى بظهور دولة إسرائيل".
إذا كنت تتابعنا إلى هنا، فهذا يعني أنك استمعت إلى الحلقة الرابعة من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي"، بأكملها ولهذا، نشكرك من أعماق قلوبنا!.
لقد ناقشنا الحركات القومية في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وتشكيل الحركة القومية والاستعمارية اليهودية والصهاينة، وأوضحنا أن هذه الحركات أدخلت لاحقًا تغييرات على الكتاب المقدس وتاريخ الديانة اليهودية من أجل بناء دولة يهودية من أجل تحقيق أهدافها الأخرى، وحولت الكتاب المقدس في الواقع إلى كتاب غير ديني وسياسي.
نأمل أن تكونوا قد انتفعتم من خلال الاستماع إلى هذه الحلقة،
إليكم لاحقا وسنتحدث أكثر عن كيفية اختراع الشعب اليهودي.
شكرا جزيلا على دعمكم
والسلام عليكم ورحمة الله.