لست وحدك، فكثيرون حول العالم يشاطرونك هذا الرأي، ويعود هذا الأمر، بجانب الشق النفسي، إلى تفسير علمي منطقي.
ليس الكأس وحده
ليست حاسة التذوق هنا منفصلة عن أمور أخرى، تعمل حواسنا جميعا وليست كل واحدة على حدة، فعندما تشرب، لا يعمل لسانك وحده؛ هناك العين، والأنف، وملمس الكأس، وشكله، ولونه، وكلها تخلق عندك توقعا مسبقا لما يفترض أن تشعر به.
قد يكون الكأس المعدني نفسه أبرد من غيره، وتكون حافته أبرد على الشفتين، كما أن إحساس اليد بالسطح المعدني يختلف عن إحساسها بالزجاج أو البلاستيك.
علميا، حاسة التذوق حساسة للغاية؛ إذ تكفي تغيرات طفيفة جدا لندرك وجود اختلاف. وتلعب مادة الكأس دورا حاسما في هذا الصدد، نظرا لتلامسها المستمر مع المحتويات؛ فكلما كانت المادة أكثر استقرارا ونقاء، ظل المذاق محافظا على خصائصه الأصلية دون تغيير.
يُصنّف الزجاج كمادة خاملة كيميائيا، وهذا يعني أنه لا يتفاعل مع السوائل؛ فهو لا يطلق أي مواد، ولا يمتص أي نكهات، ولا يغير رائحة المشروب أو مذاقه. ولذلك، يكون مذاق الماء في الزجاج طبيعيا تماما.
أما البلاستيك، مادة مسامية تمتص الروائح والنكهات، وتطلقها لاحقا، وهذا السبب وراء اكتساب الأكواب البلاستيكية غالبا لرائحة المشروب السابق، وشيئا من طعمه، وهذا أمر تدركه الحواس سريعا.
الرائحة تؤثر على المذاق
يتحدد ما ندركه كمذاق إلى حد كبير من خلال حاسة الشم؛ إذ تؤدي حتى الروائح الغريبة الطفيفة إلى تغيير الإدراك الحسي للمشروب.
وغالباً ما تنبعث من الزجاجات البلاستيكية رائحة خفيفة خاصة بها، نستهلكها لا شعوريا مع المشروب، في حين أن الزجاج، في المقابل، عديم الرائحة تقريبا، ومثله إلى حد قريب الفولاذ المقاوم للصدأ “ستانلس ستيل”.
أما “الستانلس ستيل”، فضمن المواد المحايدة التي لا تؤثر على النكهة؛ فالأنواع عالية الجودة منه لا تتفاعل مع المشروبات ولا تمتص النكهات.
لذلك، إذا عدنا إلى سؤالنا الأول: هل الماء في الكأس المعدني ألذ، فالإجابة ليست في الماء وحده، بل في الطريقة التي تستقبله بها حواسنا؛ فبرودة الكأس وملمسه وشكله ورائحته كلها تدخل في صناعة الإحساس الذي نسميه “الطعم”.
وفي المرة المقبلة، حين تشرب كأسا من الماء وتشعر أنه ألذ من المعتاد، لا تفكر كثيرا في مصدر المياه. ربما لم يتغير الماء أصلا، وإنما تغير الكأس.