قصة ذي القرنين -۲

السبت 16 مارس 2019 - 18:03 بتوقيت طهران

الحلقة 12

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله رحمة العالمين محمد وعلى عترته الاطهار الميامين.
في هذه الحلقة سنواصل الحديث عن القسم الثاني من رحلة ذي القرنين والتي تحدثت عنها سورة الكهف من الآية ۸۹ حتى ۹۹.
اذن تابعوا معنا محطات هذا اللقاء القرآني وهذا استعراض لها:
بعد مقدمة عن الحكاية نستمع معاً الى تلاوة هذه الآيات. ثم نقدم لكم ايضاحات حول مفاهيم الآيات والعبارات التي وردت في الحكاية نتابع معاً الحوار القرآني الذي اجريناه مع فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين حول الآيات.
لننتقل بعد ذلك الحكاية نفسها كما يذكرها لنا التأريخ. نستنير بهدي الائمة (عليهم السلام) واحاديث بشأن الرواية القرآنية ونختم البرنامج بباقة من الدروس والعبر المستخلصة من الحكاية.

*******

تحدثنا في الحلقة الماضية من هذا البرنامج عن سبب نزول هذه الايات التي تحكی قصة «ذِي الْقَرْنَيْنِ» وقلنا بأن مجموعة مِن قريش قرَّرت اختبار الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، حيث قامت هذه المجموعة بالتنسيق مع اليهود واستشارتهم بطرح ثلاث قضايا علی رسول الله لاختبار حقيقته وهل ان ما جاء به حق ام لا. من تلك القضايا كان السوال عن حكاية «ذِي الْقَرْنَيْنِ»وبما أنَّ قصة «ذي القرنين» كانت متداولة ومعروفة بين الناس، ولكنّها كانت محاطة بالغموض والإِبهام، لهذا السبب طالبوا الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الإِدلاء حولها بالتوضيحات اللازمة.
وقد نزل الوحي الالهي علی قلب الرسول (صلى الله عليه وآله) يخبره شيئاً من قصة «ذِي الْقَرْنَيْنِ» كما جاء في الاية المباركة «قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا».
في الحلقة الماضية بلغ بنا الحديث الی ان ذا القرنين وعندما إنتهى مِن سفره إِلى الغرب توجه إِلى الشرق حتى إِذا بلغ مطلع الشمس وجد قوماً يعبر عنهم القرآن الكريم بعبارة: «قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا» اي من دون الشمس.
نعم، الآيات فهي تشير إِلى سفر آخر مِن أسفار «ذِي الْقَرْنَيْنِ» حيثُ تقول: «ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا» أي بعد هذه الحادثة استفاد مِن الوسائل المهمّة التي كانت تحت تصرفه ومضى في سفره حتى وصل إِلى موضع بين جبلين: «حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا».
والآية إِشارة إِلى أنَّهُ وَصَل إِلى مَنطقة جبلية، وهناك وَجدَ أُناساً كانوا على مستوى دان مِن المدنية، لأنّ الكلام أحد أوضح علائم التمدُّن لدى البشر والبعض احتمل أنَّ جملة «لّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا» لا تعني أنّهم لم يكونوا يعرفون اللغات، بل كانوا لا يفهمون فحوى الكلام، أي كانوا مُتخلفين فكرياً.
في هذه الأثناء اغتنم هؤلاء القوم مجيء «ذِي الْقَرْنَيْنِ»، لأنّهم كانوا في عذاب شديد مِن قبل أعدائهم يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، لذا فقد طلبوا العون منهُ قائلين: «قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا».
قد يكون كلامهم هذا تمَّ عن طريق تبادل العلامات والإِشارات، لأنّهم لا يفهمون لغة «ذِي الْقَرْنَيْنِ»، أو أنّهم تحدثوا معهُ بعبارات ناقصة لا يمكن الإِعتداد بها.
في كل الأحوال، يمكن أن نستفيد مِن الآية الشريفة أنَّ تلك المجموعة مِن الناس كانت ذات وضع جيِّد مِن حيث الإِمكانات الإِقتصادية، إِلاَّ أنّهم كانوا ضعفاء في المجال الصناعي والفكري والتخطيطي، لذا فقد قبلوا بتكاليف بناء هذا السد المهم، بشرط أن يتكفل ذو القرنين ببنائه وهندسته.
أمّا ذو القرنين فقد أجابهم: «قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ»، اي أنّي لا أحتاج إِلى مساعدتكم المالية وإِنّما قال: «فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا».
كلمة «رَدْم» وهي في الأصل تعني ملء الشق بالأحجار، إِلاّ أنّها فيما بعد أخذت معنىً واسعاً بحيث شملَ كل سد، بل وشمل حتى ترقيع الملابس.
يعتقد بعض المفسّرين أنَّ كلمة «رَدْم» تقال للسد القوي، ووفقاً لهذا التّفسير فإِنَّ ذا القرنين قد وعدهم بأكثر ممّا كانوا ينتظرونه.
ثمّ أمر ذو القرنين فقال: «آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ» «زبر» جمع «زُبرة»، وتعني القطع الكبيرة والضخيمة مِن الحديد وعندما تهيأت قطع الحديد أعطى أمراً بوضع بعضها فوق البعض الآخر حتى غطّي بين الجبلين بشكل كامل: «حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ».
«صَّدَفَ» تعني هنا حافة الجبل، ويتـّضح مِن هذا التعبير أنَّ هناك شقاً بين حافتي الجبل حيث كانَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يدخلان منه، وقد صمم ذو القرنين ملأ هذا الشق. 
الأمر الثالث لذِي الْقَرْنَيْنِ هو طلبه مِنهم أن يجلبوا الحطب وما شابههُ، على جانبي هذا السد، وأشعل النار فيه ثمّ أمرهم بالنفخ فيه حتى احمرَّ الحديد مِن شدة النّار: «قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا» لقد كان يهدف ذو القرنين مِن ذلك الى ربط قطع الحديد بعضها ببعض ليصنع منها سداً من قطعة واحدة، وعن طريق ذلك، قام ذو القرنين بنفس عمل «اللحام» الذي يُقام به اليوم في ربط أجزاء الحديد بعضها ببعض.
أخيراً أصدر لهم الأمر الأخير فقال: اجلبوا لي النحاس المذاب حتى أضعه فوق هذا السد: «قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا».
وبهذا الشكل قام بتغطية هذا السد الحديدي بطبقة النحاس حتى لا ينفذ فيه الهواء وحتى يحفظ مِن التآكل والمشهور في معنى «قِطْر» هو ما قلناه (أي النحاس المذاب)، وأخيراً، أصبح هذا السد بقدر مِن القوّة والإِحكام بحيث: «فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا».
لقد كان عمل «ذِي الْقَرْنَيْنِ» عظيماً ومهماً، وكانَ لهُ وفقاً لمنطق المستكبرين ونهجهم أن يتباهى بهِ أو يمنّ به، إِلاَّ أنَّهُ قال بأدب كامل: «قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي» لأنَّ أخلاقهُ كانت أخلاقاً إِلهية.
ثمّ استطرد قائلاً: لا تظنوا أنَّ هذا السد سيكون أبدياً وخالداً: «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا».
لقد أشار ذو القرنين في كلامه هذا إِلى قضية فناء الدنيا وتحطِّم هيكل نظام الوجود فيها عند البعث.

*******

اسئلة الخبير

مازلتم مع برنامج القصص الحق الذي يقدم لحضراتكم من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران اذا نتامل معاً في حكاية «ذِي الْقَرْنَيْنِ» وقد وقفنا عند المفاهيم ومعانی العبارات التي تحملها الايات في المحطة السابقة اما الان لننتقل الی ضيف هذه الحلقة سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة:
المحاور: استضيف في هذه الحلقة من برنامجنا خبير البرنامج فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية، فضيلة السيد في تتمة قصة ذو القرنين ثمة بحوث حول هوية يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وموقعيت السد الذي بناه ذو القرنين، يعني كيف هو المخرج الصحيح من هذه البحوث؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم يعني الحديث كما قلنا اخ مصطفى يعني حول التاريخ دخلت فيه الاسرائيليات كثيراً كثيراً ولو تقرأ ما كتبه المؤرخون وما جاء في بعض كتب التفسير من اسرائيليات عجيبة حول يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَوحول خلقت يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ولهذا نحن نترك كل هذا الامر ونأخذ العبرة «قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا» او ما يمكن ان يكون صحيحاً، هناك في قضية تشخيص اقوام يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بعضهم قال ان يأجوج هم التتر ومأجوج هم المغول هذا لعله اقرب مقولة يعني بحسب السياقات القرآنية والتاريخ ان التتر هم يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ المغول ولكن المفسرون اجمعوا على ان هؤلاء اقوام متوحشة يعيشون في منطقة منغولستان، هذه المنطقة كانت كثيرة السكان ويزداد عندهم السكان بشكل كبير جداً وبسرعة هائلة بحيث يحاولون ان ينتشروا ويحتلوا اراضي الاخرين ويتوسعوا من خلال الاحتلال يعني على ما يظهر من القرآن انهم جماعة طاغية، جبارة، تحتل وتقتل وهذا جنكيزخان يمثل الامتداد، منذ القرن الرابع الميلادي ادى هؤلاء الى سقوط الامبراطورية الرومانية، القرن الثاني عشر الميلادي قام جنكيزخان بهجوم على الشرق الاسلامي ودمروا وكما نعرف قضية هولاكو واحتلاله الى بغداد، طبعاً هولاكو جده هو جنكيزخان احتل بغداد عام ٦٥٦ هجرية لهذا يكاد يجمع المفسرون على ان يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هم هؤلاء الاقوام يعني من المغول او التتر.

*******

القصة «ذِي الْقَرْنَيْنِ»

تابعتم في الحلقة الماضية كيف اصبح ذو القرنين ملكاً على البلاد كلها والبلاد المجاورة لها، وقام بنشر العدل والامن بين الناس كما اشرنا الی انه عزم على ان يجول بجيشه القوي المنتصر في ارجاء الارض لكي يطهر شرقها وغربها بكلمة الله، وقد اعطاه الله كل ما يجعله قوياً ومنتصراً في الارض. وسار ذو القرنين بجيشه الی الغرب، فجری ما جری وبعدما اطمأن على حال الغرب واخذ يدعو كل قوم يلقاهم في طريقه لعبادة الله وحده وهو وجيشه متجهون الی الشرق الی ان وصل الى بلاد نهايتها المحيط فعاد يمشي بجيشه في سهول الصين الواسعة، فوجد فيها اودية خصبة وهضاباً وعرة. يصعب السير فيها، وظل يمشي حتى وصل الى فتحة واسعة عريضة بين جبلين عاليين، ووجد وراء الجبلين امة وقبيلة من الناس، وكانت هذه الفتحة الواسعة بين الجبلين هي سبب تعبهم ومشقتهم، وخوفهم على اولادهم وانفسهم، لان من هذه الفتحة الواسعة تاتي قبيلتان متوحشتان، كانوا يعتدون عليهم، فيهلكون زرعها وثمرها، ويقتلون النساء والرجال والاطفال بوحشية لا رحمة ولا دين عندهم، هم يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.
ولما رات القبيلة جيش «ذِي الْقَرْنَيْنِ» يأتي بلادها، وسمعت عن عدله وصلاحه فرحت به، وذهب وفد من شيوخها، الی «ذِي الْقَرْنَيْنِ» وقالوا له: يا ذا القرنين اننا امنا بما تؤمن به ونعبد الله وحده.
بعد ذلك اشتكوا من فساد يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، و«قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا».
قالوا له: ان يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لديهم الكثير من الاولاد ويتكاثرون بسرعة هائلة، وانهم سيملئون الارض باولادهم عن قريب، وينشرون الفساد والكفر بين الناس.
وهكذا طلبوا منه ان يقيم سداً منيعاً بين الجبلين، يسد الفتحة التي يدخل منها يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وعرضوا على «ذِي الْقَرْنَيْنِ» ان يعطوه اجرا لهذا العمل.
فاجابهم: اني لا ابحث عن المال وانما انشر الايمان وعبادة الله وحده، وانما اريده منكم هو ان تعينوني على بناء هذا السد الذي تريدون بناءه.
امر ذو القرنين القوم بان يجمعوا قطع الحديد، وامر المهندسين فقاسوا المسافة بين الجبلين وارتفاعها، وامر العمال فحفروا اساساً في الارض، ووضع قطعاً من الحديد بين الجبلين، وجعل بين كل طبقة من الحديد واخرى كمية من الفحم، ومازال يرفع الحديد العريض حتى سد بين الجبلين، وظل العمال ينفخون في الفحم حتى تحولت قطع الحديد الى نار سائلة، وصب النحاس على الحديد المنصهر فملأ الشقوق، وتحول السد الى سد ضخم عال لا يستطيع يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ النفاذ منه.
رأى ذو القرنين هذا السد فحمد الله وشكره، وقال: «قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي».
وفرحت الامة الصالحة، وعاشت في امان كامل وتفرغت للعبادة وعمل الخير، فكان ذو القرنين لهذه القبيلة رحمة من الله للمؤمنين. 

*******

من هدي الائمة (عليهم السلام)

في تفسير العياشي عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزوجل: «لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا» قال: لم يعلموا صنعة البيوت.
وفي تفسير القمي في الاية قال: لم يعلموا صنعة الثياب.
وفي الدر المنثور أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله «حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ»، قال الجبلين أرمينيه وآذربيجان.

*******

واخيراً الی الدروس والعبر المستفادة من قصة «ذِي الْقَرْنَيْنِ» القرآنية: 

دروس وعبر

اولاً: إِنَّ «ذا القرنين» لم يستبعد حتى تلك المجموعة التي لم تكن تفهم الكلام، أو كما وصفهم القرآن: «لّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا»بل إِنَّهُ استمع إِلى مشاكلهم، ودأب على رفع احتياجاتهم بأيّ أُسلوب كان، وبنى لهم سداً محكماً بينهم وبين أعدائهم اللدودينيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وقد قام بإِنجاز أُمورهم بدون أن يفرّق بينهم (رغم أنَّ مثل هؤلاء الناس كانوا عديمي الفهم لا ينفعون الحكومة بأي شيء).
وفي حديث عن الإِمام الصادق (عليه السلام) نقرأ قوله: إسماع الأصم مِن غير تصعرُّ (يعني التكبّر صدقة هنيئة.
ثانياً: الأمن هو أوّل وأهم شرط مِن شروط الحياة الإِجتماعية السالمة، لهذا السبب تحمَّل «ذو القرنين» أصعب الأعمال وأشقها لتأمين أمن القوم مِن أعدائهم.
وعادةً لا يسعد المجتمع مِن دون قطع الطريق على المفسدين، ولهذا فإِنَّ أوّل شيء طلبهُ إِبراهيم (عليه السلام) عند بناء الكعبة هو الأمن: «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا».
الدرس الثالث: هو أنَّ أصحاب المشكلة الأصليين معنيون بالدرجة الأُولى في الإِشتراك في الجهد المبذول لحل مُشكلتهم، لذا فإِنَّ «ذا القرنين» أعطى أمراً إِلى الفئة التي اشتكت إِليه أمر يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بأن يجلبوا قطع الحديد، ثمّ أعطاهم الأمر بإِشعال النار في أطراف السد لدمج القطع فيما بينها، ثمّ أمرهم بتهيئة النحاس المذاب. وعادة فإن العمل الذي يتمّ بمساهمة وحضور الأطراف الأصليين في المشكلة يؤدي إِلى إِظهار استعداداتهم ويعطي قيمة خاصّة للنتائج الحاصلة منه، وللجهود المبذولة فيه، ومِن ثمّ يحرص الجميع للحفاظ عليه وإِدامته بحكم تحملهم لمجهودات إِنشائه.
كما يتـّضح من هذه النقطة أن،َ المجتمع المتخلف والمتأخّر يستطيع أن يُنجز أعمالا مهمّة وعظيمة اذا تمتع ببرنامج صحيح وإِدارة مُخلصة.
رابعاً: الزعيم الإِلهي والقائد الرّباني لا يلتفت إِلى الجزاء المادي والنفع المالي وإِنّما يقتنع بما حباه الله، لذا رأينا «ذا القرنين» عندما اقترحوا عليه الأموال قال: «مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ» وهذا النمط مِن السلوك يخالف أساليب السلاطين وولعهم العجيب بجمع الثروة والأموال.
كما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى».
اجل احبة القرآن إِحكام الأُمور هو درسٌ آخر نستفيده مِن هذه القصّة، فذو القرنين استفاد مِن القطع الحديد الكبرى في بناء السد، وقد وصلها بالنّاَّر، ثمّ غطّاها بالنحاس المذاب كي تمتنع عن التلف والصدأ إِذا تعرضت للهواء والرطوبة.
مهما كان الإِنسان قوياً ومُتمكناً وصاحب قدرة واستطاعة في إِنجاز الأعمال، فعليه، أن لا يغترَّ بنفسه، وهذا هو درسٌ آخر نتعلمهُ مِن قصة «ذِي الْقَرْنَيْنِ». فقد اعتمد في جميع شؤونه على قدرة الخالق جلَّ وعلا، وقالَ بعد اتمام السدّ: «هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي». وعندما اقترحوا عليه المساعدة المالية قال: «مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ».
وأخيراً عندما يتحدث عن فناء هذا السد المحكم، فإِنَّهُ لا ينسى أن ينسب موعد ذلك إِلى الله تعالى، كل شي إِلى زوال مهما كان محكماً وصلداً. هذا هو الدرس الأخير في هذه القصة، وهو درس للذين يتمنـّون أو يظنّون خلود المال أو المنصب والجاه. إِنَّ سدّ «ذِي الْقَرْنَيْنِ» أمر هيِّن قياساً إِلى انطفاء الشمس وفناء الجبال الراسيات، إِذاً فكيف بالإِنسان المعرَّض للأضرار أكثر من غيره!؟

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم