قصة النبي سليمان وملكة سبأ- ۱

السبت 16 مارس 2019 - 18:43 بتوقيت طهران

الحلقة 13

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا
والصلاة والسلام علی رسوله وحبيبه محمد وآله الطيبين الطاهرين. 
يسعدنا ان نلتقي بكم في هذا الملتقی القرآني الذي نمضي عبره دقائق لنستنير بهدي القصص القرآنية؛ وفي هذا اللقاء سنتعرف علی جانب من حكاية نبي الله «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) مع الْهُدْهُدَ والتي تحدثت عنها الآيات ۲۰ حتی ۲٦ من سورة النمل. 
بعد مقدمه عن الحكاية ننصت معاً الی تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نقف عند معاني المفردات الواردة فيها.
نستمع الی الحوار الذي اجری مع خبير هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية بشأن بعض الأسئلة المثارة حول هذه القصة، لننتقل بعد ذلك الی محطة الحكاية.
ونستمر في تقديم البرنامج بفقرة من هدي الائمة (عليه السلام)، لننهي البرنامج بالدروس العملية المستفادة من قصة نبي الله «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) مع الْهُدْهُدَ التي تكون مفيدة وفيها لطائف كثيرة ومسائل دقيقة. 

*******

من هدي الآيات

يقول أوّلاً: «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ» هذا التعبير يكشف عن حقيقة، هي أنّه كان «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) يراقب وضع البلاد بدقـّة، وكان يتحرى أوضاع حكومته لئلا يخفى عليه غياب شيء، حتى لو كان طائراً واحداً. 
وممّا لا شك فيه أنّ المراد من الطير هنا هو الْهُدْهُدَ، لأنّ القرآن يضيف استمراراً للكلام: «قَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ». 
وهناك كلام بين المفسّرين في كيفية التفات «سُلَيْمَانُ» إلى عدم حضور الْهُدْهُدَ. 
فقال بعضهم: كان «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) عندما يتحرك تظلل الطير بأنواعها فوق رأسه فتكون مثل الخيمة، وقد عرف غيابالْهُدْهُدَ من وجود ثغرة في هذا الظل! 
وقال بعضهم: كان الْهُدْهُدَ مأموراً من قبل «سُلَيْمَانُ» بالتقصيّ عن الماء كلما دعت الحاجة إليه وعندما دعت الحاجة إلى الماء في هذه المرّة لم يجد الْهُدْهُدَ فعرف غيابه. 
وعلى كل حال، فهذا التعبير «مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ» ثمّ قوله: «أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ» لعله إشارة إلى أن غياب الْهُدْهُدَ هل كان لعذر مقبول أو لغير عذر؟ 
ومن أجل أن لا يكون حكم «سُلَيْمَانُ» غيابياً، وأن لا يؤثر غياب الْهُدْهُدَ على بقية الطيور، فضلاً عن الاشخاص الذين يحملون بعض المسؤوليات، أضاف «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) قائلاً: الْهُدْهُدَ«لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ».
والمراد من «السلطان» هنا هو الدليل الذي يتسلط به الإنسان من أجل إثبات قصده، وتأكيد هذا اللفظ بـ «مُّبِينٍ» هو أنّه لابد لهذا الفرد المتخلف من اقامة دليل واضح وعذر مقبول لتخلفه! 
ولكن غيبة الْهُدْهُدَ لم تطل «فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ» عاد الْهُدْهُدَ وتوجه نحو «سُلَيْمَانُ»: «فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ». 
وكأن الْهُدْهُدَ قد رأى آثار الغضب في وجه «سُلَيْمَانُ»، ومن أجل أن يزيل ذلك التهجم، أخبره أوّلاً بخبر مقتضب مهم، ولما سكن الغضب عن وجه «سُلَيْمَانُ»، حكی الْهُدْهُدَ له الخبر.
ممّا ينبغي الإلتفات إليه أنّ جنود «سُلَيْمَانُ» ـ حتى الطيور الممتثلة لأوامره ـ كانت قد أعطتهم عدالة «سُلَيْمَانُ» الحرية والأمن والدعة بحيث يكلمه الْهُدْهُدَ دون خوف وبصراحة لا ستار عليها فيقول: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ».
فتعامل الْهُدْهُدَ «وعلاقته» مع «سُلَيْمَانُ» لم يكن كتعامل الملأ المتملقين للجبابرة الطغاة، إذ يتملقون في البدء مدة طويلة، ثمّ يتضرعون ويعدون أنفسهم كالذرّة أمام الطود، ثمّ يهوون على أقدام الجبابرة ويبدون حاجتهم في حالة من التضرع والتملق، ولا يستطيعون أن يصرّحوا في كلامهم أبداً، بل يكنّون كنايةً أرق من الورد لئلا يخدش قلب السلطان غبار كلامهم! 
أجل، إنّ الْهُدْهُدَ قال بصراحة: غيابي لم يكن اعتباطاً وعبثاً. بل جئتك بخبر يقين «مهم» لم تحط به! 
فكان يعرف موضوعاً لا يعرفه أعلم من في عصره، لئلا يكون الإنسان مغروراً بعلمه، حتى لو كان ذلك «سُلَيْمَانُ» مع ما عنده من علم النبوّة الواسع. 
وعلى كل حال، فإنّ الْهُدْهُدَ أخذ يفصّل ل«سُلَيْمَانُ» ما حدث فقال: «إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ». 
لقد بيّن الْهُدْهُدَ ل«سُلَيْمَانُ» بهذه الجمل الثلاث جميع مواصفات هذا البلد تقريباً، وأسلوب حكومته! 
فقال أوّلاً: إنّه بلد عامر فيه جميع المواهب والإمكانات، والآخر إنّني وجدت امرأة في قصر مجلل تملكهم، والثّالث: لها عرش عظيم ـ ولعله أعظم من عرش «سُلَيْمَانُ» ـ لأنّ الْهُدْهُدَ كان رأى عرش «سُلَيْمَانُ» حتماً، ومع ذلك يصف عرش هذه الملكة بأنّه عظيم. 
ولما سمع «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) كلام الْهُدْهُدَ غرق في تفكيره، إلاّ أن الْهُدْهُدَ لم يمهله طويلا فأخبره بخبر جديد. 
خبر عجيب، مزعج مريب، إذ قال: «وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ» فكانوا يفخرون بعبادتهم للشمس وبذلك صدّهم الشيطان عن طريق الحق «فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ».
وقد غرقوا في عبادة الاصنام حتى أنّي لا أتصور أنّهم يثوبون إلى رشدهم «فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ».
وهكذا فقد بين الْهُدْهُدَ ما هم عليه من حالة دينية ومعنوية أيضاً، إذ هم غارقون في الشرك والوثنية، والحكومة تروّج عبادة الشمس والناس على دين ملوكهم، وأوضاعهم الأُخرى تدل على أنّهم سادرون في التيه، ويتباهون بهذا الضلال والإنحراف. 
ثمّ أضاف الْهُدْهُدَ قائلاً: «أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ». 
كلمة «أَلاَّ» مركبة من (أن ولا) كما يذهب إلى ذلك كثير من المفسّرين، وهي متعلقة بجملة «فَصَدَّهُمْ» أو «َزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ»وقدروا لها اللام فتكون الجملة علی هذا النحو من التقدير «صَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ»، «أَلاَّ» أن الظاهر أن «أَلاَّ»حرف تحضيض ومعناه (هلاّ) اي ان هذه الجملة من كلام الْهُدْهُدَ تعقيباً على ما سبق، وإن كان هناك من يقول بأنها استئنافية وإنها من كلام الله. 
كلمة «خَبء» معناها كل شيء خفي مستور، وهي هنا إشارة إلى إحاطة علم الله بغيب السماوات والأرض، أي: لِمَ لا يسجدون لله الذي يعلمُ غيب السماوات والأرض وما فيهما من أسرار؟! 
وما فسّره بعضهم بأن الخبء في السماوات هو الغيث، والخبء في الأرض هو النبات، فهو ـ في الحقيقة ـ من قبيل المصداق البارز، والطريف في الآية أنّها تتكلم أوّلاً عما خفي في السماوات والأرض، ثمّ تتكلم عن أسرار القلوب. 
وأخيراً يختتم الْهُدْهُدَ كلامه هكذا «اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ».
وهكذا يختتم الْهُدْهُدَ كلامه مستنداً إلى «توحيد العبادة» و«توحيد الرّبوبية» لله تعالى. مؤكداً نفي كل أنواع الشرك عنه سبحانه 

*******

اسئلة الخبير

نقف عند حكاية النبي «سُلَيْمَانُ» عليه السلام مع الْهُدْهُدَ التي جاءت في سورة النمل، حان موعدنا الان للننقل المكرفون الى الزميل مصطفى رجاء واللقاء القرآني الذي اجراه مع السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة: 
المحاور: نستضيف في هذه المحطة من البرنامج فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين خبير البرنامج استاذ العلوم القرآنية ونحن في قصة الْهُدْهُدَ وملكة سبأ، فضيلة السيد لماذا استند الْهُدْهُدَ من بين جميع صفات الله الى علمه بغيب العالم وشهوده الكبيرة والصغيرة؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، يعني تقصدون قول الْهُدْهُدَ، «فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ» فأن من صفات الله عزوجل الاساس هي العلم بالاشياء، هم كانوا يعبدون الشمس والشمس لا تشعر ولا ترى ولا تعلم وهذا نفي لألوهية الشمس فالاحاطة هنا «فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ مكث اما عائد لسُلَيْمَانُ (عليه السلام) او للهدهد يعني غير بعيد في الزمن فقال: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» بعد ذلك يقول «إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ، أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ» هذا يعني ان من صفات الاله هو العليم الخبير، السميع البصير فمن الاولى ان يعبدوا الله عزوجل ويعظموا الله بدلاً من الشمس لأنهم رأوا ان بالشمس فوائد قيمة وفوائد عظيمة ولكن لا يدل على الوهيتها وهي مخلوق من مخلوقات الله عزوجل، مدبر من قبل الله عزوجل ومع ذلك لا تعلم بعبادتهم ولا تعلم بخشوعهم وخضوعهم وهذا لا يمكن ان يعبد، كأنالْهُدْهُدَ ركز على قضية العلم، ان الله عزوجل هو علام الغيوب وهو الاولى بالتعظيم والاحق بأن يسجد له وانه لا معنى لعبادة هؤلاء، عبادة الشمس وغيرها لأن ليس لها شعور ولا علم لها بما يخفون وما يعلنون فالله سبحانه وتعالى هو المتعين كما ان نص الطباطبائي رائع هنا يقول: "الله هو المتعين للسجدة والتعظيم لا غير" لأنه العليم السميع الخبير البصير، هذه من صفات الالوهية والشمس لا ترى ولا تسمع وليس لها شعور بسجدتهم لأنه يسجدون للشمس من دون الله، الشمس لا تملك اي مظهر من مظاهر الالوهية ومظاهر الربوبية لأنها جاهلة بسجودهم، لا تشعر بهذا السجود والله عزوجل هو الخبير البصير الذي هو الاولى بالعبادة.
المحاور: نعم فضيلة السيد يعني كيف لم يحط «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) بوجود مثل هذه البلدة مع ما لديه من علم وامكانيات وفيرة في حكومته؟
السيد عبد السلام زين العابدين: سبحان الله هذا يبدو هو درس عظيم يعني «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» يعني حينما نقرأ هذه الآيات المباركة حقيقة يعيش الانسان التواضع، يعني «سُلَيْمَانُ» الذي آتاه الله ذلك الملك العظيم ومع ذلك الْهُدْهُدَ جندي من جنود «سُلَيْمَانُ» يغيب وهنا درس كبير كذلك «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ» انظرضرورة التفقد للقائد، القائد كان يتفقد الطير لأن الطير جندي من جنود «سُلَيْمَانُ» حينما رآه ذهب من دون اذنه وهذا يمكن ان نقول بالمبادرة يعني الجندي حينما يرى شيئاً مهماً وضرورياً ليس له وجوب ان يأخذ رأي القائد اذا كان لا يتحمل ذلك واذا كان الذهاب وترك الموقع فيه فائدة للاسلام وللدين وللمسلمين ولهذا الْهُدْهُدَ رأى ان من واجبه ان يترك الموقع وحينما تفقد «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) الطير قال: «مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ» درس عظيم يعني الْهُدْهُدَ جندي من جنود «سُلَيْمَانُ» يعلم مالم يعلم «سُلَيْمَانُ»، هذا درس كبير للقادة حقيقة وللرادة، هذا نبي من الانبياء وهدهد صغير، طير من جنوده يقول له: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ» حقيقة الانسان يجب ان يعيش التواضع مهما كان علمه كبيراً.
بالمناسبة هنا اتذكر لقاء موسى مع العبد الصالح، في روايات اهل البيت تقول سر لقاء موسى والعبد الصالح (عليهما السلام) ان موسى حدثته نفسه انه الاعلم فأوحى الله الى جبرئيل: «يا جبرئيل ادرك عبدي قبل ان يهلك فأن في مجمع البحرين من هو اعلم منه»هذه في الحقيقة دروس عظيمة ليطامن الانسان من علمه ومن زهوه العلمي مهما كان عظيماً ومهما كان كبيراً، نبي عظيم من انبياء الله عزوجل اتاه الله الملك ومع ذلك هدهد، جندي صغير من جنوده يعلمه امور لم يحط بها كما يقول الْهُدْهُدَ، الاحاطة يعني العلم التام بالشيء، هذا درس عظيم نتعلمه من قصة الْهُدْهُدَ و«سُلَيْمَانُ» (عليهم السلام). 

*******

من هدي الائمة (عليهم السَّلام)

روي في بحار الانوار عن الامام ابي الحسن الاول موسى الكاظم (عليه السَّلام) قال: إنّ سليمان بن داوود (عليه السَّلام) قال للالْهُدْهُدَ حين فقده وشكّ في أمره، فقال: «مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ» حين فقده فغضب عليه، فقال: «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ» وإنما غضب لأنه كان يدلّه على الماء فهذا وهو طائر قد أعطي ما لم يعط«سُلَيْمَانُ» وقد كانت الريح والنمل والجنّ والإنس والشياطين والمردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكان الطير يعرفه.

*******

قصّة الْهُدْهُدَ وملكة سبأ

في يوم من الايام أصدر نبي الله «سُلَيْمَانُ» أمره لجيشه أن يستعد، بعد ذلك، خرج «سُلَيْمَانُ» يتفقد الجيش، ويری استعراض جيشه. 
فاكتشف غياب الْهُدْهُدَ وتخلفه عن الوقوف مع الجيش، فغضب وقال: «مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ، لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ».
وقرر تعذيبه أو قتله، ان لم يأتيه الْهُدْهُدَ بدليل مقنع يبرر غيابه وعدم حضوره في ذلك الاستعراض. 
فجاء الْهُدْهُدَ بعد لحظات ووقف على مسافة غير بعيدة عن النبي «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) وقال: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ». 
فقال الْهُدْهُدَ يا «سُلَيْمَانُ» أنا أعلم منك بقضية معينة، فجئت بأخبار أكيدة من مدينة سبأ باليمن.
ثم اضاف الْهُدْهُدَ: «إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ» هكذا اخبر الْهُدْهُدَ النبي «سُلَيْمَانُ» عن مملكته بلقيس التي كانت تحكم في اليمن ووصف ملكها بان الله قد منحها قوة وملكاً عظيمين وسخـّر لها أشياء كثيرة.
ثم استمر الْهُدْهُدَ في بيان ما شاهده من ملك بلقيس فقال: لقد كان لها عرش ضخم جدا مرصّع بالجواهر «يا سُلَيْمَانُ! وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ»، انهم يعبدون الشمس «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ» وأضلهم «فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ». 
فتعجب نبي الله «سُلَيْمَانُ» من كلام الْهُدْهُدَ، ووصفه ما شاهده بام عينه فلم يكن شائعاً أن تحكم المرأة البلاد، وتعجب من أن قوماً لديهم كل شيء ويسجدون للشمس، وتعجب من عرشها العظيم، ولكن ماذا فعل النبي «سُلَيْمَانُ»، فلم يصدق الْهُدْهُدَ ولم يكذبه إنما «قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ».

*******

دروس وعبر

ما قرأناه في هذا القسم من الآيات، فيه لطائف كثيرة ومسائل دقيقة، يمكن أن يكون لها كبير الأثر في حياة الناس وسياسة الحكومات جميعاً، فرئيس الحكومة أو المدير العام، ينبغي عليه أن يكون دقيقاً في دائرته أو تشكيلاته التنظيمية، بحيث يتابع حتى غياب الفرد الواحد ويتفقده وان يراقب تخلف الفرد، وأن يتخذ الحكم الصارم، لكيلا يؤثر غيابه على الآخرين. 
ـ لا ينبغي أن يُصدر حكماً غيابياً أبداً دون أن يمنح المتخلف الفرصة للدفاع عن نفسه، مع الإمكان. 
ينبغي أن يجعل لكل جريمة عقاباً مناسباً وأن يكون العقاب بمقدار الذنب، وأن يراعي سلسلة مراتبه. 
ـ أنّ على أي شخص ـ حتى لو كان أكبر الناس، أو بيده أعظم المسؤوليات والقدرة الإجتماعية ـ أن يذعن للمنطق والدليل حتى ولو صدر من فم أضعف الخلق! 
ـ ينبغي أن تحكم الصراحة في محيط المجتمع، وأن يتمتع أفراده بالحرية بحيث يستطيع الواحد منهم عند اللزوم أن يقول لرئيس الحكومة: «أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ».
ـ من الممكن أن يكون أقل الأفراد على اطلاع ومعرفة، في حين أنّ أكبر العلماء وأصحاب النفوذ غير مطلعين، لكيلا يغتر أىّ إنسان بعلمه.
ـ في المجتمع البشري هناك حاجات وضرورات متبادلة، بحيث قد يحتاج أكبر شخص فيه ـ كسُلَيْمَانُ مثلاً ـ إلى مساعدة أدنى شخص حتى ولو كان مثل الْهُدْهُدَ! 

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم