البث المباشر

شاعر اهل البيت سفيان بن مصعب العبدي

السبت 28 سبتمبر 2019 - 14:49 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- نور من كربلاء: الحلقة 3

السلام عليكم أيها الأكارم ورحمة الله وبركاته، معكم بتوفيق الله حبيب قلوب الصادقين في حلقة أخرى من هذا البرنامج فأهلاً بكم.
نور حب الله بصدق محبة أوليائه الصادقين هو – مستمعينا الأفاضل – من أسمى الأنوار الباهرة التي تفعم بها كربلاء والقيام الحسيني المقدس قلوب المؤمنين فتجعلها متعلقة بعز الله الأقدس.. وهذه هي الثمرة الكبرى لتفجع أهل المودة لأهل البيت لما نزل بهم عليهم السلام يوم عاشوراء وما بعده، وهذا ما جلاه عديد من شعراء الحسين منهم الذي يحدثنا عنه أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان علموا أولادكم شعر العبدي يقول:
في ألفاظ شعره تلمس حرارة قلبه ولوعة فؤاده.. كأن داخله يغلي ممتداً لا يقر له قرار، هذا ما نجده في أبيات له ميمية ما تزال شاخصة لم تضع كأغلب شعره الذي غاب أو غيبوه.
إنه سفيان بن مصعب العبدي: شاعر عاش في القرن الأول، وأدرك عقوداً من القرن الثاني الهجري، قضيته الكبرى التي يدور حولها شعره وكل وجوده هي قضية الإنتماء المصيري الحميم الى أهل البيت عليهم السلام. وهو يعرف أن الإنتماء اليهم هو حقيقة الإنتماء الى الله عزوجل، وما في الوجود قضية أكبر وأفخر من هذا الإنتماء.
يتلألأ في شعر العبدي إقباله على الحقيقة الحسينية، وهو إقبال تحس معه أن الشاعر قريب من سيده الحسين، مليء بالحب له والشوق إليه، مجرح الفؤاد – في الوقت نفسه – على وقائع وفجائع طف كربلاء، هو الحب المدمى والعشق النازف على طول الطريق، شوق نازف ونزف مشوق.. ولا أثر للدنيا في القلب ولاعين، إنها إشراقة شمس الحسين.
صدره مسجور بأشجان كربلاء، وقلبه متيقظ أبداً، متوثب باستمرار، وأبوعبدالله الشهيد جوهرة القدس الحمراء التي تشع نوراً أحمر في كل ذرة من كينونة الشاعر العاشق الصادق الولهان، من أراد أن يتعرف على حقيقة الحب وما يفعله الحب.. فليتعرف من قرب على حب الحسين سيجد للحياة طعماً فريداً وللوجود مذاقاً لا تعدل لحظة واحدة منه كل كنوز الأرض، هنيئاً لسفيان العبدي حبه هذا الفوار وهنيئاً لكل من أحب – من قلبه – الشهيد الحسين.
أما شعره فهو من نمط في الحزن مركز، مشبع بالأسى والحسرات، كأنما هو حاضر دائماً للوثوب والإنطلاق، دخل العبدي يوماً على الإمام الصادق سلام الله عليه في داره، ومن فوره نادى الإمام والدته أم فروة لتقعد خلف الستر، قال: "لتسمع ما صنع بجدها" الحسين في كربلاء. ثم أمر العبدي بالإنشاد.. فأنشد على طريقة النعي والنوح:
فرو، جودي بدمعك المسكوب
تقول الرواية: فصاحت، وصحن النساء.. حتى اجتمع الناس من خارج الدار على الباب يتساءلون عن مبعث هذا الصراخ، فأرسل الصادق عليه السلام إليهم من صرفهم بتورية ولم يصرح بالمناحة الضاجة داخل الدار.
يكفي لمعرفة العبدي شاعراً ومؤمناً أن أبا عبدالله الصادق صلوات الله عليه كان ينصح مشايعي أهل البيت بقوله: "علموا أولادكم شعر العبدي، فإنه على دين الله.
هذه شهادة للعبدي عظيمة من رجل عظيم من عظماء آل محمد أعرف الناس بالحسين، فالعبدي في شعره مدرسة حية مرضية يفوز من يتلقى منها ويأخذ من مضمونها وروحها قبس نور.
عشرة أبيات العبدي الميمية... ما لصاحبها – على فجيعة آل محمد في كربلاء – من تماسك واصطبار، من أولها الى آخرها لوعة وبكاء على الجمال المتأله الذبيح تتجلى في قوله:

لقد هد ركني رزء آل محمد

وتلك الرزايا والخطوب عظام

وأبكت جفوني بالفرات مصارع

لآل النبي المصطفى وعظام

عظام بأكناف الفرات زكية

بهن علينا حرمة وذمام

فكم حرة مسبية ويتيمة

وكم من كريم قد علاه حسام!

لآل رسول الله، صلت عليهم

ملائكته بيض الوجوه كرام


ومن قرب إحساسه بأهل البيت يتجه قلبه الى الأم العظيمة التي هي مجمع الرزايا والثكل والمناحات، هي المفجوعة الملتاعة المعزاة، سيحكي عن الحزن العاشورائي الذي قلب حياته وأدخله في وضع لا يعرف قراراً، ولا يذوق طعم راحة ولا استقرار:

أفاطم، أشجاني بنوك ذوو العلى

فشبت – وإني صادق – لغلام

وأضحيت لا ألتذ طيب معيشتي

كأن علي الطيبات حرام!

ولا البارد العذب الفرات أسيغه

ولا ظل يهنيني الغداة طعام


وكشأن العاشقين المغارقين والمحبين الفاقدين.. يلقى الشاعر حوله دائماً لائماً يدعوه الى الكف عن التفجع والى سلو الوجد الذي يستمطر بلا اختيار حرار الدموع:

يقولون لي: صبراً جميلاً وسلوة

وما لي الى الصبر الجميل مرام

فكيف اصطباري بعد آل محمد

وفي القلب مني لوعة وضرام؟!


ثمة طارئة طرأت للعبيدي الداخل – منذ صغر سنة – في محبة آل محمد سلام الله عليهم.. تلفت إليها الأنظار، رأيناها قبل قليل في بيت له سمعناه:

أفاطم، أشجاني بنوك ذوو العلى

فشبت – وإني صادق – لغلام!


إبيض شعره وهو غلام! كان إبن عشرين سنة من العمر لما غزاه الشيب مبكراً.. أبكر من المنتظر لمن هو في مثل سنة، قال: إنها مصائب آل محمد التي غدت مصائبه الشخصية.. هي التي صنعت به ما صنعت، وفي طليعتها مصائب كربلاء، هذا ما نقرأه في قصيدة له طويلة قالها معبراً عن ولائه لأميرالمؤمنين علي بن أبي طالب، وعن شوقه إليه سلام الله عليه:

لأشرفن بدمعي إن نأت بهم

دار، ولم أقض ما في النفس من أرب

ليس العجيب بأن لم يبق لي جلد

لكن بقائي – وقد بانوا – من العجب!

شبت ابن عشرين عاماً، والفراق له

سهم.. متى ما يصب شمل الفتى يشب

ما هز عطفي من شوق الى وطني

ولا اعتراني من وجد ومن طرب

مثل اشتياقي من بعد ومنتزح

من الغريّ.. وما فيه من الحسب

أذكى ثرىً ضم أزكى العالمين، فذا

خير الرجال، وهذي أشرف الترب

إنكان عن ناظري بالغيب محتجباً

فإنه عن ضميري غير محتجب


إنه الإندكاك الصادق بأهل البيت الأصفياء – الذين هم بهجة العالم وزينة الوجود – يبدل في المرء باطنه، ويصله وصل تلاحم وذوبان في أرقى حقائق التوحيد. فرق بيّن بين من يتعامل بلون من المودة مع آل محمد طلباً للأجر والمثوبة ولذائذ الجنان.. وبين من يطلبهم سلام الله عليهم لأنفسهم، لأنهم أهل للحب والعشق والذوبان فيهم والفناء، إنه الفرق بين عبادة التجار وعبادة الأحرار.
والأحرار أحرار.. لهم عند ربهم مقعد صدق إذ مشوا إليه بقدم صدق، جعلنا الله وإياكم في علقتنا بآل محمد من الصادقين.
تقبل الله منكم أيها الأعزاء حسن الإصغاء لحلقة اليوم من برنامج (نور من كربلاء) قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، شكراً لكم وفي أمان الله. 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة