البث المباشر

الغضب

الأحد 12 مايو 2019 - 09:03 بتوقيت طهران

خبير البرنامج: سماحة الشيخ محمود آل سيف الباحث الإسلامي من قم المقدسة
بسم الله الرحمن الرحيم
مستمعينا الكرام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
نرحب بكم في لقاء جديد لبرنامج (آداب شرعية لحياة طيبة) وموضوع هذه الحلقة هو (الغضب) نرجو قضاء وقت ممتع مع فقرات هذه الحلقة ونتمنى لكم حياة سعيدة.
أيها الإخوة والأخوات.. الغضب نار تحرق صاحبها وذويه والغضب جنون يؤدي بالإنسان إلى الخسران والهلاك وإذا هبت رياح الغضب تأتي معها أعاصير الشر ونيران الغضب تذهب بالعقل والحياء وتحرق الأخضر واليابس.
الغضب أوله جنون وآخره ندم وإذا لم يندم الإنسان فإن جنونه مستحكم، ولذلك حدد الإسلام آداباً شرعية كثيرة لمعالجة هذه الظاهرة لكي تطيب حياة الإنسان.
عندما يغضب الإنسان أو ينفعل تحدث في جسمه كثير من التغييرات الفيسيولوجية، والغضب يؤثر على إتزانه وشكله وملامح وجهه.
ولكن كيف يتجنب الإنسان حالة الغضب؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبقى هادئ الأعصاب وهو يشاهد أموراً فضيعة في الحياة؟
فالحياة ليست على ما يرام دائماً، ومشاكلها لا تعد ولا تحصى والدنيا مليئة بالنزاعات والإضطرابات والإنسان طبعاً يواجه أحياناً الإحباطات في حياته، فكيف يواجه كل ذلك؟ وما هي أهم العلاجات التي هدانا إليها الإسلام لمواجهة الآثار السلبية للغضب؟
نستمع لما يقوله خبير هذا اللقاء في الإجابة عن هذا السؤال:
آل سيف: أعوذ بالله السميع العليم من شر الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
في البداية علاج هذه المسئلة لأنها مهمة جداً والحقيقة العلاجات كثيرة وأسبابها متعددة والغرض له أسباب مختلفة. من الأمور التي ينبغي الإلتفات اليها وينبغي على الرجل او المرأة الرجوع الى الطبيب المعالج في هذه القضية، إستعمال حبوب الحساسية وأبر الحساسية يؤدي الى الغضب وهذا أول الأسباب. بعض الأحيان سبب الغضب هي أشياء الشخص هو يأتي بها من قبيل كثرة المزاح، كثرة الإستهزاء الى أن يأتي شيء يثيره وبالتالي يغضب لهذا الشيء لذلك يجب أن يتجنب الإنسان مثيرات الغضب وهذا مهم جداً. ومن الأمور المهمة ايضاً أنه يقرأ القصص التي تثير الغضب وآثارها السلبية وماورد في الآثار السلبية في الغضب يؤثر كثيراً. وعلاج كذلك مهم هو الحلم فالإنسان يربي نفسه على التماسك والحلم لأن الإنسان يستطيع وله القدرة على ذلك ومن ثم أخيراً يذكر علاقته مع الله سبحانه وتعالى.
أيها الأحبة.. الإنسان المؤمن قادر على ضبط نفسه عند الشدائد، خاصة لو تدرب على مواجهة الشدائد سلاح الإيمان والتوكل على الله سبحانه وتفويض الأمر إليه وطلب المعونة منه، المؤمن له قوة في يقين إنه كالجبل لا تحركه العواصف قال تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ.
وقال سبحانه: الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
وجاء في وصية رسول الله – صلى الله عليه وآله – لأمير المؤمنين عليه السلام: يا علي! سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان وأبواب الجنة مفتحة له: من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته وأدى زكاة ماله وكف غضبه وسجن لسانه وأدى النصيحة لأهل بيته.
عزيزي المستمع؛ ومما يساعد على تجنب الغضب، التواضع وسعة الصدر والحلم، فالإنسان المتكبر يغضب ويثور بسرعة لأمر تافه ربما لأقل كلمة أو فعل يصدر إتجاهه حيث يعتبر ذلك إهانة له، ويرى أنه لابد أن يغضب لكي يرد لنفسه إعتبارها وكرامتها وليعرف الناس من هو إنه إنسان كبير جداً في نظره طبعاً، وهذا المفهوم عن الذات يؤدي إلى سرعة الإنفعال والغضب.
أما إذا تواضع الإنسان وعدل سلوكه وتغيرت مفاهيمه عن الكرامة وعزة النفس فإنه لن يغضب بل يحلم والحلم سيد الأخلاق ولا يواجه السيئة بمثلها، فالنار لا تطفأ بالنار.
وقد يغضب الإنسان على من هو دونه في المكانة الإجتماعية ومن هو أضعف منه، بينما يتجرع الأذى والمرارة ممن هو فوقه، وهذه خسة وحقارة وجبن.
فمن الدناءة وضعف الشخصية أن يغضب المرء على زوجته وأولاده وأقربائه والمحيطين به بينما يتجرع أخطاء الآخرين.
عزيزي المستمع، الإسلام يدعو إلى الحلم وحسن الخلق وبذل المعروف والعفو عن الآخرين ونسيان أخطائهم.
وقد قدم رجل على رسول الله – صلى الله عليه وآله – وقال له أوصني يا رسول الله؛ فقال له النبي صلى الله عليه وآله لا تغضب. وقال (ص) ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.
أي إن القوة الحقيقية هي أن يملك الإنسان زمام نفسه ويسيطر على مشاعره وجوارحه عند الغضب.
والشيطان يغذي مشاعر الغضب عند الإنسان فتراه في حالة الغضب يقبل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة ويتهم البريء ويكفر بالله سبحانه وبذلك يدخل النار.
وفي نهاية المطاف نجد أن الغاضب هو الخاسر وأن الحليم هو الذي يربح الحياة ويتمتع بعافية الروح وصحة الجسد وهناء العيش.
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن أن يكثر عملك ويعظم حلمك.
والناس يحبون الحليم ويحترمونه ويكون ذا مكانة ومنزلة عند الناس وعند الله تعالى.
وقد قال الرسول (ص): (إبتغوا الرفعة عند الله، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمن جهل عليك).
ومن صفات النبي – صلى الله عليه وآله – أنه لا يغضب للدنيا وإذا أغضبه الحق لم يصرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له.
والإنتصار يكون من أجل رفع راية الحق والعدالة وإعلاء كلمة الله في الأرض، ومن أجل خدمة البشرية وخدمة الإنسان ونشر السعادة ومن أجل أن يسود الأمان والسلام في الأرض.
قال رسول الله – صلى الله عليه وآله -: يباعدك من غضب الله أن لا تغضب.
وقال: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلل خلقك بحلمك وقابل هواك بعقلك.
أحبائنا المستمعين، في ذات يوم رأى رسول الله (ص) نفراً من الصحابة يتسابقون في رفع حجر ثقيل فقال ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله! نختبر أقوانا بدناً وأكثرنا قوة وأشدنا بأساً.
فقال صلى الله عليه وآله: أتدرون من أشدكم وأقواكم؟ أشدكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل وإذا سخط لم يخرج سخطه من قول الحق وإذا قدر لم يتعاط ما ليس له بحق.
أعزاءنا المستمعين، ومن الضروري إستكمالاً للموضوع أن نعرف ما يميز الغضب الممدوح عن الغضب المذموم الذي نهت عنه النصوص الشريفة، نعود لضيف البرنامج سماحة الشيخ محمود آل سيف الباحث الإسلامي من قم المقدسة لكي يبين لنا هذه النقطة المهمة:
آل سيف: ربما يتبادر الى ذهن البعض أن الغضب شيء مستنكر في جميع احواله لأنه يخرج الإنسان عن مألوفه وهدوءه وكذلك قد يتوهم الكثير من الناس بأن عدم ترجمة الغضب في موقف ما أمر مستحسن في كل الميادين لأنه يعني سيطرة الإنسان على غضبه ولكن الحقيقة غير هذه فإن كل من الغضب والهدوء يكون مذموماً ومحموداً وهذا ما تقرره الشرائع السماوية والقوانين الوضعية ايضاً. أما متى يكون الغضب محموداً او يكون مذموماً؟ فجوابه أن ذلك يعود الى الأسباب والأهداف فإن كانت أسباب الغضب والهدوء وأهدافها مشروعة فهذا محمود وإن كان غير ذلك فهما مذمومان وملخص القول في موارد الغضب المحمود والمذموم هو أن نقول أما عن الغضب المحمود فقد دلّ العقل والشرع على أن الغضب في حد ذاته هو صفة حميدة لأنه يساعد على التمسك بالمبادئ الحقة والحفاظ على العرض ومقام وشخصية الإنسان لكن اذا كانت أسبابه مشروعة واهدافه شريفة ففي القرآن الكريم في قصة موسى مع الذين إتخذوا عجلاً يعبدونه من دون الله أيام غيابه عنهم وإستخلافه لأخيه هارون فلما رجع اليهم ورأى منهم هذا الصنيع غضب غضباً شديداً وإنتصر الى المبادئ المشروعة التي دعا اليها بل إن غضبه حمله على إزالة المنكر بيده فحطم العجل فقد امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بالغلظة والغضب على الكفار والمنافقين الذين يقولون مالايفعلون فقال تعالى «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ» فالغلظة هنا على هؤلاء نوع من الغضب عليهم وهو غضب محمود لشرعية أسبابه وشرف أهدافه. وقد وردت في النصوص التاريخية مواقف غضب فيها النبي صلى الله عليه وآله وهو صاحب الخلق العظيم ولكن كان غضبه إنتصاراً للمبادئ وإرساءاً لقواعد الحق والعدل والإنصاف في المجتمع. طبعاً في لحظة غضب يخرج عن جادة الشرع. أما الغضب المذموم فيكون في الموارد التي ينساق الإنسان وراء عواطفه فرحاً او حزناً دون أن يحكّم العقل والقلب في ذلك، فتراه يغضب لأتفه الأسباب ويفرح لأبسط الأمور التي لاتثني من المبادئ شيئاً ولاتؤدي الى الغضب في المال والعرض، من قبيل مثلاً شخص يغضب والديه او يغضب صديقه او يغضب على تصرفات اولاده او قول من اقوال والديه وهذا كله من الغضب المذموم وليس محموداً فقد جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وآله وهناك الروايات التي توصي بأن لاتغضب وطبعاً هي في الموارد التي ليست محمودة. ورد عن رسول الله جاءه رجل كثير الغضب قال: اوصني يارسول الله
فقال: لاتغضب
فرد عليه وكرر في طلب الوصية فكرر النبي عدة مرات لاتغضب.
عن الإمام امير المؤمنين سلام الله عليه في كتاب الحارث الهمداني «إحذر الغضب فإنه جندي عظيم من جنود ابليس».
عزيزي المستمع .. من أجل حياتك وسعادتك لا تغضب واتصف بالحلم والتواضع والعفو، فالله سبحانه يأمر بالعفو، يقول تعالى: (فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
إلى هنا نأتي إلى ختام حديثنا لبرنامج (آداب شرعية لحياة طيبة) على أمل اللقاء بكم في حلقة أخرى، نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة