أهلاً بكم مستمعينا الأفاضل في الحلقة السادسة من بودكاست "أحمد كل الأمم". حيث نبحث فيه عن آثار النبي الخاتم من خلال النصوص المقدسة للتوراة والإنجيل والقرآن.
انضموا إلينا اليوم لنروي لكم علامات "ذلك النبي" الموعود في التوراة والإنجيل.
في عدة مقاطع من التوراة والإنجيل، يُعلن عن مجيء نبي في المستقبل. يُعرّف هذا النبي في التوراة بكلمة "ذلك النبي". في العبرية، تحمل كلمة "ذلك" طابعاً تأكيدياً، وتُستخدم هنا للتأكيد على الدور المهم والمحدد لشخص معين في المستقبل.
يشير مصطلح "ذلك النبي" إلى شخص معين في المستقبل وأهمية دوره في هداية الناس. في الإصحاح الثالث من سفر ملاخي، آخر أسفار العهد القديم، نقرأ: " هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي".
وفي الإصحاح الثامن عشر من سفر التثنية، في الآيتين ١٨ و١٩، ورد: " سأُقيمُ لَهم نَبِيُّا مِن وَسْطِ إخوَتِهم مِثلَكَ ، وأَجعَلُ كلامي في فَمِه، فيُخاطِبُهم بِكُلِّ ما آمُرُه به. وأَيُّ رَجُلٍ لم يسمَعْ كَلاميَ الذي يَتَكلَمُ بِه بِاسمْي، فإِنِّي أُحاسِبُه علَيه".
تُشير هذه الآيات إلى أن قوم بني إسرائيل مُكلفون بأن "يسمعوا كلام ذلك النبي الآتي"، وأن الله وعد بأن يجعل كلامه في فمه وأن لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
يتكرر هذا الوعد في التوراة أي العهد الجديد. في سفر أعمال الرسل، الإصحاح السابع، بعد سرد قصة موسى (عليه السلام) وإنقاذه بني إسرائيل من مصر، ورد: "هذا هو موسى نفسه الذي قال لبني إسرائيل: سيقيم لكم الرب نبيًا مثلي من بين إخوتكم".
وفي إنجيل يوحنا، في الآية السادسة عشرة من الإصحاح الرابع عشر، يقول عيسى (عليه السلام) لأتباعه: "وَأَنا سأَسأَلُ الآب فيَهَبُ لَكم مُؤَيِّداً آخَرَ يَكونُ معَكم".
وكذلك، في الفقرتين السابعة والثامنة من الإصحاح السادس عشر، يُقتبس عن عيسى (عليه السلام) قوله:
"غَيرَ أَنِّي أَقولُ لَكُمُ الحَقّ: إِنَّه خَيرٌ لَكم أَن أَذهَب. فَإِن لم أَذهَبْ، لا يَأتِكُمُ المُؤيِّد. أَمَّا إِذا ذَهَبتُ فأُرسِلُه إِلَيكُم".
في الفقرة السادسة والعشرين من الإصحاح الخامس عشر، نقرأ أيضًا: "ومَتى جاءَ المُؤَيِّدُ الَّذي أُرسِلُه إِلَيكُم مِن لَدُنِ الآب رُوحُ الحَقِّ المُنبَثِقُ مِنَ الآب فهُو يَشهَدُ لي
وأَنتُم أَيضاً تَشهَدون لأَنَّكُم مَعي مُنذُ البَدْء.
يبدو أن هذا المؤيد الذي وعد به المسيح (عليه السلام) هو النبي نفسه المذكور في التوراة بلفظ "ذلك النبي". يؤكد المسيح (عليه السلام) أنه متى جاء ذلك النبي، فهو يرشدكم إلى الحق كله؛ لأنه لا يتكلم من نفسه، بل إنه ينطق كل ما يسمعه ..". وهذه هي نفس الصفة المذكورة عن "ذلك النبي" في الفقرة الثامنة عشرة من سفر التثنية.
وهناك، قال الله أيضًا: " سأُقيمُ لَهم نَبِيُّا مِن وَسْطِ إخوَتِهم مِثلَكَ ، وأَجعَلُ كلامي في فَمِه، فيُخاطِبُهم بِكُلِّ ما آمُرُه به. وأَيُّ رَجُلٍ لم يسمَعْ كَلاميَ الذي يَتَكلَمُ بِه بِاسمْي، فإِنِّي أُحاسِبُه علَيه". هذا ما يُعرف في الأدب الديني بـ"الوحي"، وهو وحي خاص بالأنبياء، وبدونه، لن يكون للإنسان سبيل إلى السعادة.
بدأت قصة الوحي بالتزامن مع قصة خلق الإنسان. فمنذ اليوم الأول الذي خلق الله فيه الإنسان، علّمه أيضًا طريق السعادة والكمال. بعد آدم، أول إنسان، كان نوح أول نبيّ يحمل كتابًا وشريعة.
وبدأت قصة موسى أيضًا عندما أوحى الله إليه: "اذهب إلى فرعون إنه طغى..". لكن فرعون واصل تمرده، فأنقذ موسى (عليه السلام) بني إسرائيل من عبودية فرعون بعبور البحر.
كان موسى (عليه السلام) يعلم جيدًا أن التحرر من ظلم فرعون ليس إلا البداية. فالحرية بلا هدف أو خارطة طريق ليست إلا حيرة؛ كأن تُترك في صحراء بلا خريطة. كان موسى (عليه السلام) يعلم أن بلوغ الحرية والسعادة لا يتحقق إلا بطاعة الله. لذلك، كان عليه أن يُعلّم قومه كيف يعبدون الله، وهذا لم يكن ممكنًا إلا بـ"الوحي"
عندما وصلوا إلى صحراء سيناء، نادى الله نبيه، فصعد موسى (عليه السلام) الجبل ليتلقى الوحي. دخل موسى في عزلة سماوية لثلاثين يومًا لينقذ قومه من الحيرة، ثم أضاف الله عشرة أيام أخرى إلى هذه الثلاثين. طال غياب موسى، وفي غيابه فقد امتلأت آذان القوم بإغراءات شيطانية فلم يكونوا مستعدين للخضوع أمام كلام الوحي.
نسوا جميع معجزات موسى، كأنهم لم يتذكروا كيف نجاهم إله موسى من كل العذابات التي حلت بالمصريين. نسوا كيف أنه في اللحظات الأخيرة، حين فقدوا الأمل في المستقبل ولم يجدوا سبيلًا للنجاة من فرعون، كان إله موسى هو الذي شقّ مياه النيل الهائجة كالجدران الصلبة وفتح لهم الطريق.
ورغم كل هذه المعجزات، ظلوا في غيهم يلجأون إلى عبادة العجل. في تلك اللحظات، لم ينسوا الحقيقة فحسب، بل فقدوا أيضًا مبدأ الهداية. بدون الوحي، ضلّت قلوبهم واتجهت نحو عبادة الأصنام وآلهة المصريين الكاذبة.
في هذه الأثناء وعلى قمة الجبل، كان الله يُكلّم موسى، والآخر يكتب الوصايا العشر على ألواح حجرية: "لا تقتل، لا تسرق، أكرم أباك وأمك...". لكن قبل أن تصل هذه الكلمات والأوامر الإلهية إلى بني إسرائيل، كان القوم قد ضلوا طريقهم. بدون الوحي، لا يضل الإنسان طريقه فحسب، بل يُسمّي أيضًا الأشياء التي هي نتاج مخاوفه ورغباته إلهًا. بدون الوحي الإلهي، يضيع الإنسان بين آلاف الأصوات.
في التوراة والإنجيل، اللذان أوحاهما الله لموسى وعيسى (عليهما السلام)، وُعِدَ بمجيء نبي في المستقبل. ووفقًا لما ورد في هذين الكتابين المقدسين؛ "ذلك النبي" هو شخص سيأتي في المستقبل وبعد رحيل عيسى (عليه السلام). إنه لا يتحدث عن نفسه، بل كل ما يقوله كلام الله، ويشهد بنبوة وصدق عيسى (عليه السلام)، وهو هادي الناس إلى "كل خير". دينه كامل، أبدي ودائم، وفقًا لوعد عيسى (عليه السلام)، أي أنه لن يأتي دين جديد بعده، لذا سيكون خاتم أنبياء الله، ولن يأتي بعده نبي آخر.
لهذا النبي الموعود الأخير عدة خصائص. أولًا، هو مثل موسى. ولكن كيف يُشبه خاتم أنبياء الله موسى (عليه السلام)؟
يعتقد اليهود أن شَبَه خاتم الأنبياء بموسى (عليه السلام) يكمن في أنه يُخاطب الله مثل موسى، ويُجري المعجزات، ويقود الأمة. ومع ذلك، لا بد من القول إن جميع الأنبياء يُشبهون موسى (عليه السلام) في هذه النواحي. إذا قبلنا هذا التفسير، فلن يكون لدينا معيار لتحديد خاتم أنبياء الله.
يجب أن يُشير الله إلى معيار يُميز موسى (عليه السلام) عن غيره من الأنبياء، معيار لا يوجد إلا في موسى و"ذلك النبي". يعلم أهل الكتاب جميعًا، يهودًا كانوا أم مسيحيين أم مسلمين، أن ما يميز موسى (عليه السلام) عن الأنبياء الذين سبقوه هو شريعته الجديدة. ويبدو أن هذا يُشبه خاتم الأنبياء بموسى (عليه السلام). فمن بين آلاف الأنبياء الذين بُعثوا منذ هبوط الإنسان إلى الأرض، لم يتحلَّ بهذه الصفة سوى خمسة أنبياء: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (عليهم الصلاة والسلام).
ويُطلق على هؤلاء الأنبياء الخمسة في المصطلحات الدينية لقب "أولي العزم"، أي أنهم كانوا أصحاب الكتاب والشريعة الجديدة، وأن مخاطبيهم هم جميع أهل العالم، وليسوا قاصرين على منطقة أو عرق معين. جميع هذه الشرائع تدعو إلى التوحيد وعبادة الله، لكن أحكامها العملية على المستويين الفردي والاجتماعي تختلف باختلاف الشرائع. فأحيانًا تُلغي الشريعة الجديدة حكمًا قديمًا وتُعدّله بما يتناسب مع مقتضيات العصر، وأحيانًا تُصدر حكمًا جديدًا في مسألة جديدة.
تنص التوراة بوضوح على أن "ذلك النبي" نبيٌّ لجميع الأمم والشعوب، وليس لبني إسرائيل فقط.
في الفقرة السابعة من الإصحاح الثاني من سفر حجي، ورد: " وأُزلزِلُ جَميعَ الأُمَم، وتأتي نَفائِسُ (أي حِمَدَة)جَميعِ الأُمَم، فأَملأَ هذا البَيتَ مَجْداً، قالَ رَبُّ القُوَّات".
كما ورد في سفر إشعياء، الإصحاح 42:
" هُوَذا عَبدِيَ الَّذي أَعضُدُه مُخْتارِيَ الَّذي رَضِيَت عنه نَفْسي قد جَعَلتُ روحي علَيه فهو يُبْدي الحَقَّ لِلأُمَم" .إلى أن يقول:" لايَني ولا يَنثَني إلى أَن يُحِلَّ الحَقَّ في الأَرض فلِشَريعَتِه تَنتَظِرُ الجُزُر.
في هذه الآيات، وصف النبي الموعود بـ"عبدي"، وقد نصت بوضوح على أن لديه رسالة عالمية. ينتظر الناس في بلاد بعيدة سماع رسالته، لذا فهو ليس مجرد نبي لبني إسرائيل.
هذا في حين أن معظم الأنبياء بعد موسى (عليه السلام) كانوا محدودي النطاق في مهمتهم لهداية بني إسرائيل. أنبياء مثل إرميا وحزقيال وإشعياء وهوشع ويحيى وغيرهم أرسلوا إلى بني إسرائيل ، حاربوا الفساد الداخلي والوثنية والظلم في بني إسرائيل، ولم يعتبروا أنفسهم يومًا أصحاب رسالة عالمية.
بعد موسى (عليه السلام)، يُعتبر عيسى (عليه السلام) النبي الوحيد من الدرجة العليا الذي نشأ من بني إسرائيل. ومع ذلك، لا يمكننا اعتباره مثالًا لذلك النبي الموعود به في التوراة، لأننا سبق أن ذكرنا أن ذلك النبي هو آخر أنبياء الله، وأن عيسى (عليه السلام) نفسه بشّر بمجيء نبي بعده.
في حلقات سابقة من هذا البودكاست، ذكرنا أيضًا أن أهل طبريا عندما رأوا النبي يُطعم حشدًا يزيد عن خمسة آلاف شخص بخمسة أرغفة وسمكتين صغيرتين، ظنوا أن عيسى (عليه السلام) هو آخر الأنبياء الموعود بمجيئه في التوراة، وأرادوا أن يجعلوه حاكمًا عليهم. ولكن، لكي يُفهم الناس أنه ليس نبي آخر الزمان، تركهم عيسى (عليه السلام) وصعد إلى الجبل ليتعبد.
بعد النبي عيسى (عليه السلام)، أرسل الله نبيًا واحدًا فقط بكتاب وشريعة جديدة. نبيٌّ كانت له رسالة عالمية جلية؛ "محمد بن عبد الله" (صلى الله عليه وآله).
وُلد محمد (ص) بين العرب، لكن دعوته لم تقتصر على أرض الحجاز والعرب. فبعد ست سنوات فقط من تأسيس أول مجتمع إسلامي في "المدينة المنورة"، أرسل رسائل إلى أعظم ملوك ذلك العصر ودعاهم إلى التوحيد.
وقد أشار القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا إلى أن نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) ورسالته عالمية. فقد جاء في الآية ٢٨ من سورة سبأ:
«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ....»
كما جاء في أولى آيات سورة الفرقان المباركة:
«تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا»
من اللافت للنظر أنه في هذه الآية، بالإضافة إلى كون رسالة نبي الإسلام رسالة عالمية، يُقدّم الله خاتم أنبيائه بكلمة "عبد" وهي نفس الكلمة التي وصف بها خاتم الأنبياء الموعود في سفر إشعياء. وقد استُخدمت هذه الكلمة مرارًا في القرآن الكريم لوصف محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله) كما تنص الآية الأولى من سورة الكهف: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا»
من صفات خاتم أنبياء الله، بحسب نص التوراة الصريح، أنه سيكون من إخوة بني إسرائيل، لا منهم.
إذا تابعتَ هذا البودكاست منذ البداية، فأنت تعلم، كسائر المسيحيين واليهود، أن لإبراهيم (عليه السلام) ولدين: إسماعيل وإسحاق. بنو إسرائيل هم أبناء إسحاق، وليس لأبناء إسحاق إخوة سوى أبناء إسماعيل. لذا، فالتوراة تعبرعن إخوة بني إسرائيل بأبناء إسماعيل.
والحقيقة أن نبيًا واحدًا فقط اختير من أبناء إسماعيل (عليه السلام)، وهو "محمد (صلى الله عليه وآله)" أو "أحمد"، وهو، وفقا لعقيدة المسلمين، خاتم أنبياء الله، ودينه أكمل الأديان.
من هذا يتضح أن اليهود كانوا يعلمون أن خاتم رسل الله، أو "ذلك النبي الموعود"، هو من أبناء إسماعيل عليه السلام، وكانوا يعرفونه بجميع آباءه و أجداده ، كما كانوا يعرفون أبناءهم.
لخاتم رسل الله آية أخرى يمكن البحث عنها بين أقوال عيسى عليه السلام وآيات القرآن الكريم. ندعوك للتفضل بزيارة موقع القرآن الكريم وفتح النسخة الإلكترونية من القرآن الكريم. في الآية الثالثة من سورة آل عمران: ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
في الآية ٤٨ من سورة المائدة، نقرأ أيضًا: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُحْكِمًا عَلَيْهِمْ شَهِيدًا..."
إضافة على ذلك، سُمِّيَت سورة كاملة في القرآن الكريم باسم "مريم" تكريمًا لأم النبي عيسى (عليه السلام). في هذه السورة، المكونة من ٩٨ آية، تُروى قصص حياة النبي يحيى والنبي عيسى (عليه السلام) مع إثبات صدقهما.
أليس هذا تحقيقًا لوعد عيسى (عليه السلام) بأنه المؤيد للنبي الذي سيأتي من بعده.
للنبي الموعود آياتٌ أخرى كثيرة في التوراة والإنجيل، سنرويها لكم واحدةً تلو الأخرى في الحلقات القادمة من هذا البودكاست.
بامكانكم زيارة موقعنا الإلكتروني arabicradio.ir وصفحاتنا الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لمتابعة مجموعة من الروايات التاريخية، والبودكاست المسموعة، ومحتوى حصري مجاني في انتظاركم.
شكراً لحسن استماعكم إلى هذا البودكاست
وفي أمان الله.