لسان الثورة – القسم الأول –

الأربعاء 9 أكتوبر 2019 - 14:53 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 69

 

أنهك الشيخ طول السير، واستبد به التعب.. توقف يستجمع قوته، قبل أن يرفع ثوبه قليلاً، ليخوض مياه النهر الذي اعترض طريقه... ثم يقول بملامح منبسطة:
- يا لها من مدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار...!
ومع اتضاح معالم دمشق أمام عينيه، راح الشيخ يمني نفسه باستراحة طويلة... فرحلته لن تنتهي هنا... فلا زال أمامه شوط طويل الى بيت المقدس...!
وعلى البعد، راحت تتناهى الى سمعه أصوات مختلطة... لم يستطع تمييزها... شيء شبيه بالضجيج أو الدوي المتصل...
أمال عمامته قليلاً، وأرهف السمع... ورويداً رويداً، بدأ يميز أصوات طبول ودفوف... ثم راح يلمح تجمع الناس هنا وهناك... وطالعته مظاهر الفرح والإبتهاج... فتعجب الشيخ وقال:
- لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن؟!
وعلى مقربة من أحد أبواب المدينة، لمح لفيفاً من الرجال يقفون... لكنه لم يجد للفرح أثرا في وجوههم، فتقدم منهم، وقال محاولاً اسباغ مسحة من المزاح على سوآله:
- يا هؤلاء؛ ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟!... تجهمت وجوه الرجال أكثر... ورد أحدهم:
- يا شيخ! نراك غريباً...! .........أجاب باعتزاز:
- أنا سهل بن سعد... قد رأيت رسول الله (ص) وحملت حديثه...!
أحاط الرجال بسهل، وقال الأول بصوت مختنق:
- يا سهل! ماأعجبك السماء لا تمطر دما، والأرض لا تخسف بأهلها...!!
أصاب الشيخ الذهول، فدنى من محدثه وهمس:
- ولم ذاك؟!... تلفت الرجل يميناً وشمالاً، قبل أن يجهش بالبكاء.. ثم يقول:
- هذا رأس الحسين،عترة رسول الله (ص)يُهدى من أرض العراق الى الشام،وسيأتي الآن.. تكدر وجه صاحب رسول الله، وقال غير مصدق:
- واعجبا..! أيهدى رأس الحسين، والناس يفرحون؟!
خطا خطوة الى الأمام إلا أنه عاد ليتساءل:
- من أي باب يدخل؟!... فرد الرجل، وهو يشير:
- من باب الساعات..! ...سارع سهل يحث الخطى نحو الباب، ونوبة من الألم الشديد تعتصر قلبه..!
مظاهر البهرجة التي حرصت سلطة آل أمية على أن تعم دمشق، لتهويل ما صورته انتصاراً حققته على آل محمد؛ انسحبت على البلاط الأموي نفسه...
فوسط الأضواء الباهرة والقعقعة الفارغة، دعي له اشراف الشام وشخصياته النافذة، في وقت كان يستقبل أيضاً مبعوث الإمبراطورية الرومانية...
كانت قافلة أسرى آل محمد، تتقدمها رؤوس الشهداء، يتلوها علي السجاد مكبل بالحديد، فالصبيان والصبايا موثقين بالحبال، فالنساء؛ تهم بدخول البلاط الأموي، عندما تقدم رجل عجوز من الإمام السجاد وعلى وجهه علامات الشماتة، وقال بتشفي:
- الحمد لله الذي قتلكم وأمكن أميرالمؤمنين منكم..!
ألقى الإمام نظرة فاحصة على الرجل وقال بتمهل:
- يا شيخ..! هل قرأت القرآن؟!... رد الرجل وقد بدت علائم التعجب عليه:
- نعم قد قرأته..! ...قال الإمام وهو يمعن النظر اليه:
- فعرفت هذه الآية: "قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى"؟
قال الرجل العجوز:
- قد قرأت ذلك...! ...فرد الإمام:
- فنحن القربى يا شيخ...! ...عاد الإمام يسأل:
- وهل قرأت في سورة بني إسرائيل: "وآت ذا القربى حقه"؟
فرد العجوز وقد تملكته الدهشة:
- نعم قرأت... فقال الإمام:
- نحن القربى يا شيخ...
وسأل الإمام ثالثة.. وتوالت أسئلته... وفي كل مرة كان العجوز يرد بالإيجاب... ثم وكمن اكتشف متأخراً أنه كان ضحية خدعة مضللة... رمق السماء بطرفه ثم أطرق حياءاً وهو يقول:
- "اللهم إني تائب إليك مما تكلمت...!" ...ثم تقهقر منسحباً وهو يهمس مع نفسه:
- "اللهم إني أبرأ إليك من عدو محمد وآل محمد...!"
هكذا تربى في حاضنته الأموية..! الا يشعر بالإنتشاء، الا بعد ان تملأ أنفه رائحة الدم العبيط...!! والا يفعم عيناه الحبور ، إلا بمشهد الرؤوس الآدمية المقطوعة...!! والا يشعر بالزهو الفارغ الا وهو يسوط بخيزرانه ألاشلاء الميتة...!!
ذلك هو يزيد خليفة معاوية... هو يستجيب لعقدته الراسخة ... بعد أن وضعت أمامه الرؤوس الشريفة للحسين وآل الحسين...!! وانه ليفعل ذلك بمرأى ومسمع من أطفال ونساء هذه الأسرة الكريمة المفجوعة... وبمحضر من رجال البلاط ومدعويّه وضيوفه الأجانب...!
ووسط الصمت المهيب الذي هيمن على المكان، انبعث صوت يزيد، بارداً رخواً متردداً:

يفلقن "هاما" من رجال أعزة

علينا، وهم كانوا أعق وأظلما


وفوجئ يزيد بأحد أعضاء الأسرة الحاكمة يرد عليه... وقد كست وجهه شحنة من التأنيب والتوتر والسخط:

لهام بجنب الطف أدنى قرابة

من ابن زياد العبد ذي الحسب والوغل

سمية أمسى نسلها عدد الحصى

وبنت رسول الله ليس لها نسل..!


فوثب يزيد ضارباً بصدره، وهو يقول:
- أسكت...!
أمسك يزيد بخيزرانته ثانية وراح ينكت رأس الحسين... وباغت الجميع صوت ضعيف لكنه صارم يقول:
- أتنكت في ثغر الحسين... لربما رأيت رسول الله يرشفه... جحضت عينا ابن معاوية غضباً، وهم أن ينادي على جلاوزته، غير أن المبعوث الرومي الذي أدهشه ما فاه به الرجل، قطع عليه متساءلا:
- يا ملك العرب...! هذا رأس من؟! ...لانت ملامح يزيد وصوته وهو يجيب:
- هذا رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، إبن فاطمة بنت رسول الله..!
ظهر الإشمئزاز والإحتقار على وجه المبعوث، وهو يقول:
- أفٍ لك ولدينك...!!.. إن أبي من أحفاد داوود (ع) وبيني وبينه آباء كثيرة، والنصارى يعظمونني...! وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم؟!!
همهم يزيد بكلام غير مفهوم، قبل أن ينهض علامة على انتهاء المجلس.
أُقتيد أسارى آل الرسول الى مجلس يزيد ثانية – بعد انسحاب الضيوف الأجانب – ودخل يزيد متمايلاً... كان ترنح مشيته ، وارتخاء لسانه ، ونظراته الزائغة تنبئ أن الرجل قد عاقر المسكر ساعات وساعات....!!
راحت الكلمات تتعثر على لسانه :

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً

ثم قالوا يا يزيد لا تشل

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل


لا زال الخليفة تحت خدر المسكر، عندما صفعه صوت جهور له صليل السيف:
- "ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون.." انها زينب بنت علي... شقيقة الحسين التي تابعت كاندفاع الاعصار:
- أظننت يا يزيد، حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء؛ أن بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا...!
- أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله سبايا...؟! ..ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: لأهلوا واستهلوا فرحاً.. وتهتف بأشياخك زعمت انك تناديهم.. فلتردن وشيكاً موردهم، ولتودن انك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، أوفعلت ما فعلت...!
...وسيعلم من سوّل لك، ومكنك من رقاب المسلمين، بئس للظالمين بدلاً، وأيكم شر مكاناً، وأضعف جنداً...
ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، فإني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك..!
فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد... يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين..!!
لم تكن كلمات تلك التي فاهت بها ابنة علي ...وانما صفعات متوالية على وجه مسخ متقنع بمسوح الخلافة ...ولم تكن حجة ساقتها ...وانما عاصفة اطلقتها لتطوح بالعرش الذي بُني على الدماء والظلم و القهر....!!

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم