البث المباشر

البيعة لله

الأربعاء 9 أكتوبر 2019 - 14:27 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 66

 

منذ بدء حياة الإنسان على الأرض، ونشوء صراع الحق والباطل، والتأريخ يتأبط سجله الكبير ، يرصد حلبة الصراع... يدون المواقف...يوثقها ... ثم يسجل النتائج فيما بعد ...
ذلك هو السجل المدون للتأريخ ... صاغه رجاله وفق هوى السلطان والزمان...!
وغير هذا...هناك سجل تأريخي آخر ، بيد انه غير مقروء... لأن التأريخ لم يكشف عنه، بل احتفظ به في ضميره وذاكرته...!
وأمام مشهد كربلاء... وقف التأريخ مرتبكاً ذاهلاً، لا يعرف ماذا يفعل... فكف عن التدوين، وقد تعلق نظره بمعسكرين... الأول صغير بحساب الأفراد، يعد بالعشرات... والثاني كبير، تجاوز عديده عشرات الألوف...
أجل.. لقد كف عن التدوين... ذلك أنه أحس أنه أمام تجربة جديدة بل فريدة، لم يسجل لها، فيما مضى من عمره الطويل نظيرا...!
وكمن دخل في سبات عميق، وقد ثقل رأسه بهذا التساؤل:
هل وقع بصره يوماً على فئة قليلة، تقف بإزاء فئة كثيرة، دون أن تتزعزع أو تستسلم؟!
خمسة أيام مضت على نزول الحسين في كربلاء... ومنذ ذلك الحين، والمنطقة العازلة بين المعسكرين، تشهد لقاءات متواصلة، بينه وبين قائد الجيش الأموي، عمر بن سعد...
كان أبوعبدالله يسعى الى تحطيم حالة الإنقياد الأعمى لدى ابن سعد وجيشه، للسلطة الأموية الظالمة... إلا أن هذه المحاولة لم تتم... ذلك ان الإستخبارات العسكرية الأموية، رصدت الموقف، ورفعت به تقريراً لإبن زياد، والي الأمويين على الكوفة، جاء فيه:
"أما بعد.. أيها الأمير: ان عمر بن سعد، يخرج في كل ليلة، ويدعو الحسين حتى يمضي من الليل ثلثه... وقد أدركته على الحسين الرحمة والرأفة... فأمره أن ينزل عن حكمك.."
ومضى البريد مسرعاً بالتقرير الى ابن زياد، ثم عاد بكتابه الى ابن سعد... يقول فيه:
- إذا قرأت كتابي هذا، فأمر الحسين أن ينزل على حكمي، فإن أطاع وإلا فامنعه من شرب الماء!!
يومان مرا على محاصرة المعسكر الحسيني... الأطفال والنساء اللذين لم يألفا هذه الظاهرة من قبل، وجدا أنفسهما مطوقين بالجنود من كل جهة... فراعهما ذلك أشد الروع... و خضع الماء الذي أوشك على النفاد، للتقنين الشديد...
والحسين (ع) جالس أمام فسطاطه، مُحْتَب بحمائل سيفه – أي جامع ظهره وساقيه بها -.
وغير بعيد عنه وقفت أخته زينب... وقد استلفتها ارتفاع اصوات جنود العدو... فدنت من أخيها وقالت:
- أما تسمع يا أخي الأصوات قد اقتربت...! ...وقدم العباس مسرعاً وهو ينادي:
- يا أخي..! أتاك القوم...!
نهض الحسين (ع) مستطلعاً ثم قال مخاطباً العباس:
- يا عباس..! إركب بنفسي أنت يا أخي، حتى تلقاهم ، فتسألهم عما جاء بهم...
... ومثلما ذهب العباس مسرعاً، عاد ، وقد كست وجهه علائم الغضب... وقال مطرقاً:
- يقولون: جاء أمر أميرهم، بأن يعرضوا علينا النزول على حكمه أو ينازلوننا..! ....رد الحسين وهو ينظر الى قسمات أبي الفضل المشرقة.
- ارجع إليهم... فإن استطعت أن تدفعهم عنا العشية، لعلنا نصلي لربنا وندعوه ونستغفره، فهو يعلم اني قد كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والإستغفار...
وذهب العباس بالرسالة... وعلى الاثر عقد ابن سعد، إجتماعاً بأركان حربه، لمدارستها... ودارت بينهم مداولات... قبل أن يعلن موافقته...
تنقلت الدعوة على عجل في المعسكر الحسيني...وفي دقائق معدودة ، أخذ الجميع مكانه في خيمة القائد مصغيا لما يقول...
استهل الحسين خطبته بالثناء على الله تعالى وحمده على نعمه، ثم قال:
- أما بعد فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي... ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي... فجزاكم الله عني جميعاً خيراً... ...ألا واني قد رأيت لكم، فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم مني ذمام... هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً...
فانبرى العباس قائلاً بعد أن مسح عينيه التي تندت بالدموع:
- لمَ نفعل ذلك؟ ...لنبقى بعدك!... لا أرانا الله ذلك أبدا..!
ونطق أبناء عمومته، فقالوا:
- سبحان الله... فما نقول للناس؟... إنا تركنا شيخنا وسيدنا... لا والله ما نفعل ذلك... ولكننا نفديك بأنفسنا... قبح الله العيش بعدك..!
وجاء دور الأصحاب ، فقام مسلم بن عوسجة، وقال:
- أنحن نخلي عنك...؟ وبم نعتذر الى الله في أداء حقك...؟ لا والله لا يراني الله أبدا وأنا أفعل ذلك...!
وتلاه سعيد بن عبدالله الحنفي، مختنقا بعبرته :
- والله لو علمت اني اقتل فيك ثم أحيا ثم احرق ثم اذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك...!
وتبعه زهير بن القين قائلاً:
- لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، لآثرنا النهوض معك، على الإقامة فيها...!
واندفع نافع بن هلال الجملي يقول:
- والله ما كرهنا لقاء ربنا، وانا على نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك...!
وتحامل برير بن خضير على نفسه، لينهض ويقول:
- والله يا بن رسول الله، لقد منّ الله بك علينا، ان نقاتل بين يديك، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.
وانطلق صوت المؤذن، معلناً حلول صلاة المغرب... فنهض الجميع ليصطفوا خلف الحسين..!!
...ومر الليل على ابي عبد الله وصحبه، وهم في صلاة ودعاء وتلاوة القرآن... وفي صفاء الليل... كان المار بقرب معسكر الحسين، يسمع صوت متصلاً كأنه دوي النحل....!!
أشرقت شمس عاشوراء كابية اللون، حزينة...!!
كان المعسكران يموجان بحركة سريعة، حاكية عن بدء الإستعدادات للقتال...
ووسط هذا الجو المشحون بالترقب، انطلقت ضحكة بين أصحاب الحسين... فالتفت عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري، الى رفيقه برير بن خضير الهمداني، مستغرباً وقال:
- يا برير..! ما هذه ساعة باطل..! ....فرد برير ولا زالت ملامحه مشرقة بالإبتسامة:
- ما أحببت الباطل كهلاً ولا شاباً...!! وإنما أفعل ذلك، استبشاراً بما نصير إليه...!! توقف... وكأنه يتملى مشهداً جميلاً، ثم أردف:
- فوالله... ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا، نعالجهم بها ساعة، ثم نعانق الحور العين..!
وبدت حركة غير طبيعية في صفوف الجيش المعادي... وتعالى صوت قائده ابن سعد، وهو يسدد سهماً صوب معسكر الحسين، ثم يطلقه قائلا :
- أشهدوا لي عند الأمير، انني أول من رمى..!
... وتفجرت الحرب... ودار القتال على أشده... واستبسل أصحاب الحسين... وراحوا يتحدون العدو... مطالبين بالمنازلة... فاستجاب العدو على تردد... إلا انه سرعان ما استولى عليه الرعب... فصرخ عمرو بن الحجاج أحد قادة الجيش الأموي بجنوده:
- يا حمقاء أتدرون من تقاتلون.. تقاتلون فرسان أهل المصر وأهل البصائر وقوماً مستميتين... والله لو لم ترموهم بالحجارة لقتلوكم...!
فهتف ابن سعد:
- صدقت... لا يبارز رجل منكم رجلاً منهم...!
وتقدم شاب صغير من أصحاب الحسين يستأذنه في القتال... فقال (ع) هذا شاب قتل أبوه... ولعل أمه تكره خروجه... فركض الشاب خشية من ان يمنعوه ، ونادى:
- سيدي أباعبدالله، إن أمي هي التي أمرتني بذلك..!
وتهاوت النجوم على ثرى كربلاء...
وفاحت أجواءها بعبير الدم الزاكي...
ووقف أحد جنود الجيش الأموي – في ساحة المعركة – مذهولاً أمام شجاعة أبي عبدالله وثباته... ثم قال، مرسلاً قولته، اعترافاً صريحاً للتأريخ:
- والله ما رأيت مكثوراً – أي مغلوباً لكثرة من اجتمع عليه – قط ، قد قُتل ولده، وأهل بيته وأصحابه، اربطا جأشاً، ولا أمضى جناناً منه ولا أجرأ مقدما... وان كانت الرجالة لتنكشف بين يديه ، انكشاف المعزى، اذا شد عليها الذئب!

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة