البث المباشر

شرح فقرة: "كنت قبل كل شيء وكونت كل شيء..."

الإثنين 25 مارس 2019 - 09:54 بتوقيت طهران

الحلقة 12

لا نزال نحدثك عن الادعية المباركة ومنها الدعاء الموسوم بـ"يستشير" حيث علمه النبي(ص) الامام علياً(ع) واوصاه بقراءته طوال العمر.
وقد حدثناك عن مقاطع متسلسلة منه وانتهينا من ذلك الى مقطع يقول عن الله تعالى (كنت قبل كل شيء وكونت كل شيء، وقدرت على كل شيء، وابتدعت كل شيء) ان هذه الفقرات الاربع ونعني بها الفقرات التي تنتهي بعبارة (كل شيء) تنطوي على نكات متنوعة يجدر بقارئ الدعاء ان يلم بها وهذا ما نبدأ بتوضيحه الان.
ان مقطع الدعاء كما تلاحظ يتحدث عن الله تعالى ومن الطبيعي ان يتحدث عن الله تعالى اولاً عن وجوده القدسي وهو ما عبر عنه بفقرة (كنت قبل كل شيء) ولكن النكتة هي ان الاشارة الى انه تعالى كان قبل كل شيء قد اعقبها بعبارة وكونت كل شيء وهذا التقابل له نكتته كما هو واضح فان الله تعالى ما دام موجوداً ازلياً قبل كل شيء حينئذ فان كل شيء موجود لابد وان يكون بفعل من الله تعالى وهذا ما عبر عنه الدعاء بعبارة وكونت كل شيء فتكون الدلالة في نهاية المطاف هي ان كل شيء هو من الله تعالى بفاعلية من الله تعالى بحيث اذا لم تكن الفاعلية المذكورة متحققة حينئذ لا وجود لاي شيء، اذن كل شيء هو من الله تعالى وهذا ما يجعل ذهن قارئ الدعاء متداعياً الى التفكير بعظمة الله تعالى من جانب او بحضوره تعالى من جانب آخر بحيث لايمكن ان نتصور أي شيء خارجاً عن فاعليته تعالى وعن معطيات هذه الفاعلية.
ونتجه الى العبارة الثالثة والرابعة فماذا نستلهم منهما؟ العبارة الثالثة تقول: (وقدرت على كل شيء) والعبارة الرابعة تقول:(وابتدعت كل شيء) هنا تكمن نكات متنوعة نعرض الى البعض منها فنقول ان قارئ الدعاء عندما يقرأ اولاً عبارة وكونت كل شيء حينئذ قد يتساءل عن معنى قوله(ص) بعد ذلك (وقدرت على كل شيء) اليس معنى انه تعالى عندما كون كل شيء انما قدر على كل شيء فلماذا هذه العبارة وماذا تعني؟ هذا سؤال وهذا سؤال آخر عندما يقول الدعاء (وكونت كل شيء) فلماذا القول ايضاً وابتدعت كل شيء؟ اليس تكوين الشيء هو ابتداعه ايضاً؟ اذن هذان السؤالان يحتاجان الى جواب ... فماذا هو؟
ان النصوص الشرعية تتميز بكونها كلاماً من وحي الله تعالى حيث يتسم بالكمال المعرفي لذلك فان قارئ الدعاء عليه قبل ان يسأل ان يفكر قليلاً او كثيراً بنكات الدعاء حتى يصل الى المعرفة المطلوبة وفي هذا السياق نقول عندما يقرر الدعاء بداية ان الله تعالى كون كل شيء ثم يقول قدر على كل شيء فان النكتة هي ان تكوين كل شيء اعم من القدرة المطلقة عليه ففي التجربة البشرية مثلاً قد يكون الانسان هذه الظاهرة او تلك ولكنه لا يقدر على اشياء اخرى او عندما يكون اشياء اخرى لا يقدر على اتمامها كاملة بل يكونها من خلال قدرات محدودة وهذا على العكس من الله تعالى حيث ان قدراته غير محدودة وهو ما يستهدف الدعاء لفت النظر اليه.
بقي ان نجيب على السؤال القائل اخيراً ان الدعاء يقول في البداية وكونت كل شيء ويقول في النهاية وابتدعت كل شيء فما هو الفارق بين التكوين للشيء وبين ابتداعه؟ الجواب هو ان الشيء قد يكون في نطاق التجربة البشرية مسبوقاً بنموذج مشابه له ولكن في نطاق الله تعالى فان الابتداع هو السمة لتكوين الشيء أي لا وجود يماثله لا قبل ولا بعد.
وهذه هي النكتة التي تنبغي ملاحظتها أي انعدام النموذج لقدرات الله تعالى بالنسبة الى اي شيء يمكن تصوره بل الابتداع أي الايجاد المبتكر للشيء هو السمة لخلق الله تعالى وهذا من الوضوح بمكان كبير.
اذن ادركنا جانباً من النكات التي يتضمنها مقطع الدعاء المذكور والمهم هو ان نعمق معرفتنا بعظمة الله تعالى وان نمارس الطاعة التي طالبنا تعالى بها والتصاعد بذلك الى النحو المطلوب.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة