البث المباشر

المادية وتحدي الفطرة والعقل

الأحد 3 فبراير 2019 - 12:14 بتوقيت طهران

الحلقة 231

جولة المام سريع في بعض الاتجاهات الفكرية التي سادت في عالم الغرب، جولة اطلاع وتبصر ونقد نخلص منها الى معرفة العصر والزمان ذلك ان العارف بزمانه كما يقول امير المؤمنين علي (عليه السلام): لا تهجم عليه اللوابس فأين نتجه في جولتنا هذه؟
نمر هذه المرة بالاتجاه المادي في الحياة الغربية وبالنظرة المادية الى الحياة والنظرية المادية ترى ان جميع ما في الكون مؤلف من المادة فلا وجود لشيء غير مادي في هذا العالم وقد تعددت مذاهب الفلسفة المادية‌ منذ ايام ديمقريطس اليوناني الذي قال بأن لا شيء موجوداً الا المادة‌ ثم تجددت هذه النظرية في العصر الحديث، ان كل المذاهب المادية ترى ان المادة هي الوجود الاصلي للاشياء وهي بهذا تعارض حقائق الفطرة والطبيعة‌ والعقل والدين وهي تعارض ايضاً عادة من المذاهب الفلسفية كالمذهب الروحي في الفلسفة لان المادية لا تؤمن بالروح وما يؤمن بوجود الروح والعقل من الماديين فأنه يرى انهما متوالدان من الوجود المادي او انهما صفة طارئة لبعض حالات المادة. كما تعارض النظرية المادية الفلسفة المثالية التي ترى انه بالعقل يمكن تفسير سلوك المادة وتفهم حالاتها واوضاعها لكننا لا نفهم العقل بالمادة لانها خالية من الوعي والادراك، وخلاصة النظرية المادية انها لا تؤمن بوجود غير مادي وتعتقد بسيطرة القوانين الطبيعية واضطرادها المستمر وهي ايضاً تنكر الغائية وتنكر الغيب.
ظهرت النظرية المادية في ابان عصر العلم وفتوحاته وكان منطلقها تحول نظرية دارون من نظرية بايولوجية الى نظرية اجتماعية عامة حين تلقفتها الفلسفة وقد حدث ذلك بعد ان وهنت تفسيرات الكنيسة وانقسمت الفلسفة الغربية الى مثالية روحية ومادية. ثم سيطر المذهب المادي واستعلى نتيجة لسيطرة العقليات والحسيات والمبالغة في التصور بأنهما وحدهما عنصر الوجود، اما الجانب الاخر غير الظاهر فقد صرف النظر عنه نهائياً وهذه النزعة العلمية التي هيمنت على‌ الفكر الغربي فرضت العقل والحس منطلقاً للفكر وتجاهلت ما سواهما خاصة ما يتصل بالعلم عن طريق الوحي والنبوة ورسالات السماء. هذا وبعد الفيلسوف ديكارت اول من فصل الروح عن المادة‌ فصلاً بيناً ومن ثم تراجعت مفاهيم الغيب وماوراء الطبيعة والروح والفكر. ولا ريب ان العلم الحديث قد نظر في المحسوسات والماديات وقطع شوطاً كبيراً من الانتصارات، فلما تعرض لما وراء المادة عجز بأدواته القاصرة عن تحقيق اي نجاح، ومن هنا اغفل هذا الجانب وحاول تعليله تعليلاً مادياً، ويرد الباحثون غلبة النظرية المادية ‌الى الانتصارات المادية التي ظهرت في الغرب مما دعا الفلاسفة الى الاعلان بأن لا يوجد غير المادة حتى الحياة نفسها اعتبرت صفة من صفات المادة ومعنى هذا انكار وجود الروح ومعنى انكار وجود الروح انكار وجود الله تبارك وتعالى.
والحقيقة ان العلماء الطبيعيين لم يفعلوا شيئاً من هذا ولم يقروه وانما استحدث هذا وركز عليه ونشره في كل مكان الفلاسفة دون غيرهم.
النظرية المادية كانت جزءاً من المعركة التي شنها العلم الحديث ضد المسلمات الجامدة والتفسيرات التي حاول رجال الدين في الغرب ان يقدموها للحياة مصورين تعارض الكشوف العلمية مع ارادة الباري تعالى ومعارضين لاقتحام الحياة ومنكرين للرغبات البشرية من ما يقوم عليه فهمهم للروحية.
تلك هي صورة التي تجمعت للدين في نظر كل اصحاب الدعوات المادية فقد بدأ الدين وكأنه عقوبة قاسية او قيد مرهق او مضاد للفطرة البشرية. وفي مواجهة دعوة عنيفة للروحية الخالصة المتمثلة في انكار حق الحياة وفي قسر رغبات البشرية برزت المادية رد فعل عنيفاً طاغياً ولا ريب ان الذي يطالع المذهب المادي على النحو الذي قدمه المتطرفون يجده حرباً ضارية على تفسيرات الدين ومعارضة لكل ما قدمته هذه التفسيرات حتى لا يكاد دعاة المذهب المادي ان يذهب اساساً الى معارضة الاجتماع والوضع البشري، ويبدو هذا واضحاً في محاولة شبري شميل حين ترجم مذهب النشؤ والارتقاء الى اللغة العربية بعد الاحتلال البريطاني لمصر فأنه لم يقف عند عرض المذهب الفلسفي وحده بل حاول اتخاذه اساساً للمجتمع والاسرة والمدرسة والشريعة والقضاء والسياسة، فأعتبر المذهب المادي ديناً جديداً هو دين البشرية وعلى المسلمين ان يعتنقوه بدلاً عن عقائدهم كما فعل الغربيون حين عارضوا رؤساء الدين. وقد كان هذا الاقتباس خاطئاً تماماً فأنما استغل الفلاسفة مذهب داروين في الغرب وحولوه الى ما اسموه دين البشرية وهو العلم والعقل لانهم كانوا على خلاف مع تفسيرات الكنيسة للدين ولذلك ارادوا التحرر من اثاره الباقية في المجتمع والمدرسة، وليس كذلك الاسلام في افق العالم الاسلامي ولكن هكذا هدفت القوى الاستكبارية ان تفسد الفكر وتثير الشبهات وتنقل ما هو واقع في بيئة مختلفة الى بيئة اخرى ليست لها بها من صلة.
اجل، لم يكن من المعقول ان يقبل بسهولة ما دعا اليه فلاسفة المادية من الاقتصار على العلوم المادية دون التعاليم الدينية او من القول بأن الدين قد اضر بالانسان والمجتمع او ان العلوم الطبيعية هي اهم العلوم البشرية فقد كان ذلك كله نقلاً غير موفق لما يجري في محيط له ظروفه الخاصة وتحدياته الواقعة مما ليس موجوداً في البيئة الاسلامية على الاطلاق ولا هي في حاجة اليه في اي وجه من الوجوه، والمذهب المادي فلسفة لا علم ولا فرق بينهما كبير فالعلم يكشف بوسائله مجاهيل هذا الوجود الضخم ويدون العلاقات الموجودة بينها ويشخص الاشباه والنظائر ثم يبذل وسعه ليجد النواميس العاملة في كل طائفة منها وهو يحلل المواد ليعرف عناصرها الاولية، اما الفلسفة وهو جهد عقلي لادراك الحقيقة اللكية للوجود وقد دخلت منذ نشؤها في اطوار كثيرة فبعد ان كانت تعتمد على العقل وحده غدت تعتمد عليه وعلى العلم المادي، من هنا ذهب الاتجاه المادي الى الحكم على الوجود بأنه مادة محضة مجانباً في ذلك الفطرة والعقل النزيه، وما اجمعت عليه البشرية في كل الازمنة من الاعتقاد بعالم ارفع من المادة واسمى منها هو عالم الغيب العظيم.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة