البث المباشر

الإنطواء

الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 - 11:41 بتوقيت طهران

إذاعة طهران-من الواقع: الحلقة 103

خبراء البرنامج: الشيخ عبد الغني عباس الباحث الاسلامي من السعودية والدكتورة أميمة عليق الأخصائية في علم النفس من لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم مستمعينا الأفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اعزائي في حلقة اليوم سوف يكون موضوعنا حول ما يعانيه بعض الأطفال من مشاكل نفسية تعيق اختلاطهم مع الآخرين وتمنع عنهم ايضاً ممارسة العديد من الألعاب من خلال المشاركة مع الأصدقاء سواء في المدرسة او في المنطقة او حتى مع أطفال الأهل والأقارب. هذه الحالة بطبيعة الحال اعزائي سوف تشكل عقبة اجتماعية خطيرة ينجم عنها تداعيات أخطر وإنعكاسات ربما تؤدي الى محو شخصية هذا الطفل او ذاك ممن يعانون من هذه الحالة والتي تؤثر بالتالي على شخصيته في الكبر وتجعله شخصاً غير فعال وغير نافع لنفسه ولمجتمعه على حد سواء، هذه الحالة هي حالة الإنطواء وحالة الإنطواء أعزائي حالة نفسية اجتماعية إرتئينا أن نستضيف لأجلها ضيفين من الخبراء والمتخصصين لكي نلقي الضوء أكثر على تداعياتها وسبل علاجها والضيفان هما سماحة الشيخ عبد الغني عباس الباحث الاسلامي من السعودية والدكتورة أميمة عليق الأخصائية في علم النفس من لبنان فكونوا معنا.
احبتي الأفاضل وسام هو الطفل الرابع بين أخوته محمود وسالم وعماد. منذ أن فتح عينيه على الدنيا وتصرفاته لاتشبه تصرفات اخوته فقد كان يعاني من العزلة وعدم الإنسجام معهم رغم أن إخوته كانوا لطيفين معه ويحبونه كثيراً ويحاولون بإستمرار إشراكه معهم في اللعب او المرح او غيرها من الأمور. ولما كبر وسام وأصبح يذهب الى المدرسة كانت الأم تأخذ بيده وتذهب به لأنه كان يرفض الذهاب لوحده او مع اخوته ولما كان يحين موعد العودة ايضاً كانت الأم تذهب لتأتي به الى البيت. تأخرت الأم عنه ذات يوم وإنشغلت في البيت فظل وسام امام باب المدرسة لايجرأ على العودة لوحده لذلك فقد أصبح موضع سخرية الآخرين من زملاءه الذين كانوا يمرون به. شعر وسام بالحرج كثيراً وكان يتمنى أن تأتي أمه بسرعة حتى تنقذه من موقفه الذي لايحسد عليه هذا. ولما جاءت إنبرى بوجهها غاضباً صارخاً بأعلى صوته ما أثار امه كثيراً وراحت تتسائل عن السبب فقال وسام: لقد أزعجني الأولاد وراحوا يوكلون لي بكلمات السخرية اللاذعة!
حاولت الأم أن تشد من معنويات ابنها وتخفف من وطئة تلك الكلمات الساخرة التي أطلقها الأولاد بحقه، فقالت له: لابأس عليك ياولدي إنهم لم يقصدوا إهانتك ولاالتقليل من شأنك، هيا تعال معي لنعود الى البيت بسرعة فعندي أعمال كثيرة. ولما وصلا أسرعت الأم الى المطبخ لإعداد وتهيئة ما يستوجب لأجل استقبال أختها وعائلتها الذين سيصلون بعد لحظات.
نعم أيها الأحبة فقد كان إخوة وسام فرحين جداً لأن ستكون خالتهم واولادها ضيوفاً عليهم هذا اليوم. فعلاً لم تمض أكثر من ربع ساعة حتى هرع الأولاد ليفتحوا الباب لإستقبال خالتهم وأولادها. عمت الفرحة أرجاء البيت وساد اللعب والمرح لقاء اولاد الخالة إلا وسام الذي كان يراقب مايجري دون أن يبادر ليشارك أحداً ولما إقتربت منه خالته لتقبله وتسلم عليه هرب وسام فأضطرت خالته لتلاحقه من باب المزاح في محاولة منها لكسر حالته النفسية التي نشأ عليها دون إخوته ودون اولاد خالته، لكن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح ولم يكتب لها التوفيق بل زادت وسام إصراراً على الإبتعاد والإنطواء على نفسه.
نعم أيها الأخوة والأخوات في يوم ما دخل الأب غاضباً وذلك بسبب تعبه في عمله ونادى على زوجته لكنها لم تجبه، نادى من جديد فتأكد له أنها غير موجودة، نادى على اولاده ايضاً كانوا غير موجودين وفجاة خرج وسام من غرفته على صرخات أبيه خائفاً مرتبكاً، حاول أن يهرب من أنظار أبيه لكنه فشل. ناداه أبوه وقال له: تعال هنا بسرعة أيها المغفل، أين امك وأين إخوتك؟ ها؟
لم يرد وسام على أبيه! ما أثار حفيظته فقال له: لو كنت قوياً كإخوتك لضربتك ولكن حجتك منذ يوم ولدت أنك ضعيف البدن وضعيف الخلقة، هيا أغرب عن وجهي، لقد أتعبتني كثيراً، منذ أيامك الأولى وأنا أحملك الى هذه المستشفى وتلك، الى هذا الطبيب وذاك. لم يرزقني الله بطفل مثل باقي أطفالي محمود وسالم وعماد والذنب ذنب أمك، لقد منحتك حناناً وعطفاً أكثر مما تستحق فجعلتك دمية تتحرك بإمرتها، لاتقوى على شيء سوى أن تأكل وتنام، حتى مع إخوتك لاتختلط ولا تعرف أن تلعب معهم. بالأمس كان اولاد خالتك هنا وقد عمت الفوضى البيت بسبب إنشغالهم باللعب إلا انت.
هذه القساوة في الكلام أعزائي المستمعين أثرت كثيراً في وسام فلم يسعه إلا أن دخل الغرفة باكياً بشدة بإنتظار عودة أمه ليرتمي في أحضانها ويشكو لها وفعلاً بعد دقائق وصلت الأم وشاهدت زوجها في المطبخ يعد شيئاً لنفسه. بادرت بالسلام عليه فعرفت من جوابه أنه غاضب فحاولت أن تساعده في إعداد ما بدأ به وخلال الحديث الذي جرى بينهما إكتشفت أن زوجها قد تهجم كثيراً على وسام بسيل من الكلمات التي ربما ستؤثر عليه كثيراً فقالت لزوجها: واين هو الآن؟ أجابها: إنه في غرفة الأولاد.
هرعت الأم الى الغرفة فوجدتها مقفلة، طرقت مرة وإثنتين، لم يفتح وسام الباب. توجهت الى زوجها لكي يكسر الباب فقد زاد قلقها وشعرت بخطر يحدق بإبنها. دفع الأب الباب فلم يفلح، ركلها ركلة قوية هذه المرة ففتحها. ولما دخلت الأم وجدت وسام في الزاوية وقد غطى وجهه بين ذراعيه يبكي ويبكي رافضاً الإستماع حتى لأمه!!
أعزائي المستمعين لقد زاد الأب من مشاكل وسام الصحية التي رافقته منذ الولادة وقد عمد الى معاملته أسوء معاملة وهذا ما زاد الطين بلة فقد تعرض وسام الى الخطر النفسي الذي أثر على شخصيته كثيراً لهذا فقد إستضفنا سماحة الشيخ عبد الغني عباس الباحث الاسلامي من السعودية للإجابة عن الآيات القرآنية التي تطرقت الى ضرورة رعاية الأولاد وضمهم بحنان لاأن نوبخهم ونقسو عليهم. وماذا على الأب أن يقوم به حين يرزقه الله بولد صحته ليست جيدة او يعاني من خلل نفسي مثلاً؟
عباس: أعوذ بالله من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وهو المعين والصلاة والسلام على محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين
في حقيقة الأمر المتأمل لجملة من الآيات القرآنية والتوجيهات الدينية يلاحظ أن الشريعة الاسلامية والشرائع الإلهية على نحو الإجمال تريد أن تبني كائناً إجتماعياً ليس كائناً منعزلاً حول ذاته ومنطوياً حول ما يتصل به ولهذا ايضاً فإن تربية الأطفال في بيوتهم ينبغي أن تلاحظ هذا المنحى بالتحديد وهي أنها تشجع على أن يكون هنالك حس اجتماعي لدى الأولاد والأطفال. ربما نلاحظ طفلاً منطوياً منعزلاً يحب أن يلعب فقط مع أجهزته الألكترونية على سبيل المثال ولايفكر أن يلتقي بأحد آخر وربما نحن للأسف نتيح له مثل هذه التصرفات، بعض الآباء على سبيل المثال لايشجعون أبناءهم على المخالطة الإجتماعية والموضوع مختلف عن ذلك إختلافاً كبيراً. حتى فيما يتصل ببعض الآيات القرآنية التي تتصل بإكرام الطفل "عسى أن نتخذه ولداً فأكرمي مثواه" أكرمي مثواه بمعنى أن الأم والأب اذا اكرموا أبناءهم فإنهم هم يبنون منهجهم التربوي على الكرامة واذا بنى الطفل حياته على منهج الكرامة فإن الكرامة تدعوه لأن لايكون ذليلاً أمام الآخرين وبالتالي يمكن له أن يتعاطى معهم تعاطياً مختلفاً عن حالة الإنطواء وعن حالة الإنعزال لهذا نلاحظ أن جملة من الروايات النبوية وعن المعصومين وعن الأئمة عليهم السلام دائماً تؤكد على مسئلة المنحى الاجتماعي. للأسف اليوم أظن أن العصر السابق فيما يتصل بالعلاقات الاجتماعية بين الأبناء هي أكثر بكثير من اليوم لأن أطفالنا للأسف في هذه الأيام أخذوا يتعلمون على جملة من هذه الألعاب الإنطوائية، الإنعزالية التي تشجع حالة الإنطواء ولاتشجع على المخالطة الاجتماعية بينما امير المؤمنين سلام الله عليه يقوم "خالطوهم مخالطة" بمعنى أن الانسان عليه أن يخالط غيره. نعم هنا ربما أن نشير الى جانب آخر وهذا الجانب لو كان عند الأب على سبيل المثال ولد ليس سليم من كل الجهات ومن الناحية الأولى لابد ان أشير الى أن الله سبحانه وتعالى سوف يعطيه ثواباً عظيماً اذا كان صابراً على هذا الولد المريض، يخطأ بعض الآباء اذا تصوروا أن هذا فيه فقط نوعاً من الألم والتعب وإنما هو نوع من الثواب العظيم الذي ينبغي أن يتوجه اليه الأب اذا كان عنده ولد مصاب بأحد الأمراض المزمنة او غير ذلك. لكن مع ذلك ينبغي عليه أن ينمي فيه حالة الحس الاجتماعي لكي يتجاوز، تلاحظون في عالم اليوم ربما الكثير من المصابين بعاهات مختلفة ربما هم حققوا إنجازات عظيمة في عالم اليوم فالإصابة ليس من حقها أن تمنع الانسان من النمو ومن النهوض وإنما ينبغي أن تدفع الانسان نحو المخالطة الاجتماعية، نحو العلاقات الاجتماعية التي على أساسها يمكن للإنسان أن يصل الى المجد والى نشاطه والى همته. اذن يمكن لنا أن نربي أبناءنا على منهج المخالطة الاجتماعية التي لاتؤثر سلباً وإنما تؤثر إيجاباً سواء على حياتنا وعلى حياة أبناء مجتمعنا بأكمله إن شاء الله رب العالمين، نسأل الله أن يوفق الجميع لكل خير ببركة الإعتماد على الله عزوجل والتوسل والتقرب من أهل بيت العصمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
بعد أن إستمعنا اعزائي الى ماقاله سماحة الشيخ عبد الغني عباس نتوجه الان الى الدكتورة اميمة عليق الأخصائية في علم النفس من لبنان لسؤالها عن التبعات السلبية التي من الممكن أن تتولد عن حالة وسام وكيف سينعكس ذلك مستقبلاً على حياته الخاصة عندما يصبح رجلاً وماهي الحلول التي يمكن أن تساهم فيها الأسرة إزاء ذلك؟
عليق: بسم الله الرحمن الرحيم
عنما نتكلم عن حلول أولاً يجب الكلام عن الأسباب، أسباب الإنطوائية متعددة منها شخصي ومنها إجتماعي، شخصي يتعلق بطبيعة الطفل يعني هناك أطفال نسميهم بطيئي التكفئة. هؤلاء لايسلموا لايضحكوا لايبحثون عن أصدقاء وهناك سرعي التكفئة، يبتسموا يقتربوا يشاركون الكلام فهذه ميزة تكون موجودة فيهم من طفولتهم حتى تبين على الطفل بعد أسبوع من الولادة، يمكن عن الدغدغة، عند الإستحمام وولد لا، يكون غاضب ولايتفاعل مع الأم هذه واحدة من الأسباب. السبب الثاني هو سبب إجتماعي له علاقة بالأهل مثلاً الولد الذي يتعرض للإنتقاد، الولد الذي يعطوه أهله أكثر من قدراته، الولد الذي يعاني من مشاكل في الدراسة او مشاكل في الحضانة مع رفاقه او حتى مشاكل في العلامات يمكن أن تؤثر كثيراً في الحالة الاجتماعية ولايحب أن يتكلم مع الآخرين. بالنسبة للمشاكل الأولى يجب على الأهل أن يعملوا برنامجاً في بعض التغييرات في اولادهم، موضوع الإنطوائية هي من المشاكل التي تنحل وليست من المشاكل التي تدوم ولكن طبعاً تعالج بشكل تمريري وبشكل علمي. لاينبغي على الأهل أن يقول هذا هو ولدي ويتركوا الموضوع، يجب طبعاً أن يتقبلوا أن هذه هي ميزته ولكن أكيد يمكن تغييره وهذه هي نقطة أساسية وهناك نقطة ترتبط بالأهل في النهاية ولها علاقة بالمجتمع. يمكن شكله وتصرفاته لايمكن أن يتقبله الآخرين ويمكن ان يتعرض الى نقد او منافسة من قبل رفاقه او السيطرة من قبل رفاقه فيكون إنطوائي إضافة الى الأهل يمكن المعلم يفهمه الكثير من المسائل لتحسين هذه الحالة. من الأهل يجب أن نحسسه بالأطفال، نحسسه بأن سلّم، تكلم او أقرأ لنا هذا الشعر الذي حفظته ويمكن أن لايستقبل الناس ويتعاطى معهم فالأهل يجب أن يخففوا الضغط عن الولد ويقدروا فروقات اطفالهم ويحاولوا تغييروه ولكن بالتدريج وبطريقة علمية وأكيد هذه مشكلة من المشاكل التي تنحل وعندما يكبروا يمكن يتعرضوا الى بعض النجاحات او بعض الظروف وبعض الأماكن والمجتمعات التي يدخلونها فتزداد ثقته بنفسه ويتعاطى على أنه هو شخص له قيمته فأكيد يتغير الأطفال وهذه حالة مجربة كثيراً أما اذا بقي كما هو واذا تعاطينا بشكل دقيق سيتغير بالتأكيد واذا فرضنا أنه بقي كما هو فالحالات الاجتماعية ويتعاطى مع أشخاص مثله وتتعزز الإنطوائية عنده وهذه عادة قليلة لأن الإنطوائيون لايتعاملوا مع بعضهم بل يتعاطى مع أشخاص يعوضوا له هذا الضعف الذي عنده او هذه الإنطوائية ويتعاطى مع أشخاص يذوب فيهم الى درجة أن شخصيته تنمحي اذا كان في إختيار إختصاصات او إختيار الزوج او التعاطي الاجتماعي مع الآخرين فأعتقد أن خلاصة الكلام أن الأهل ينتبهوا الى هذا الموضوع ومن الطفولة يتعاطوا معه بشكل ذكي وبشكل تدرجي ويحفزوا الطفل من خلال عدم الضغط عليه وعدم إنتظار منه نجاحات مختلفة عن قدراته وطبيعة مشكلته فأكيد تنحل هذه المشكلة.
في ختام حلقة اليوم نشكر لضيفينا الكريمين حسن المشاركة كما نشكر لكم اعزائي حسن الإستماع، الى اللقاء.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة