البث المباشر

جواهر علوية.. الشيطان يعتمد على الأماني الكاذبة لإغواء الإنسان

السبت 11 مايو 2024 - 20:02 بتوقيت طهران
جواهر علوية.. الشيطان يعتمد على الأماني الكاذبة لإغواء الإنسان

إن الأماني الكاذبة هي الوسيلة الأهم التي يعتمدها الشيطان في إغواء الإنسان وتثبيطه عن العمل والسعي، وبها يُعمي بصيرته ويستولي على قلبه.

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "كُلُّ أمرئٍ طالِبُ أُمْنِيَّتِه ومَطْلُوبُ مَنِيَّتِه".

هكذا نقضي كل أعمارنا، نطلب أمانينا وتطلبنا منايانا، وبين الأماني والمنايا سباق لكن الجولة النهائية للمَنايا بلا شك، لأن المصير إلى الموت، وهو محقق لا محالة، بخلاف الأماني التي لا تتحقق في الأعم الأغلب، وإن تحقق بعضها فإنها لا تدوم، وقد نكتشف مع الأيام أن الذي مَنَّينا أنفسنا به كان من الخير لنا أَلّا نفوز بها. 

هذا طبعا فيما يخص أماني الدنيا، إذ يجب أن نميِّز بينها، فمن الأماني ما تكون مستحيلة، ومنها ما يكون ممكناً، ومنها ما يكون صالحاً ومنها ما يكون غير صالح، ومنها ما يكون فيه النفع، ومنها ما يكون في الضر، فكم من أمنية أدَّت بنا إلى مَنِيَّة، وتسبَّبت بالخسران وكانت عاقبتها الندم، فأما أماني الآخرة فللمرء أن يتمنّى ما شاء له أن يتمنَّى شرط أن يؤَدّي ما كلَّفه الله به.

نعم جميعنا يقضي عمره ساعياً خلف أمانيه يريد أن تتحقق له، وأمانينا كثيرة لا حدَّ لها، كلما فزنا بواحدة رُمنا الفوز بأخرى، وقد نرجو الفوز بها كلها دفعة واحدة، لكن في الوقت عينه نكون مطلوبين للموت، المَوت الذي يسير معنا منذ ولادتنا، لا يفارقنا أبداً، لكننا نغفل عنه، تلهينا عنه تلك الأماني والآمال، وكلما تقدمنا في العمر تعظم أمانينا لكن الموت يكون أكثر اقتراباً مِنَّا.وهكذا يبقى السباق بين ما نتمنى وبين الموت حتى يأتينا بغتة، ويأخذنا على غفلة.

رُويَ أن رسول الله (ص) "أخَذَ ثلاثةَ أعْوادٍ فَغَرَسَ عُوداً بين يَدَيْهِ والآخَرَ إلى‏ جَنْبِهِ، وأمّا الثّالثُ فأبْعَدَهُ وقالَ: هَل تَدْرُونَ ما هذا؟ قالوا: اللَّهُ ورسولُهُ أعْلَمُ. قالَ: هذا الإنسانُ، وهذا الأجلُ، وهذا الأملُ يَتَعاطاهُ ابنُ آدمَ ويَخْتَلِجُهُ الأجلُ دُونَ الأملِ".

ورُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "اتَّقُوا باطِلَ الأملِ، فَرُبَّ مُسْتَقْبِلِ يومٍ ليسَ بِمُسْتَدْبِرِهِ، ومَغْبُوطٍ في أوَّلِ لَيلِهِ‏ قامَتْ بَواكِيهِ في آخِرِهِ" وعنه (ع) أنه قال: "اتّقُوا خِداعَ الآمالِ، فكَمْ مِنْ مُؤَمِّلِ يومٍ لَم يُدْرِكْهُ، وبانيِ بِناءٍ لَم يَسْكُنْهُ، وجامِعِ مالٍ لَم يَأكُلْهُ".

لا يفوتني في هذا المجال أن أوضح أن الأماني وإن كانت قريبة في معناها من الأمل لكنها غالباً ما تُطلَق على الأماني الباطلة الكاذبة، وَالتَّمَنّي كما يقول الراغب الأصفهاني: تَقديرُ شَيءٍ فِي النَّفسِ وتَصويرُهُ فيها، وذلِكَ قَد يَكونُ عَن تَخمينٍ وظَنٍّ، ويَكونُ عَن رَوِيَّةٍ وبِناءٍ عَلى أصلٍ، لكن لَمّا كانَ أكثرُهُ عَن تَخمينٍ صارَ الكَذِبُ لَهُ أمْلَكَ، فَأَكثَرُ التَّمَنّي تَصَوُّرُ ما لا حَقيقَةَ لَهُ، وَالأُمِنيَةُ: الصّورَةُ الحاصِلَةُ فِي النَّفسِ مِن تَمَنِّي الشَّيءِ، ولَمّا كانَ الكَذِبُ تَصَوُّرَ ما لا حَقيقَةَ لَهُ وإيرادَهُ بِاللَّفظِ صارَ التَّمَنّي كَالمَبدَأ لِلكَذِبِ.

ولهذا اعتبرت الروايات الشريفة الأماني بضاعة النَّوكى (الحَمقى) كما جاء عن الإمام أمير المؤمنين (ع) فالعاقل هو الذي يُؤَمِّل ويبني آمله على مقدمات فكرية وعقدية سليمة، وقراءة للواقع الخارجي، ويعمل في نفس الوقت لتحقيق آماله، أما الأحمق فهو الذي يستسلم للأماني وحسب، يُمَنِّي نفسه بما لا يكون من مثله، أو لا يعمل لتحقيق أمانيه بل يريدها أن تتحقق له من تلقاء نفسها، أو على يدي غيره من الناس.

والحقُّ أن الأماني الكاذبة'> الأماني الكاذبة هي الوسيلة الأهم التي يعتمدها الشيطان في إغواء الإنسان وتثبيطه عن العمل والسعي، وبها يُعمي بصيرته ويستولي على قلبه، فقال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴿118﴾ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴿119﴾ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴿120/ النساء﴾.

 

 

السيد بلال وهبي

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة