ويبدو أن الرياض تسعى إلى إعادة ترتيب أوراقها في اليمن، والبحث عن مخرج من حرب استنزفت مواردها وأثرت في حساباتها الإقليمية، من دون التخلي عن طموحاتها في الاحتفاظ بالنفوذ والتأثير في مستقبل البلاد، غير أن تحركاتها تثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت تمثل تحولاً نحو تسوية سياسية، أم محاولة لإدارة الأزمة بأدوات جديدة بعد تعثر الخيارات العسكرية.
وفي هذا السياق، كشفت وكالة «رويترز» في شباط/فبراير 2026 أن السعودية خصصت نحو 3 مليارات دولار لدعم رواتب الموظفين والقوات اليمنية، في إطار مساعيها لإعادة تنظيم القوى المتحالفة معها وتعزيز نفوذها في المناطق الخاضعة للحكومة المدعومة منها. ويعكس هذا التحرك استمرار اعتماد الرياض على الأدوات المالية والسياسية لتعويض تعقيدات المشهد الميداني.
وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد الخلافات السعودية الإماراتية بشأن النفوذ في اليمن، ولا سيما في المحافظات الجنوبية والشرقية، الأمر الذي يكشف تعدد الأجندات داخل المعسكر المناهض لأنصار الله، ويضيف عقبة جديدة أمام محاولات الرياض توحيد القوى المتحالفة معها.
في المقابل، لا تزال حركة أنصار الله تحتفظ بموقع مؤثر في المعادلة اليمنية، وتسيطر على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من البلاد، وهو واقع يؤكد أن سنوات الحرب لم تنجح في إحداث التحول السياسي والعسكري الذي كانت تسعى إليه الرياض عند إطلاق تدخلها عام 2015.
ورغم الحديث عن الرغبة السعودية في إنهاء الانخراط العسكري، فإن المؤشرات الأخيرة لا تعكس اتجاهاً واضحاً نحو التخلي عن الخيار العسكري. فقد أفادت «رويترز» في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026 بأن الرياض تدرس خيارات لشن عملية عسكرية جديدة ضد أنصار الله، تشمل تحركات على الساحل أو عمليات متعددة الجبهات، بدعم جوي واستخباراتي أميركي، وفقاً لمسؤولين إقليميين وغربيين.
ويطرح هذا التوجه تساؤلات حول جدوى العودة إلى التصعيد، بعد سنوات من المواجهة التي لم تحقق الأهداف المعلنة للتدخل السعودي، فضلاً عن المخاطر التي قد تترتب على توسيع رقعة الصراع وانعكاساته على أمن المنطقة والممرات البحرية.
وفي هذا الإطار، يرى تحليل نشره مركز تشاتام هاوس في 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026 أن الخيارات العسكرية السعودية تواجه قيوداً كبيرة، وأن العودة إلى الحرب الواسعة قد تعيد الرياض إلى دوامة الاستنزاف، في حين تبقى المفاوضات الطريق الأكثر ارتباطاً بإمكانية الوصول إلى تسوية طويلة الأمد.
من جهته، حذّر المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، خلال إحاطته أمام مجلس الأمن في آب/أغسطس 2026، من مخاطر العودة إلى حرب واسعة، داعياً الأطراف إلى خفض التصعيد واستئناف المسار السياسي، ومؤكداً أن الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة عام 2022 لا يمكن أن يستمر من دون معالجة جذور الأزمة.
ومن منظور طهران، فإن التطورات اليمنية تكشف محدودية الرهان على الحل العسكري، وتؤكد أن تجاهل الواقع السياسي والاجتماعي اليمني وموازين القوى الداخلية لا يمكن أن يؤدي إلى تسوية مستقرة. كما أن استمرار الضغوط الخارجية لن يلغي حضور القوى اليمنية الفاعلة أو يحدد وحده مستقبل البلاد.
وتواجه السعودية اليوم معادلة معقدة؛ فهي تريد تأمين حدودها وتقليص كلفة الحرب، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى الاحتفاظ بنفوذها السياسي والعسكري، وهو ما يجعل أي انسحاب غير مشروط أمراً صعباً، خصوصاً في ظل الخلافات بين حلفائها واستمرار التوترات الإقليمية.
إن التحركات السعودية تبدو أقرب إلى محاولة لإعادة التموضع وإدارة تداعيات الحرب منها إلى انسحاب نهائي من الملف اليمني. فبعد سنوات من التدخل العسكري، تجد الرياض نفسها أمام واقع لا يمكن تغييره بالضغوط أو إعادة تشكيل التحالفات أو ضخ الأموال وحدها.
وفي المحصلة، فإن أي تسوية مستدامة في اليمن تقتضي احترام سيادة البلاد واستقلال قرارها، ووقف التدخلات الخارجية، والابتعاد عن فرض الحلول بالقوة، بما يتيح لليمنيين تحديد مستقبلهم بعيداً عن الحسابات الإقليمية.
وبين الرغبة السعودية في تقليص أعباء الحرب ومحاولات الحفاظ على النفوذ، يبقى السؤال مطروحاً: هل تتجه الرياض نحو تسوية تنهي سنوات الصراع، أم أنها تحاول إعادة إنتاج تدخلها في اليمن بأدوات مختلفة، بعد أن أثبتت التجربة أن الحسم العسكري لا يوفر مخرجاً من الأزمة؟