قصة مواجهة موسى فرعون -۱

السبت 16 مارس 2019 - 19:02 بتوقيت طهران

الحلقة 25

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا، والصلاة والسَّلام على رسوله وحبيبه محمد وآله الطيبين الطاهرين. 
يسعدنا ان نلتقى بكم في هذا الملتقى القرآني الذى نمضي عبره دقائق لنستنير بهدى القصص القرآنية، وفى هذا اللقاء سنتعرف لمرحلة اخرى من حياة نبىّ الله موسى (عليه السَّلام) والتى تحدّثت عنها الآيات السادسة عشرة حتى الثانية والعشرين من سورة الشعراء، رافقونا في هذا البرنامج ضمن المحطات التالية:
بعد مقدمة عن الحكاية ننصت معاً الى تلاوة هذه الآيات المباركه ثم نقف عند معانى المفردات والعبارات القرآنية التى وردت في هذا الجزء من الحكاية.
نستمع الى حوار قرآني يدور محوره حول الآيات الآنفة الذكر لننتقل بعد ذلك الى محطة الحكاية ونستمع الى تفاصيلها.
ثم نتوقف عند فقرة، من هدي الائمة (عليه السَّلام).
وننهي البرنامج بأخذ باقة مباركة من الدروس المستقاة من الآيات.

*******

في الحلقة الماضية انتهى حديثنا عن الآيات المبينة للمرحلة الاولى لحياة كليم الله موسى (عليه السَّلام) وهي موضوع بدء الوحي والرسالة وطلبه من الله اسباب الوصول الى هذا الهدف الكبير.
وتعقيباً على تلك المرحلة تأتي الآيات التاليات لتبين المرحلة اللاحقة وهي مواجهة موسى (عليه السَّلام) وهارون لفرعون والكلام المصيريّ.
تقول الآية: «فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ».
عبارة «فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ» تكشف عن أنهما ينبغي أن يواجها فرعون نفسه بايّ ثمن كان ويقول الراغب في كتابه (المفردات)، ان (الرّسول) من الكلمات التي تطلق على المفرد والجمع.
وضمن دعوة فرعون الى الله تعالى أُمِراً ان يطلبا منه أن يرسل معهما بَنِي إِسْرَائِيلَ وبديهيّ أن المراد من الآية أن يرفع فرعون عنبَنِي إِسْرَائِيلَ نير العبوديّة والقهر والإستعباد، ليتحرّروا ويذهبوا مع موسى وهارون، الى الارض المقدسة التي وعدوا بها.
هنا يلتفت فرعون فيتكلّم بكلمات مدروسة وممزوجة بالخبث والشيطنة لينفي الرسالة، ويقول لموسى: «أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا».
وكأن فرعون يقول لموسى: الم تتذكـّر حينما التقطناك من أمواج النيل الهادرة فإنقذناك من الهلاك ، وهيّأنا لك مرضعة، وعفونا عن الحكم الصادر في قتل أبناء بَنِي إِسْرَائِيلَ الذي كنت مشمولاً به، فتربّيت في محيط هادىء آمن منعّماً وبعد أن ترّبيت في بيتنا عشت زماناً «وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ».
ثمّ توجّه إلى موسى وذكـّره بموضوع قتل القبطي فقال: «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ» وهناك إشارة الى أنه كيف يمكنك أن تكون نبيّاً ولديك مثل هذه السابقة؟
ثمّ بعد هذا كله يقول فرعون: «وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ» (أي مِنَ الْكَافِرِينَ بنعمة فرعون) فلطالما جلست على مائدتنا وتناولت من زادنا فكيف تكون نبيّاً وأنت كافر بنعمتي؟ وفي الحقيقة كان فرعون يريد أن يجعل موسى محكوماً بهذه التهم الموجّهة إليه، وكما اشرنا في اللقاءات السابقة فان المراد من قصّة القتل المذكورة هنا هو ما جاء في سورة القصص (الآية ۱٥ الخامسة عشرة منها) حيث جاء فيها أن موسى وجد رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوّه، فاستغاثة الذي هو من شيعته على الذي من عدوّه فوكزه موسى فقضى عليه انتصاراً لشيعته.
أجابه موسى (عليه السَّلام): «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ» وهنا كلام طويل بين المفسّرين على المراد من كلمة «الضَّالِّينَ»الواردة في تعبير موسى (عليه السَّلام) وسنوكل اجابة هذا السؤال الى الفقرة اللاحقة فى الحوار القرآنى.
ثمّ يضيف موسى قائلاًَ: «فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ». 
إن كلمة (الحكم) تعني في اللغة، المنع من أجل الإصلاح، هذا هو الأصل في ما وضعت له، ومن هنا سمّي العقل والعلم حكماً أيضاً لهذا التناسب، وقد يقال: إنه يستفاد من الآية الرابعة عشرة من سورة القصص ان موسى (عليه السَّلام) كان قد بلغ مقام الحكم والعلم قبل هذه القضية إذ تقول: «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا».
ثمّ يردّ موسى (عليه السَّلام) على كلام فرعون الذي يمنّ به عليه في أنه ربّاه وتعهده منذ طفولته وصباه، معترضاً عليه بلحن قاطع فيقول: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ»، بعبارة اخرى يريد موسى (عليه السَّلام) ان يقول صحيح أنّ يد الحوادث ساقتني وأنا طفل رضيع إلى قصرك، لأتربّى في كنفك، وكان في ذلك بيان لقدرة الله تعالى، لكن ترى كيف جئت إليك؟ ولِمَ لا تربيت في أحضان والديّ! وفي بيتهما؟
ألم يكن ذلك لأنك عبّدت بَنِي إِسْرَائِيلَ وصفدت أيديهم بنير الأسر! حتى أمرت أن يقتل الاطفال الذكور وتستحيا النساء للخدمة؟
ويستفاد من عبارة: «مِنَ الْمُرْسَلِينَ» ضمناً بأنني لست الوحيد المرسل من قبل الله فمن قبلي جاء رسل عدّة، وأنا واحد منهم، إلا أن فرعون نسيهم أو تناساهم.

*******

اسئلة الخبير

المحاور: نستضيف من محطتنا هذه من برنامج القصص الحق فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، فضيلة السيد في تكملة قصة النبي موسى (عليه السلام) وفي مواجهته مع فرعون في رده قول فرعون يقول موسى (عليه السلام) «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ» والضلالة كما هو واضح لا تجتمع مع اصل عصمة الانبياء اذن ما هو التفسير الصحيح لهذه العبارة؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم احسنتم سؤال جميل ولطيف يعني «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ»في سورة الشعراء حينما ذكره فرعون حينما بعث موسى (عليه السلام) واول تكليف كما نعلم كلف به ان يذهب الى فرعون «اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى» كذلك سورة الشعراء «فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ان ارسل معنا بَنِي إِسْرَائِيلَ، «قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا» يعني حينما جاء موسى (عليه السلام) للطاغية فرعون ذكره فرعون بما سبق ان فعله «أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا»يعني ذكره بتربته كأنه هذا الزاد والملح، انت نسيت الزاد والملح وانه نحن ربيناك ونحن اطعمناك حينما كنت طفلاً في قصرنا مع ذلك انت لم تشكر هذه النعمة «أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ» هنا اشارة «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ» اشارة الى القتل كأنه يريد ان يعظم «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ» انظر ربما هنا الْكَافِرِينَ يعني بنعمتي يعني الْكَافِرِينَ بعطائي يعني ضد الشكر، فقال موسى «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ» يعني الجواب على السؤال الثاني «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ» فأجاب موسى (عليه السلام) على الجواب الثاني «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» اذن هناك جوابان له اولاً «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ» انظر الضَّالِّينَ هنا الضَّالِّينَ يعني هنا انها ستؤدي هذه الضربة الى القتل كما قال بعض المفسرين وبعضهم قال الضَّالِّينَ يعني لم اكن امتلك منهجاً قبل النبوة طبعاً هذه كانت قبل النبوة لم يكن يملك المنهج التفصيلي طبعاً «فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا» انظر هنا الحكم يعني التسديد الرباني قطعاً بعد النبوة يكون اكثر التسديد الرباني قبل النبوة ولهذا لا يمكن ان نقول التسديد واحد، هنا واضح جداً من موسى (عليه السلام) وهذا ما يذهب اليه العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه يقول الحكم الذي وهبه الله بعد القتل وبعد الفرار بعد ان اصبح رسولاً غير الحكم الذي ذكرته سورة القصص حينما في سورة القصص الله عزوجل وهب لموسى حكماً انظر «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» اذن هنا الضلال لا يعني هذا الضلال المعروف يعني ضد الهداية وانما الضلال بتفاصيل المنهج الرباني الالهي، الضلال بعدم معرفة المنهج والطريق كما خاطب الله عزوجل الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ» او عفواً في آية «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى»، «أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى» هنا ضَالًّايعني ضَالًّا عن المنهج يعني لم تكن تمتلك المنهج التفصيلي في هداية الناس والتعامل مع الناس، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان يعني لم يكن لديك الكتاب الذي يعلمك المراحل في الدعوة ولهذا كان الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل النبوة كان يذهب الى غار حراء، كان يتعبد، يتهجد لأن لم يكن يمتلك المنهج التفصيلي لهداية الناس بعد ذلك حينما نزل القرآن الكريم اعطاه المنهج هذا هو معنى الضلال والا بخصوص مثلاً النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) كان يسمى الصادق الامين يعني حتى المشركون كانوا يطلقون عليه بالصادق الامين فأذن هذا الضلال ليس الضلال في مقابل الهدى وانما الضلال في مقابل ومعرفة تفاصيل المنهج الالهي نفس الشيء هنا في موسى (عليه السلام) قال: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» هنا الحكم هذا غير حكم سورة القصص حينما «بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا» قبل ان يذهب الى مدين اذن هناك مراتب كما يقول العلامة الطباطبائي مراتب للحكم متعددة، هناك حكماً قبل النبوة وهناك حكماً بعد النبوة كذلك الضلال، الضلال المقصود في الحكم الثاني «فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ»الحكم هنا بمعنى معرفة التفاصيل بصورة اكبر يعني يقول لو كنت في ذلك الوقت كما الان بعد النبوة وبعد البعثة لما فَعَلْتَ ذلك الفعل. 
المحاور: طيب فضيلة السيد الايات تقول «فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» يبدو ان هناك خلافاً بين المفسرين في المراد من الحكم في هذه الاية أهو مقام النبوة أم مقام العلم أم سواهما؟
السيد عبد السلام زين العابدين: طبعاً يبدو هنا يعني الحكم اصابة الامور والحكمة في وضع الامور في مواضعها يعني لاهو العلم يعني هو درجة علمية اكيد ولا هو النبوة لأنه نعرف ان القرآن الكريم احياناً يعطف الحكم على النبوة يعني هناك اختلاف «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ» لو كان الحكم نفس النبوة يعني هذا العطف يدل على المغايرة ولقد آتينا بَنِي إِسْرَائِيلَ، «الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ» كما نقرأ في سورة الجاثية كذلك ان يؤتيه الله «الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ» فالقرآن في ثلاث آيات مباركة يعطف الحكم على النبوة معنى ذلك ان الحكم غير النبوة، الحكم هو اصابة الامور ووضع الاشياء في مواضعها وطبعاً هو درجة علمية كذلك هو يختلف عن العلم، مثلاً انظر هنا يعني «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا» هنا كذلك عطف الحكم على العلم فالحكم لا هو علم بهذا المعنى ولا هو النبوة هو شيء آخر يجعل الانسان يتصرف تصرفاً حكيماً وواقعياً ولهذا«فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» هذا الحكم الذي وهب لموسى (عليه السلام) هو اكبر من الحكم الذي تذكره سورة القصص «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا» اذن الحكم درجات يعني القدرة على تشخيص الامور ووضع الاشياء في موضعها الحقيقية ولذها فسرنا «وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ»، «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ» انظر ماذا يقول المفسرون مثلاً الشيخ الطوسي يحتمل ثلاث احتمالات مِنَ الضَّالِّينَ يعني من الجاهلين بأن الضربة تؤدي الى القتل، الضالين عن العلم بأن ذلك يؤدي الى قتلي، الضَّالِّينَ عن طريق الصواب لأني ما تعمدته وانما وقع مني خطأً كذلك مثلاً العلامة المشهدي الجاهلين او الذاهلين او الضَّالِّينَ عن النبوة يعني ضالين عن النبوة لم تكن لدي تفاصيل كذلك في شبر مثلاً يقول وجوه اخرى «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ» يعني الجاهلين الفاعلين فعل ذوي الجهل، الذاهلين عن مآل الامر يعني عن عواقب الامور او المخطئين اي لم اتعمد قتله او الناسين اذن المفسرون فسروا الضلال وعلى اروع من فسر الضلال هو العلامة الطباطبائي يعني الضال عن المنهج التفصيلي كما في «وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى»، العلامة الطباطبائي وغيره من المفسرين يؤكدون ان الحكم درجات وهذا واضح في قضية ابراهيم «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا» يعني ان إِبْرَاهِيمَ كان عبداً قبل ان يكون نبياً وكان نبياً قبل ان يكون رسولاً وكان رسولاً قبل ان يكون خليلاً وكان خليلاً قبل ان يكون اماماً فأذن هناك مراحل من الحكم في حياة الانبياء وقطعاً الحكم الذي يكون بعد النبوة هو اعمق واكبر من الحكم الذي يكون قبل النبوة وان كان الحكم الاول قبل النبوة يعطي للنبي العصمة ولو بالمرحلة الادنى. 

*******

قصة مواجهة فرعون (۱)

واجه موسى فرعون بلين ورفق كما أمره الله. وحدّثه عن الله. عن رحمته وجنته. عن وجوب توحيده وعبادته. حاول إيقاظ جوانبه الإنسانية في الحديث. ألمح إليه أنه يملك مصر، ويستطيع لو أراد أن يملك الجنة. وكلّ ما عليه هو أن يتقي الله. استمع فرعون إلى حديث موسى ضجرا شبه هازىء وقد تصوّره مجنوناً تجرّأ على مقامه السامي. ثم سأل فرعون موسى ماذا يريد. 
فاجاب موسى: أننىّ اريد أن ترسل معنا بَنِي إِسْرَائِيلَ «أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ».
تعجّب فرعون وهو يرى موسى يواجهه بهذه الدعوى العظيمة، ويطلب منه ذلك الطلب الكبير. فآخر عهد فرعون بموسى أنهم ربّوه في قصره بعد أن التقطوا تابوته. وأنه هرب بعد قتله للقبطيّ الذي وجده يتعارك مع الإسرائيلي. فما أبعد المسافة بين آخر عهد فرعون بموسى إذن وهذه الدعوى العظيمة التي يواجهه بها بعد عشر سنين! ومن ثم بدأ فرعون يذكره بماضيه. 
يذكـّره بتربيته له فقال: فهل هذا جزاء التربية والكرامة التي لقيتها عندنا وأنت وليد؟ لتأتي الآن لتخالف ديانتنا، وتخرج على الملك الذي تربّيت في قصره، وتدعوا إلى إله غيره؟
واستمّر فرعون يذكـّر موسى بحادث مقتل القبطي في تهويل وتجسيم. 
فلا يتحدث عنها بصريح العبارة وإنما يقول له: «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ» فعلتك البشعة الشنيعة «وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ»، فأنت لم تكن وقتها تتحّدث عن رَبِّ الْعَالَمِينَ! لم تتحدث بشيء عن هذه الدعوى التي تدّعيها اليوم، ولم تخطرنا بمقدّمات هذا الأمر العظيم؟
وظنّ فرعون أنه ردّ على موسى ردّا لن يملك معه جواباًَ. إلا أنّ الله استجاب لدعاء موسى من قبل، فانطلق لسانه: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ»، فَعَلْتَ تلك الفعلة وقد أخطأت في الموضوع، لقد ضربت القبطّي لا بقصد القتل، «فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ»على نفسي فقسم الله لي الخير فوهب لي الحكمة «وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ».
ويكمل موسى خطابه لفرعون بنفس القوة: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ» فما كانت تربيتي في بيتك وليداً إلا من جرّاء استعبادك لبَنِي إِسْرَائِيلَ، وقتل أبنائهم، مما دفع أمّي لوضعي في التابوت وإلقاءه في اليمّ، فتلتقطه فأتربّى في بيتك، لا في بيت أبويّ. فهل هذا هو ما تمنّه عليّ، وهل هذا هو فضلك العظيم؟

*******

من هدي الائمة (عليه السلام)

عن الامام ابي عبد الله الصادق (عليه السَّلام) قال: إنّ فرعون بنى سبع مدائن فتحصّن فيها من موسى فلمّا أمره الله أن يأتي فرعون، جاءه ودخل المدينة، فلما رأته الأسود بصبصت بأذنابها (وهو تحريك الكلب أو غيره من الحيوانات ذنبه طمعاً او خوفاً) ولم يأت مدينة إلاّ انفتح له بابها، حتى انتهى الى التي هو فيها، فقعد على الباب وعليه مدرعة من صوف ومعه عصاه فلمّا فرج الآذن قال له موسى (عليه السَّلام)، إني رسول رَبِّ الْعَالَمِينَ اليك، فلم يلتفت، فضرب بعصاه الباب فلم يبق بينه وبين فرعون باب إلاّ انفتح فدخل عليه وقال: أنا رسول رَبِّ الْعَالَمِينَ.

*******

دروس وعبر

التعبير بـ (رسول) بصيغة الإفراد مع أنّ «مُوسَى وَهَارُونَ» نبيّان مرسلان، يشير إلى وحدة دعوتهما، فكأنهما روحان في بدن واحد لهما خطة واحدة وهدف واحد.
إنّ الهروب من سيطرة الطواغيت وظلمهم يعدّ مقدمة للحصول على الألطاف الإلهية: «فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي».

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم