أوصياء الرحمن

السبت 12 أكتوبر 2019 - 09:50 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 71

 

نش الذباب المتراكم على يديه للمرة العاشرة، وربما العشرين أو لعلها المئة، أو حتى المئتين...! ...من أين له أن يدري... فالذباب يلاحقه أنى ذهب... وان غطى يديه المخددة بالجروح...!
أجل... لقد أصبح الذباب جزءاً من حياته... يعايشه ولا يكاد يفارقه..! وهو، وإن لم يألفه، فإنه لم يعد يضيق به كثيراً... ربما اعتبره رفيقاً أو خليطاً لا يسمع منه – على الاقل - ما يؤذيه... إلا طنيناً خفيفاً... فليطن له ما شاء، ما دام لا يجيد النطق بالكلمات الآدمية الجارحة... ولا يعرف أن يقابله بوجه عابس مكفهر...!
أما نظراؤه الآدميون، فلم يعد يطمع في أحد ، ان يقترب منه او يحفل به، فضلا ان يهش لمقدمه، أو يبش في وجهه... فتلك أمنية صعبة المنال..!! ...اللهم إلا نفر من الأصحاب، ممن ابتلوا ببلائه..!
بلاء وأي بلاء... يصيب الاصحاء الهلع لمجرد سماع اسمه فيرددوا مستعيذين:
- جذام..!! ...العياذ بالله.. العياذ بالله..!!
إبتسم بمرارة وقال:
- وأنت... ما الذي يهمك..؟! ..فأنت سعيد، وستبقى سعيداً..! ..أضاف بتهكم:
- اسم على مسمى... وأردف – وقد طاب له أسلوب التهكم:
- أجل... سعادة لا يشاركك فيها، إلا نفر قليل من الأصحاب السعداء على شاكلتك، وجمهور الذباب الغفير...!
- سعيد...! سعيد...! صحا من أفكاره على صوت أحد أصحابه، ماراً بقربه وهو يقول:
- لا تنس موعد الغداء على الساقية...!......لوح له بيده.. دون أن يفوه بكلام..
جمعهم المرض... وآلف بين قلوبهم الفقر.. وباعدهم عن معاشرة الناس، ابتلاؤهم بالإثنين معا..!
على قارعة الطريق يجتمعون..يأكلون.. يتسامرون.. يضحكون... يبكون.. يحلمون.. ثم يفترقون.. كل لحال سبيله...!
بسطوا خوانهم على ضفة ساقية صغيرة... وجلسوا يثرثرون، بانتظار رفيقهم الذي راح يسخن كسيرات خبز قليلة، حصل عليها بمهارته الخاصة...!
الادام الوحيد الذي لا يجدون غيره غالباً، وضعوه وسط الخوان... تركوه على حاله، دون تسخين.. فهو لا يحتاج لذلك... كما لم يحتج الى مهارة خاصة لنيله..! مجرد غرفة من ماء الساقية المجارة..!
وضع الرفيق كسيرات الخبز على الخوان، وأقبل الجميع يلتهمونها بشهية.. متندرين على مائدتهم الملكية الدسمة..!!
نهض أحدهم فجأة، ملقياً كسيرة الخبز التي في يده على الخوان، وهو يقول:
- أهلاً بك يا ابن رسول الله...! ....التفت الآخرون الى حيث جلس رجل بهي الطلعة وقور على ظهر دابته، والإبتسامة المتألقة تضيء وجهه...
نهض الجميع محيين الرجل باحترام، وهو يرد عليهم باحتفاء وحرارة...!
أشار سعيد الى الخوان، وقال:
- أتكرمنا يا ابن رسول الله، بمشاركتنا طعامنا؟!
نزل الرجل عن دابته، وقال:
- أما لولا اني صائم لفعلت..!
أقبل عليهم مبتسماً، واتخذ له مكاناً بينهم... ثم راح يشاركهم الحديث... وبعد مضي بعض الوقت، نهض.. طالباً إجابة دعوته لتناول الطعام عنده غداً... ثم ودعهم وانصرف...
قال أحدهم متفكها:
- ضمنتم غداءاً دسماً...! ..... وعلق الآخر:
- ومن بيت الرسالة، لا مناً فيه ولا أذى...! ... ولكز الثالث الذي يليه بكوعه قائلاً:
- ما لك لا تفوه بشيء؟! ...بدا سعيد كمن يغالب عواطفه، فأطلق زفرة ثم قال:
- الناس يتجنبون مجالستنا ومخالطتنا، خشية أن نصيبهم بعدوى، فيما يدعونا علي بن الحسين الى بيته...! ... رد رفيقه:
- هؤلاء يا صاحبي فيض من نبع واحد... من ذلك النبع الصافي المتحدر من الأعالي... صاحب الخلق العظيم... المبعوث رحمة للعالمين..!
علق الآخر:
- فليس باطلاً ان دعي زين العباد..!
- الى أين انت ذاهب يا مبارك؟! ...قال ذلك نجم وقد رأى صاحبه يتعجل الخروج.
- أنا ذاهب الى حيث أبتاع بعض الحاجيات من السوق، فلدينا اليوم ضيوف كرام.
تساءل نجم بشيء من الفضول:
- ومن هم؟! ...رد مبارك باستنكار:
- ومن أين لي أعرف؟!
- كيف..؟! ...ألم تقل انهم كرام و...؟!
- لا أدري يا نجم... هكذا ظننت.. لأن الإمام أوصانا أن نصنع غداءاً، وان نتنَّوق فيه – أي تجويده - .... استلفتت نجم العبارة، فارتفع حاجباه دهشة دون ان ينطق... وفيما انطلق مبارك في مهمته.. عاد نجم يتابع عمله في تنظيف البيت...
وقبل أن يمضي عليه مزيد وقت، تكاسل، فألقى المكسحة – أي المكنسة – وجلس...
-يا نجم...! جاءه صوت الإمام هادئاً، لكنه واضح النبرات...
فتململ في مكانه، متثاقلاً عن النهوض... دون أن ينبس بشفة...
ومرت دقائق أخرى، فتكرر النداء...
شعر نجم بشيء من تأنيب الضمير... الا انه لم يبد حراكاً... كما ظل ملتزماً الصمت...!
وما ان طرق الصوت مسامعه ثالثة، حتى هب وهو يقول:
- نعم يا ابن رسول الله...! ...رد عليه الإمام وفي صوته رنة عتاب:
- يا بني... أما سمعت صوتي؟! ...شعر بالحرج ، فقال متلعثماً:
- بلى...! ...قال الإمام مطرقاً:
- فما بالك لم تجبني؟! ...رد نجم وقد بان عليه الحياء:
- أمنتك...! ...تألق وجه الإمام بالنور وهو يرمق السماء ويقول:
- الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني..!
هم نجم أن يعتذر... إلا أن الطرقات التي توالت على باب البيت، أنقذته من موقفه الصعب...! فانطلق مهرولاً صوب الباب.
فتح الباب وتوقف ذاهلاً، كتمثال من حجر، لا يبدي حراكاً... وسمع صوت الإمام من ورائه مرحباً... ثم يدعوه الى إفساح الطريق للضيوف ..تنحى جانباً دون أن يفارقه الذهول بعد... متسائلاً مع نفسه بتعجب:
- أهؤلاء هم الضيوف...؟! الجذامى الذين طالما رآهم على قارعة الطريق؟؟!!
دفع الباب ليغلقه، فدهمه صوت صاحبه عائداً، وهو يقول:
- انتظر...! ..دخل مبارك مثقل اليدين، ينوء بحمل ما اشتراه... فاندفع اليه قائلاً:
- لقد جاء الضيوف الساعة..! ...أجاب مبارك لاهثاً:
- كنت أسير خلفهم...؟!..احمل عني بعض المتاع ! .... رد وكأنه لم يسمع رد صاحبه :
- أنت لا تدري...! ...انهم... انهم... المجذمين... هؤلاء الذين....... صاح به مبارك:
- صه...! ...لا يسمعنك أحد...! ...ثم تابع، وهو يضع المتاع على الأرض.
- أنت غلام حديث عهد بهذا البيت يا نجم...! ان أهله لا يقاسون بأحد... أتحسب أن الإمام كبعض هؤلاء الاشراف من الناس، لا يأم داره الا عليّة القوم وكبارهم...؟! ...كلا يا صاحبي.. ان هذا البيت مأوى لمن لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى..... بان التأثر في صوت مبارك وهو يضيف:
- فإذا ما كان الناس، ينبذون هؤلاء، فهو يحتضنهم ويحيطهم برعايته، وإذا ما رأيت الناس يزدرون الخادم والعبد، فهو يوقره..!
تابع مبارك بصوت متهدج:
- إنهم بارقة أمل، جعلها الله لذوي القلوب المكلومة... المحرومة من العطف والحنان....!! وكمن استدرك... أضاف عجلاً:
- لقد غلبنا الوقت... عجل يا نجم، عجل...! ...إختر بين أن تسفد اللحم – يُنظَمُ في السفود- وأن تسجر التنور...!
انشغل الرجلان بإعداد الطعام... وتلاحقت خطواتهما، وهما يتواثبان هنا وهناك... وشيئاً فشيئاً، امتلأ المكان برائحة الشواء... وبدأت مرحلة تقديم الطعام... استخرج نجم السفود– قَضِيب مِنْ حَدِيدٍ يُشْوَى عَلَيْهِ اللَّحْمُ - من التنور ... وأقبل به مهرولاً...
وفجأة دوى صراخ طفل ملتاع...!
اندفع مبارك نحو مصدر الصوت... كما خرج الإمام من غرفة الضيوف... ووقف الإثنان عاجزين، أمام مشهد مأساوي...!!
كان الصغير يفحص بقدميه بشكل وانٍ ضعيف، مودعا آخر نصيب له من الحياة... وعلى مسافة قدم واحدة ، سقط السفود الثقيل متوهجاً بالحرارة... فيما وقف نجم مصفر الوجه، مشلول الحركة ، مضطرباً...!
ألقى الإمام نظرة على جسد ولده الصغير وقد سكنت حركته... ثم دنى من نجم كاتماً مشاعره، وقال:
- أنت حر...! ...وأردف كمن يلقنه العذر:
- فأنت لن تتعمد...!
ساد البيت الهدوء من جديد... وتكتم الجميع على النبأ الحزين... حتى إذا ما تناول الضيوف طعامهم، ثم غادروا الدار... خيمت أجواء الحزن... قبل أن يخرج الجثمان الصغير مشيعاً نحو مثواه الأخير...!!

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم