قصة مواجهة موسى فرعون -۲

السبت 16 مارس 2019 - 19:03 بتوقيت طهران

الحلقة 26

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علی رسوله وحبيبه محمد واله الطيبين الطاهرين. 
وفي هذا اللقاء سنتعرف علی مقطع آخر من حكاية النبي موسی (عليه السلام) التي ذكرت في سورة الشعراء بدءآ من الاية ۲۳ حتی الاية ۲۹ منها. 
رافقونا في هذا البرنامج ضمن المحطات التالية:
بعد مقدمة عن الحكاية ننصت معاً خاشعين الی تلاوة هذه الآيات، ثم نقف عند معاني المفردات والعبارات القرآنية التي وردت فيها، نستمع الی الحوار الذي اجری مع ضيف هذا اللقاء بشأن الآيات، لننتقل بعد ذلك الی القصة نفسها ونستمع اليها. 
ونستمر في تقديم البرنامج بفقرة من هدي الائمة (عليه السلام)، لننهی البرنامج بالدروس المستفادة من القصة. 

*******

هذه الآيات تتناول الحوار الذي جری بين موسی النبي (عليه السلام) وفرعون اذ يبدأ هذا المقطع بسؤال الاخير عن رَبُّ الْعَالَمِينَواجابة موسی (عليه السلام) عن سؤاله وذلك بعد ان واجه (عليه السلام) فرعون، وأفحمه في ردّه فقام فرعون بتغيير مجرى كلامه وسأله سوالا لم يكن بدافع الفهم بل كان بدافع الاستهزاء الامر الذي نستشفه من سياق الآيات.
قام فرعون سأل موسى عن معنى كلامه أنّه رسول رَبُّ الْعَالَمِينَ، و«قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ» يبدو أنّ فرعون سأل متجاهلاً ومستهزئاً.
إلاّ أنّ موسى (عليه السلام) أجاب بجدّ وحيث أن ذات الله سبحانه بعيدة عن متناول أفكار الناس، فإنّهُ أخذ يحدثه عن آيات الله في الآفاق وآثاره الحيّة إذ «قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ». 
فالسماوات بما فيهن من عظمة، والأرض على سعتها والموجودات المتعددة بألوانها كلّها من خلق ربّي، فمثل هذا الخالق المدبّر لهذا العالم جدير بالعبادة، هو وحده ولا احد سواه وينبغي الإلتفات إلى أن عبدة الأوثان كانوا يعتقدون أنّ لكلّ موجود في هذا العالم ربّاً، وكانوا يعدّون العالم تركيباً من نُظُم متفرقة، إلاّ أن كلام موسى (عليه السلام) يشير إلى أن هذا النظام الواحد المتحكم على هذه المجموعة في عالم الوجود دليل على أن له ربّاً واحداً. 
لكن فرعون لم يتيقظ من نومة الغافلين بهذا البيان المتين المحكم ولهذا المعلم الكبير الرّباني السماوي. فعاد لمواصلة الإستهزاء والسخرية، واتبع طريقة المستكبرين القديمة بغرور، و«قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ».
ومعلوم من هم الذين حول فرعون؟ فهم أشخاص من نسيجه وجماعة من أصحاب القوّة والظلم والقهر والمال.
يقول ابن عباس: كان الذين حول فرعون هناك خمسمائة نفر، وهم يعدّون من خواص قومه. 
وكان الهدف من كلام فرعون أن لا يترك كلام موسى المنطقي يؤثر في القلوب المظلمة لأُولئك الرهط. فعدّه كلاماً بلا محتوى وغير مفهوم. 
إلاّ أن موسى (عليه السلام) عاد مرّةً أُخرى إلى كلامه المنطقي دون أي خوف ولا وهن ولا إيهام، فواصل كلامه و«قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ». 
إلاّ أن فرعون تمادى في حماقته، وتجاوز مرحلة الإستهزاء إلى اتهام موسى بالجنون، فـ «قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ».
وذلك ما اعتاده الجبابرة والمستكبرون على مدى التاريخ من نسبة الجنون إلى المصلحين الرّبانيين 
إلاّ أن هذه التهمة لم تؤثر في روح موسى (عليه السلام) ومعنوياته العالية، وواصل بيان آثار الله في عالم الإيجاد في الآفاق والأنفس، مبيناً خط التوحيد الأصيل فـ «قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ».
إنّ حكومة الله تسع المشرق والمغرب وما بينهما جميعاً، وآثاره تشرق في وجوه الموجودات وأساساً فإنّ هذه الشمس في شروقها وغروبها وما يتحكم فيها من نظام، كلّ ذلك بنفسه آية له ودليل على عظمته إلاّ أنّ العيب كامن فيكم، لأنّكم لا تعقلون، ولم تعتادوا التفكير ـ وينبغي الإلتفات إلى أن جملة «إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ» هي إشارة إلى أنه لو كنتم تتفكرون وتستعملون العقل في ماضي حياتكم وحاضرها لتوصلتم إلى إدراك هذه المسألة وفي الواقع إن موسى (عليه السلام) أجاب على اتهامهم إياه بالجنون بأسلوب بليغ بأنّه ليس مجنوناً، وأن المجنون هو من يرى كل هذه الآثار ودلائل وجود الخالق، ولكنه لا يؤمن برَبُّ الْعَالَمِينَ. 
والتعبير بـ «مَا بَيْنَهُمَا» إشارة إلى الوحدة والإرتباط في ما بين الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وهكذا كان التعبير في شأن السماوات والأرض.«قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا».
فالتجأ فرعون الی استعمال «حربة» يفزع إليها المستكبرون عند الإندحار، فجابه موسى وقال: «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ». 
ويعتقد بعض المفسّرين أن الألف واللام في «مِنَ الْمَسْجُونِينَ» هما للعهد، وهي إشارة إلى سجن خاص من ألقي فيه يبقى سجيناً حتى تخرج جنازته. 
وفي الواقع كان فرعون يريد أن يسكت موسى بهذا المنطق الارهابي، لأن مواصلة موسى (عليه السلام) بمثل هذه الكلمات ستكون سبباً في إيقاظ الناس، وليس أخطر على الجبابرة من شيء كإيقاظ الناس. 

*******

نواصل لحضراتكم تقديم برنامج (القصص الحق) من اذاعة طهران بالانتقال الى الفقرة اللاحقة وهي (الحوار القرآني) الذي اجراه الزميل مصطفي رجاء مع خبير هذا اللقاء:
المحاور: نستضيف في هذه المحطة من البرنامج فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، فضيلة السيد ان موسى (عليه السلام) في حواره مع فرعون يشير الى نوع من الآيات التي تعرف لدى اوساط المفسرين بالآيات الافاقية، ما المقصود من هذه الآيات؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هناك آيات آفاقية وهناك آيات انفسية «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» يعني الآيات الافاقية يعني الآيات التي تتعلق بالسماء وبالارض، مايسمى ببرهان النظم، في الانفس اختلف فيها يعني الانفس هل هي الانفس طبيعة العقل والقلب والدماغ والعين؟ 
هذه الآيات تكون العلامات التي تدل على عظمة الخالق في داخل نفس الانسان، بعضهم قال علم النفس وطبيعة النفس، بعضهم قال العرفان كذلك الآيات الافاقية بعضهم قال الفتوحات وسقوط الحضارات يعني الافاق التاريخية وبعضهم قال الافاق السماوية ولهذا طبعاً برهان النظم القرآن دائماً يحدثنا عن هذا البرهان حتى الانسان يستدل بوجود الله عزوجل وبربوبية الله عزوجل وبالآيات الافاقية كما في قصة موسى (عليه السلام): «قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ» في سورة الشعراء «قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ» انظر هنا ان موسى (عليه السلام) ركز في مرتين على الآيات الافاقية يعني اولاً قال فرعون «مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»، عرف رَبُّ الْعَالَمِينَ، «رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ» فرعون استهزأ بموسى (عليه السلام): «قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ» هم كانوا صحيح يرون، يؤمنون بالله لكن الله عندهم رب الارباب يعني هناك ارباب اخرى تدير الكون، تدير العالم او حتى تدير المجتمع ولهذا كان يقول: «أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى، مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي» يعني فرعون يؤمن بأله لكن هذا الاله عنده رب الارباب وهناك ارباب تدير الكون لأن الله بالنسبة لهم يعني لايمكن ان يعرف كنهه ولايمكن ان يدرك ولهذا كانوا يأخذون الوسائط، «لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى» والا بعض الآيات تقول «أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ» يعني فرعون يؤمن بالاله، هناك آلهه ولكن هو رب في الارض، هو رب الحكم ولهذا هم يؤمنون ان هناك رب الارباب وهناك ارباب متفرقة تحكم، تدير الارض، هناك رب للارض، هناك رب للسماء، هناك رب للريح فحينما قال له موسى (عليه السلام) رَبُّ الْعَالَمِينَ.
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ يعني يستهزأ، يتعجب، قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، كما ان الله رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كذلك هو رب الناس جميعاً، رَبُّ الْعَالَمِينَ يعني عالم الناس، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، هنا فرعون تعجب من هذا المفهوم يعني هناك ارباب متفرقة، لا يوجد للعالمين او للناس رب واحد، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ، هنا موسى استعمل الآيات الافاقية وهي:«رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ» فموسى (عليه السلام) استدل بربوبية الله عزوجل الواحد القهار من خلال انه «رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» و«رَبُّ الْعَالَمِينَ» و«رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» ولهذا بالنسبة الى فرعون وقوم فرعون كانوا يعيشون الوثنية والوثنية ملاحظة جداً مهمة ليس بمعنى انهم لا يؤمنون بالله وانما يؤمنون بالله عزوجل كرب الارباب وهناك ارباب متفرقة تدير الكون والله عزوجل لا يدير الكون بنفسه وانما الارباب وهو فرعون كان يطرح نفسه كرب الناس وأله الناس يعني«مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ»، «أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى»، «مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي» يعني من مشرع غيري، من مدبر غيري كان يستفيد من هذه العقيدة الوثنية في تكريس حكمه وسلطانه وفي اعطاء القدسية، دائماً سيد مصطفى يعني الطغاة دائماً يحاولون ان يتبرقعوا بالدين، لماذا؟ حتى يكون وجودهم شرعي والناس تحب الدين، الناس يحبون كل شيء ينتمي الى الله عزوجل والى رب العالمين فيقدسونه فلهذا دائماً الطغاة يحاولون، حتى طغاة بني امية، كان يزيد خليفة ولهذا الحسين (عليه السلام) ثار من هذا المعنى يعني انه يستخدم الدين لأغراضه السياسية واغراض تكريس الحكم واعطاء القدسية لوجوده وحكمه.

*******

قصة مواجهة فرعون (۲)

بلغ بنا المقام سابقاً الی ان النبي موسی (عليه السلام) وصل الی بلاط فرعون وبداء يحاوره بلين كما امره الله تعالی بذلك الی ان سأل فرعون عن رَبُّ الْعَالَمِينَ الذي كان موسی (عليه السلام) يتحدث عنه: فقَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ. 
قال موسى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ.
التفت فرعون لمن حوله وقال هازئا: أَلا تَسْتَمِعُونَ.
قال موسى متجاوزاً سخرية الفرعون: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ. 
قال فرعون مخاطبا من جاءوا مع موسى من بَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. 
عاد موسى يتجاوز اتهام فرعون وسخريته ويكمل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ.
ان فرعون لم يكن يسأل موسى عن رب العالمين أو رب موسى وهارون بقصد السؤال البريء والمعرفة. إنما كان يهزأ. ولقد أجابه موسى إجابة جامعة مانعة محكمة «قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى». هو الخالق، خالق الأجناس جميعاً والذوات جميعاً. وهو هاديها بما ركب في فطرتها وجبلتها من خواص تهديها لأسباب عيشها. وهو الموجه لها على أي حال وهو القابض على ناصيتها في كل حال وهو العليم بها والشاهد عليها في جميع الأحوال. 
لم تؤثر هذه العبارة الرائعة والموجزة في فرعون. 
وها هو ذا يسأل: «فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى»، فهي لم تعبد ربك هذا؟ 
لم يزل فرعون ماضيا في استكباره واستهزائه. ويرد موسى ردا يستلفته إلى أن القرون الأولى التي لم تعبد الله، لن تترك بغير مساءلة وجزاء. كل شيء معلوم عند الله تعالى. هذه القرون الأولى «عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ». أحصى الله ما عملوه في كتاب. «لّا يَضِلُّ رَبِّي». أي لا يغيب عنه شيء. «وَلا يَنسَى». أي لا يغيب عن شيء. ليطمئن الفرعون بالا من ناحية القرون الأولى والأخيرة وما بينهما. إن الله يعرف كل شيء ويسجل عليها ما عملته ولا يضيع شيئاً من أجورهم. 
ثم استلفت موسى نظر فرعون إلى آيات الله في الكون ودار به مع حركة الرياح والمطر والنبات وأوصله مرة ثانية إلى الأرض، وهناك افهمه أن الله خلق الإنسان من الأرض، وسيعيده إليها بالموت، ويخرجه منها بالبعث، إن هناك بعثا إذن. وسيقف كل إنسان يوم القيامة أمام الله تعالى. لا استثناء لأحد. سيقف كل عباد الله وخلقه أمامه يوم القيامة. بما في ذلك انت يا فرعون وبهذا جئت مبشراً ومنذراً، لم يعجب فرعون هذا النذير، وتصاعد الحوار بينه وبين موسى. 
لذلك هاج فرعون على موسى وثار، وأنهى الحوار معه بالتهديد الصريح: «قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ». 
إلا أن موسى (عليه السلام) لم يفقد رباطة جأشه. كيف يفقدها وهو رسول الله، والله معه ومع أخيه؟ وبدأ الإقناع بأسلوب جديد، وهو إظهار المعجزة. 

*******

من هدي الائمة (عليه السلام)

عن أبان بن عثمان عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: لما بعث الله موسى الى فرعون أتى بابه فاستاذن عليه ولم يؤذن له، فضرب بعصاه الباب فاصطكت الابواب مفتحة، ثم دخل على فرعون فأخبره انه رسول رَبُّ الْعَالَمِينَ وسأله ان يرسل معه بَنِي إِسْرَائِيلَ فقال له فرعون كما حكي الله تعالى: «قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ(أي قتلت الرجل) وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ»، يعني كفرت نعمتي فقال موسى كما حكى الله تعالى: «قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ، فَفَرَرْتُ مِنكُمْ» الى قوله: أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فقَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ وإنّما سأله عن كيفية الله فقال موسى: «رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ».

*******

دروس وعبر

۱. جملة «إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ» في قوله تعالی «قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ» لعلها إشارةً إلى أنّ موسى (عليه السلام) يريد أن يفهم فرعون ومن حوله ـ ولو تلويحاً ـ أنه يعرف أن الهدف من هذا السؤال ليس إدراك الحقيقة لأنّه لو أراد إدراك الحقيقة والبحث عنها لكان استدلاله كافياً. 
فكأنّه يقول لهم: افتحوا أعينكم قليلاًَ وتفكروا ساعة في السماوات والأرض بما فيهما من الآثار وعجائب المخلوقات. لتطلعوا على معالمها وتصححوا نظرتكم نحو الكون:
۲. وممّا يُلفت النظر أن هذا الضالَّ المغرور اي فرعون لم يكن مستعدّاً حتى لأنّ يقول: «إنّ رسولنا الذي أرسل إلينا»، بل قال: «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ»، لأن التعبير برَسُولَكُمُ ـ أيضاً ـ له طابع الاستهزاء المقترن بالنظرة الإستعلائية، يعني إنني أكبر من أن يدعوني رسول وكان الهدف من اتهامه موسى بالجنون هو إحباط وإفشال منطقه القويّ المتين لئلا يترك أثراً في أفكار الحاضرين 
۳. صحيح أنّ موسى (عليه السلام) أشار بادىء الأمر إلى تدبير أمر السماوات والأرض، إلاّ أنه حيث أن السماء عالية جداً، وأن الأرض ذات أسرار غربية، فقد وضع موسى (عليه السلام) أخيراً إصبعه على نقطة لا يمكن لأحد إنكارها; ويواجهها الإِنسان كلّ يوم، وهي نظام طلوع الشمس وغروبها وما فيها من منهج دقيق وليس لأحد من البشر أن يدعي أنّ بيده نظامها أبداً. 

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم