البث المباشر

شرح فقرة: "صريخ المستصرخين، منفس عن المكروبين، مجيب دعوة المضطرين..."

الثلاثاء 26 مارس 2019 - 09:27 بتوقيت طهران

الحلقة 39

لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة، ومنها دعاء يستشير وهو دعاء علمه النبي (صلى الله عليه وآله) الامام علياً(ع) وامره بقراءته ليلاً ونهاراً طوال حياته، وقد حدثناك عن مقاطعه متسلسلة منه، وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول عن الله تعالى (صريخ المستصرخين منفس عن المكروبين، مجيب دعوة المضطرين، اسمع السامعين)، هذا المقطع من الدعاء جاء بعد مقطع يتحدث عن عظمة الله تعالى وقدرته وهيمنته وملكوته، وهي صفات تعبر عن العظمة وقد اردفها الدعاء بمقطع يعبر في عباراته عن الرحمة وصلة العبد بالله تعالى واللجوء اليه في الشدائد ونواجه هنا ثلاث عبارت كل واحدة منها تفصح عن احد اشكال الشدة الاولى من العبارات تقول بانه تعالى صريخ المستصرخين والثانية تقول: منفس عن المكروبين والثالثة تقول: مجيب دعوة المضطرين، والسؤال الان هو ما المقصود من هذه العبارات الثلاث؟ انها عبارات تفصح عن الشدائد التي يعانيها العبد فهو أي العبد مستصرخ ومكروب ومضطر والسؤال من جديد ما هي الفوارق بين هذه الشدائد العبارة الاولى القائلة عن الله تعالى بانه صريخ المستصرخين، تعني انه تعالى هو الجهة التي يتجه اليه العبد في احر اشكال شدته وهي شدة عظيمة بحيث تستدعي الصراخ أي الاستغاثة المصحوبة بصوت عال هنا لعل القارئ للدعاء يتساءل عن النكتة الكامنة وراء الصراخ فمثلاً لما يصرخ صاحب الشدة بدلاً من البكاء مثلاً؟ لماذا يصرخ مثلاً بدلاً من الانكسار القلبي المتمثل في التعبير بكلام وجداني ومنكسر؟ والاجابة عن السؤال المتقدم توضح بجلاء ان الصراخ هو التعبير عن احد اشكال الشدة من نحو من يبلغ به المرض مثلاً كالكسر ونحوه درجة لا يطيق معها الا التوجع بصوت عالي تعبيراً عن شدة الالم. 
من هنا فان العبارة المذكورة عن احد اشكال الشدة والتعبير المناسب لها. ولكن ماذا عن العبارة الثانية وهي انه تعالى منفس عن المكروبين.
المكروب هو الشخص الذي يعاني شدة خاصة تعني استتلاءها الحزن المصحوب بالمشقة وليس الحزن العادي ولعل النبي ايوب عليه السلام يجسد قمة ما يطلق عليه مصطلح المكروب حيث ورد في القرآن الكريم وسمه بهذه الصفة الا ان القرآن الكريم وصف حالة الانبياء ايضاً بالسمة المذكورة أي الكرب حيث تكررت عبارة ونجيناه من الكرب العظيم، ونستطيع ان نستخلص بسهولة معنى الكرب هنا وهو كما قلنا الحزن المصحوب بالمشقة حيث ان الانبياء عليهم السلام حينما يدعون مجتمعهم الى الايمان بالله تعالى مثل مجتمع نوح وابراهيم ولوط ثم لم يستجيب الناس الى كلامهم وحيث يسخر الناس منهم او يؤذونهم اولئك جميعاً يستتلي الحزن المصحوب بمشقة السخرية من الناس والرفض منهم والايذاء للانبياء عليهم السلام. 
اذن اتضح معنى المكروبين، ولكن اخيراً ماذا عن الشدة من النمط الثالث الا وهي عبارة مجيب دعوة المضطرين؟
المضطر هو من تبلغ به الشدة الى درجة انه لا مجال للصبر لديه كالفقير الذي لا يملك قوت يومه مثلاً فان الحالة التي يصدر عنها هي حالة اضطرارية تدفعه الى البحث عن الاشباع بنحو ملح بحيث لا مجال للاصطبار فيه.
من هنا جاءت عبارة مجيب دعوة المضطرين تختلف عن العبارات السابقة عليها حيث جاء الجواب بعبارة مجيب أي انه تعالى يستجيب لدعاء المضطر بحيث يتحقق له الاشباع لحاجاته وتزول عنه الحالة الاضطرارية.
هنا قد يتساءل قارئ الدعاء فيقول ما هو الفارق بين صفة مجيب دعوة المضطر وبين الصفة السابقة وهي منفس عن المكروب؟ الجواب هو ان الحزن حالة نفسية تتراكم في الاعماق بحيث تحتاج الى من يبدد طبقة التراكم بحيث ينقشع ويزول الحزن او الشدة بينما الاضطرار لا يناسبه مجرد التخفيف عن الشدة بل يحتاج الى اجابة تتناسب مع حالة الاضطرار وهذا ما يتواءم مع الاستجابة للحالة المذكورة.
اذن اتضح لقارئ الدعاء جانب من التعبير الذي ورد في مقطع الدعاء بالنسبة الى المستصرخ والمكروب والمضطر ونسأله تعالى ان يفرج عن عباده المؤمنين جميع شدائدهم وان يوفقنا الى ممارسة الطاعة والتصاعد بها الى النحو المطلوب.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة