البث المباشر

العطار النيشابوري.. رائد الأدب العرفاني الفارسي

السبت 13 إبريل 2024 - 13:13 بتوقيت طهران
العطار النيشابوري.. رائد الأدب العرفاني الفارسي

يعد فريد الدين العطار النيشابوري من أبرز شعراء إيران القدامى والذي كرس جل اهتماماته في سبيل نشر ثقافته العرفانية من خلال آثاره الأدبية، فهو رائد الأدب العرفاني الفارسي فجميع نتاجات الشاعر تتضمن تفسيرا لبعض المفاهيم العرفانية.

ويصادف يوم 14 ابريل في التقويم الايراني يوم تكريم ذكرى الشاعر الايراني الكبير الشيخ فريد الدين العطار النيشابوري الذي تحوّل الي رائد في الأدب العرفاني مستلهماً من الدين والعرفان، فضلاً عن كون تفكيره وتعقله كنزاً يُظهر بحد ذاته الفكر الايراني الاسلامي أمام العالم.

حياته
وكان اسمه «محمد» ولقبه «فريدالدين» وكنيته «ابوحامد» من مواليد عام 540 هجري، سُمي في أشعاره بـ«العطار» وكذلك بـ«فريد» وكان والده «إبراهيم كدكني» واُمه «رابعة» ولاتتوفر معلومات عن أيام طفولته سوي أن والده كان يعمل عطاراً في مدينة «شادياخ» وواصل هو بنفسه هذه المهنة بعد وفاة والده.

ورأي بعض المؤرخين أن ميلاده كان عام 512 أو 513 هجري قتل علي يد المغول في مدينة نيسابور الايرانية التي أمضى بها ثلاثة عشر عاماً من ايام طفولته وقد أشار عطار في آخر أشعاره أنه في سن السبعين ونيف وهذا ما يدل علي أنه عاش بين 70 و80 سنة، ما يعني أنه قد يكون من مواليد عام 540 هجري.

إن فريد الدين العطار شاعر فارسي متصوف مميز فضلاً عن كونه فيلسوفاً و عالماً في الرياضيات ومنجماً عاش اواخر القرن الخامس الهجري (القرن الثاني عشر الميلادي).

وأكثر عطار النيشابوري من الترحال، فزار الري والكوفة ومصر ودمشق ومكة والمدينة والهند وتركستان ثم عاد فاستقر في «كدكن» قريته الأصلية واشتغل 39 سنة من حياته في جمع أشعار الصوفية وأقوالهم.

ومن كتبه المتأخرة كتاب اسمه مظهر العجائب وهو عبارة عن منظومة في مدح الامام علي بن أبي طالب(ع) إضافة الي كتابه الشهير «منطق الطير».

الشيخ العطار شاعر أبي النفس لم يفتح فمه بمدح الامراء والوزراء ولم يتزلف الى السلاطين والمتنفذين كما هي عادة الشعراء آنذاك ولم يجعل من شعره وابداعاته الشعرية والفنية وسيلة للارتزاق والتكسب، بل فضل العيش متواضعا بعيدا عن البلاطات والقصور والارتزاق من كد يده، ومن مهنته المحببة الى نفسه وهي العطارة او الطبابة والصيدلة.

وكان يتخلص في قصائده بالعطار، على اعتبار انه كان يمتهن «العِطارَة» أي بيع الادوية وصناعتها وتلقب في أشعاره أيضا باسم «فريد».

وورد في بعض كتب التراجم المتأخرة انه قد تتلمذ في الطب علي يد الحكيم مجد الدين البغدادي، وهو الطبيب الخاص بالسلطان محمد خوارزم شاه، ومن كبار مشايخ التصوف. لكن لا يعتقد ان العطار قد اخذ الطب عنه، حيث لم يرد مثل ذلك في اقدم الكتب التي ترجمت له مثل كتاب «لباب الالباب» للعوفي المعاصر له.

وكان العطار يعد نفسه من سالكي طريق الحقيقة الحقيقيين، ويعتقد بنظرية وحدة الوجود والاتحاد مع الحق، والمحو والفناء فيه. وكان ايمانه العميق بهذه الفكرة قد خلق لديه حالة الاستغناء الكامل عن اي احد غير الله، ولم يعد لديه من امل وتطلع سوى الى مشاهدة جمال الحق والفناء‌ في كماله. ولهذا لم يكن يعبأ بامراء عصره والحكام الذين كان يتزلف اليهم الشعراء المعاصرون له، ولم يشر في شعره الى اي منهم مادحا او ذاما.

كما كانت لغته الأدبية لغة سلهة وفصيحة، وكان يعبر عن كل خاطرة وفكرة بشكل بسيط وبعيد عن التكلف، وهو اسلوب ربما اقتصر عليه وانفرد به دون غيره. اضف الى ذلك ما كان يعرف به من قوة خيال وباع طويل في خلق المعاني، وتقديم المعاني القديمة باسلوب رائع بحيث كانت تبدو وكأنها معان جديدة.

وقام «ج. اچ. هيندلي» القديس المسيحي من معهد منشستر عام 1819 للميلاد بتنقيح جميل ورائع لنص كتاب «بند نامه» لعطار النيسابوري أي «كتاب النصائح»، تم طبعه في لندن.

وكانت إحدي أهم الشخصيات الاوروبية التي ساهمت جداً في التعريف بهذا الشاعر الايراني في الغرب «سيلوس‌تر دوساسي» المستشرق الفرنسي في المنتصف الثاني من القرن ال18 الميلادي وبدايات القرن التاسع عشر، الذي ترجم كتاب « بند نامه» وطبعه.

وتلت هذه الترجمة، ترجمة ثانية لكتاب «بند نامه» الي اللاتينية قام بها «غابريل غايتلين» عام 1835 ميلادي في هلسنكي وطبعها وقام ايضاً «جي. اتش. نسلمان» عام1871 ميلادي بترجمة هذه المنظومة الشعرية الي الالمانية كما ترجمت الي الروسية علي يد أكاديمي من جامعة سن بطرزبورغ عام 1821 للميلاد.

وقام المستشرق النمساوي «فن هامر بوركشتال» بترجمة أقسام من كتاب منطق الطير الي الألمانية قام بطبعها عام 1818 ميلادي في فيينا.

وبعد جيل من المستشرق الشهير «سيلوستر دوساسي» قام تلميذه البارز «جوزف اِليدور غارسن دوتاسي» بدراسات حول الشاعر العطار وكتابه «منطق الطير» وقام عام 1856 ميلادي بعرض ترجمه فرنسية منثورة عن «حكاية الشيخ صنعان» التي ألفها العطار.

ويمكن الإشارة الي غارسن دوتاسي عام 1858 كأول عالم محترف من جامعة غربية صب جل اهتمامه بكتاب منطق الطير وقدم دراسات تفصيلية موسعة ومنهجية في الغرب عن هذا الشاعر الايراني.

وترجم «ادوارد فيتزجرالد» المترجم الشهير لرباعيات خيام تزامناً مع «دوتاسي» كتاب‌ منطق الطير.

ومن الترجمات الاخري لمنطق الطير يمكن الإشارة الي ترجمة «مارغرت اسميث» و«استنلي نات» طبعتا في لندن عام 1954 فضلاً عن «هلموت رير» (1892-1971ميلادي) المستشرق الألماني الشهير الذي عرض جوانب مختلفة فكرية واعتقادية عن العطار في كتابه القيم «بحر الحياة».

صدر حديثًا كتاب 'الرباعيات المختارة لفريد الدين العطار'، ترجمة الدكتورة منال اليمني عبد العزيز وهذا الكتاب يضم خمسمائة رباعية للعطار النيسابوري كما قام الدكتور علي عباس زليخة بترجمة ديوان العطار إلى العربية.

مؤلفاته:
بندنامه: أي كتاب النصيحة، وهو كتاب صغير مجمل مليء بالمواعظ الأخلاقية، منطق الطير وهو منظومة رمزية، تذكرة الأولياء، الهي نامه، مختارنامه، خسرونامه، مصيبت نامه، جواهر نامه، شرح القلب، اشترنامه، مظهر العجائب، الديوان: يجعلونه أعلى مرتبة من المثنويات من ناحية صياغته الشعرية ومعانية المبتكرة.

وفاته
توفي هذا الشاعر الايراني خلال الغزو المغولي للعالم الاسلامي بداية القرن السابع الهجري في نيسابور ويقال أنه قتل علي يدهم، قام الشيخ بهاء الدين في كتابه الشهير «الكشكول» بعرض تفاصيل عن هذا الحادث.

ومازالت مقبرة الشيخ عطار بالقرب من نيشابور قائمة أعاد بناءها وصيانتها الوزير حسين بايقرا في عهد الأمير «علي شير نوايي» بعد أن كان قد هُدِمَت في العهد التيموري.
 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة