البث المباشر

معارفه وحكمه

الخميس 15 نوفمبر 2018 - 20:01 بتوقيت طهران
معارفه وحكمه

ان محاولة الحديث عن دنيا المعرفة عند علي عليه السلام مهما اعطيت من التوفيق يستحيل عليها ان تحد الفكر العلوي العظيم وتحيط بأبعاد المعرفة التي تميز بها الامام عليه السلام.

وطرحها في ساحة الفكر الانساني وحسبك ان كل مدرسة فكرية ظهرت في دنيا المسلمين كل منها تعلن انتمائها فكريا للامام عليه السلام حتى ان كانت مخالفة للواقع والحق وكأن قولها بالاستمداد من علي عليه السلام يعطيها صفة الشرعية وحق الحياة فالاشاعرة نسبوا انفسهم له والمعتزلة ادعوا الانتماء اليه وزعمت مدرسة الرأي في الفقه انتمائها اليه وذهب المتصوفة الى ان امامهم امير المؤمنين فيما ذهبوا وسوى هؤلاء كثير.  هذا فضلا عن حملة مبادئة من الذين التزموا مذهب اهل البيت عليه السلام الثقل الثاني بعد القران الكريم, الذي الزمت الشريعة بالتمسك بهما وسلوك دربهما على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله مبلغاً عن الله عزوجل:  (اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا ابدا وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض).  فادعاء جميع المدارس الفكرية والفقهية انتمائها للامام علي عليه السلام وانتالها من فيض علمه مؤشر كبير على عظمة الامام عليه السلام وعلو شأنه في دنيا الفكر الاسلامي. الامر الذي لم يكن لاحد من المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله طوال التاريخ الاسلامي. 

فعلي عليه السلام قد تنازعته كل الحركات الفكرية والفقيهة التي ولدت في تاريخ المسلمين بل قال بالانتساب اليه اصحاب النشاطات الفكرية والثقافية والعلمية من نحويين واهل القراءات وعلماء التفسير واهل الحديث والفقه وسواهم على ان الانتساب لعلي عليه السلام في الحقل المعرفي او ادعاء الانتساب اليه لم يأت عفوا ابدا وانما هو شاهد قوي على ان عليا عليه السلام لم يترك حقلا من حقول المعرفة الصحيحة الا ووضع اسسه وحدد معالمه وترك الباب مفتوحا لرواد المعروفة ان ينهلوا منه.  ولم يكن العطاء الفكري العظيم الذي اسداه ا لامام عليه السلام للانسان الا حصيلة طبيعية للاعداد الخاص الذي توفر للامام عليه السلام من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله منذ طفولة الامام عليه السلام حتى اخر ساعة من حياة الرسول صلى الله عليه و آله.

ولقد اشار الامام عليه السلام ذاته الى الى ذلك الاعداد الذي وفره له رسول الله صلى الله عليه وآله وكشف عن اهميته وابعاده في حياة الامام عليه السلام بقوله: (... وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه واله بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة وضعني في حجره وانا ولد يضمني الى صدره ويكنفني في فراشه ويمسني جسده ويشمني عرفه وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه وما وجد لي كذبة في قول ولا خلطة في فعل... ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه يرفع لي في كل يوم من اخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحدا يومئذ في الاسلام غير رسول الله صلى الله عليه واله وخديجة وانا ثالثهما. ارى نور الوحي والرسالة واشم ريح النبوة). 

ولاستمراية ذلك الاعداد الخاص لعلي عليه السلام يشير ابو سعيد الخدري رضوان الله عليه بقوله: (كانت لعلي من رسول الله صلى الله عليه وآله دخلة لم تكن لاحد من الناس). وعن ابن عباس رضوان الله عليه عن علي عليه السلام قال:  كان لي من النبي صلى الله عليه وآله مدخلان: مدخل بالليل مدخل بالنهار). 

ولقد كان ذلك الاعداد الرسولي منصبا علىجميع جوانب شخصية الامام عليه السلام من اجل تأهيله فكريا ونفسيا لاحتلال موقع المرجعية الفكرية والسياسية للامة الاسلامية بعد غياب رسول الله صلى الله عليه وآله عن مسرح الحياة.  وحيث ان حديثنا هذا يهدف الى دراسة العطاء الفكري الثر الذي وهبه الامام عليه السلام للانسانية فلا بد من ان نشير الى ان رسول الله صلى الله عليه وآله حين اكمل بناء الجانب الفكري من شخصية الامام عليه السلام واهلّه لخلافته في هذا المضمار اخذ صلى الله عليه وآله يبلغ الامة بحقيقة ما وصل اليه الامام عليه السلام من مستوى عظيم في ميدان المعرفة:  (انا مدينة العلم وعلي بابها فمن ا راد العلم فليأته من بابه).  (علي باب علمي ومبين لامتي ما ارسلت به..). 

وعن ابن مسعود قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله فسئل عن علم علي عليه السلام؟ فقال:  (قسمت الحكمة عشرة اجزاء فاعطى علي تسعة اجزاء والناس جزءا واحدا وهو اعلم بالعشر الباقي).  وهناك احاديث شريفة بهذا الشأن لا تكاد تحصى كثرة وهي تهدف جميعاً الى بيان المكانة التي يحتلها الامام عليه السلام في الجانب المعرفي, وتدعو الامة صراحة الى وجوب اخذ معارف التشريع الالهي عن طريقه فمنه تستمد الهدى وهو الصراط المستقيم الموصل الى الله تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. 

ولقد ادرك الكثير من معاصري الامام عليه السلام ما يحظى به الامام عليه السلام من علو شاهق في مجالات المعرفة بشتى حقولها وجوانبها وما يتبوؤه من مقام رفيع في مسيرة الاسلام الخالدة:  فها هو ابن عباس رضوان الله عليه يقول:  - اعطي علي بن ابي طالب تسعة اعشار العلم وانه لاعلمهم بالعشر الباقي. 

وعطاء بن ابي رباح يقول حين سئل هل تعلم احدا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله اعلم من علي؟  - لا والله ما اعلمه.  - وعمر بن الخطاب يقول: العلم ستة أسداس, لعلي من ذلك خمسة أسداس وللناس سدس ولقد شاركنا في السدس حتى لهو اعلم به منا.  - ولكم كان الخلفاء الذي سبقوه تاريخيا يرجعون اليه في مسائل القضاء والحكم والادارة حتى ان عمر بن الخطاب كان يردد:( لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن) او يقول:(اعوذ بالله من معضلة لا علي لها).  - وعائشة تقول: (علي اعلم الناس بالسنة).  وغير هؤلاء كثير..  على ان امير المؤمنين عليه السلام قد افصح مراراً وفي مناسبات شتى عما يحمل من علم شامل غزير. 

فتراه يخاطب اصحابه بأن صدره يحمل علماً عظيما تلقّاه من رسول الله صلى الله عليه و آله ولو وجد له حملة امناء يتصدون لحمله وتبليغه لاودع بعض علمه لديهم: (ان في صدري هذا لعلماً جماً علّمنيه رسول الله صلى الله عليه وآله ولو اجد له حفظة يرعونه حق رعايته ويروونه عني كما يسمعونه مني, اذاً لاودعتهم بعضه..).  ثم يكشف في مناسبة اخرى عن حجم ذلك العلم الذي يحمل ويبين ابعاده ومساحته, فعن ابن نباته قال:  (لما بويع امير المؤمنين عليه السلام بالخلافة خرج الى المسجد معما بعمامة رسول الله صلى الله عليه وآله لابساً بردته فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ووعظ وانذر ثم جلس متمكناً وشبك بين اصابعه ووضعها اسفل سرته ثم قال:  (يامعشر الناس سلوني قبل ان تفقدوني, سلوني فان عندي علم الاولين والاخرين اما والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين اهل التوراة بتوراتهم وبين اهل الانجيل بانجيلهم وبين اهل الزبور بزبورهم وبين اهل الفرقان بفرقانهم حتىينهي كل كتاب من هذا الكتب ويقول: يارب ان علياً قضى بقضائك والله اني لاعلم بالقران وتأويله من كل مدع علمه, ...ثم قال: سلوني قبل ان تفقدوني فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن أية لاخبرتكم بوقت نزولها وفيم نزلت وانبأتكم بناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها ومحكمها من متشابهها ومكيها من مدنيا والله ما من فئة تضل او تهدي الا انا اعرف قائدها وسائقها وناعقها).  (سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء الا اخبرتكم وسلوني عن كتاب الله فوالله ما من اية الا وانا اعلم أبليل نزلت ام بنهار ام في سهل ام في جبل. 

ولو قدر ان علياً عليه السلام لم يتسن له ان يساهم بما ساهم في من علم جم الامر الذي سنتناوله خطوطه العريضة في هذا الفصل في المجالات الفكرية فان نداءاته الملحة في مناسبة واخرى:( سلوني قبل ان تفقدوني) آية جلية على قدراته الفائقة في حقول المعرفة بشتى ضروبها وامتدادتها لو قدر كذلك ان الرسول صلى الله عليه وآله لم يكشف عما لعلي عليه السلام من سابقة في العلم وعلو شاهق في المعرفة لكان اصرار علي عليه السلام على دعوة الناس بتلقي العلوم منه شاهدا قويا لا يرد على ما له عليه السلام من علم غزير فان ثقته العالية بنفسه في مضمار العلم هي التي تدفعه لتكرار ذلك ا لنداء الفريد الذي ما حدثنا التاريخ ان رجلا قدم عليه قبل علي عليه السلام خوف الفضيحة والنكوص عن الاجابة!  ولقد تنبه الكثير من اصحاب العقول الى ما ينطوي عليه ذلك النداء العلوي: (سلوني) من اهمية بالغة فقد قال سعيد بن المسيب: (ما كان احد من الناس يقول سلوني غير علي بن ابي طالب).  وعن ابن شبرمة يقول: (ليس لاحد من الناس من ان يقول على المنبر سلوني الا علي بن ابي طالب).  فالنداء المذكور بكثرة الحاحه وحرارته يحمل بين ثناياه دليلا علىما حواه الامام عليه السلام من علم شمولي يمد الانسان بالغني والخير والهدى والسداد.

من ابعاد المعرفة

بمقدورنا بعد ايراد التوطئة المتعلقة بالحقل المعرفي عند امير المؤمنين ان نقول ان تصورا قد تكامل لدينا حول عمق المعرفة وشمولها عند الامام عليه السلام فهو وريث رسول الله صلى الله عليه وآله والمبين للامة ما بعث به ومرجعها في كل تساؤلاتها الفكرية الملحة كل ذلك كان حصيلة لاعداد مسبق من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله اشرنا لبعض مصاديقه فيما مضى من حديث.  بقى ان نشير في هذا الفصل الى ابعاد المعرفة التي اسداها الامام عليه السلام للانسان: المسلم منه وغير المسلم.  ففكر علي عليه السلام وان كان رساليا هادفا الى خدمة الرسالة الالهية وحملتها وعاملا على دفع عجلة مسيرة الاسلام التاريخية الى الامام فانه يبقى منها عذبا لتصيب منه الانسانية بشتى نحلها واتجاهاتها الفكرية وهو كفيل بهدايتها الى الحق والى صراط مستقيم. 

وقبل ان نعرض الخطوط العامة للجانب المعرفي عند الامام عليه السلام جدير بنا ان نشير الى انه عليه السلام بالرغم مما طرحه في دنيا الفكر الانساني من ابواب المعرفة المتعددة فاننا نظل عند قناعتنا من ان الامام عليه السلام لم تسعفه الظروف الاجتماعية والسياسية على حد سواء في ان يسدي للانسان بالكثير مما عنده من معرفة. فاذا اهملنا اثر الظروف السياسية التي المت بالامام عليه السلام ومنعته من اداء مهماته على الشكل المرجو من اجل مصلحة الرسالة والانسان فان الظروف الاجتماعية لا تقل خطرا عن تلك الظروف, فالمجتمع الذي عايشه الامام عليه السلام لم يكن في مستواه من ناحية وعيه الحضاري قادراً على ادراك الامام واهميته ودوره الرسالي الخطير في حياة الناس, ولعل ابلغ شاهد على ذلك ما كان يواجهه الامام عليه السلام من تساؤلات فجة واعتراضات تافهة يدعو قومه للافادة مما يحمل من علم جم تلقاه من سول الله صلى الله عليه وآله.  ونذكر بهذا الصدد بعض تلك المواقف التي تقطر سخفا وبلادة:-  فقد خطب الناس مرة بقوله: سلوني قبل ان تفقدوني فوالله لا تسألون فئة تضل مائة او تهدي مائة الا نبأتكم بناعقها وسائقها ولو شئت لاخبرت كل واحد منكم بمخرجه ومدخله وجميع شأنه:  فقال اليه سنان ابن انس النخعي قائلا: اخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر!!  وبينما كان الامام عليه السلام يوما يحدث قومه عن بعض حوادث المستقبل كبر على اعشى باهلة –عامر بن الحارث- ما تحدث به الامام عليه السلام فقال له: يا امير المؤمنين ما اشبه هذا الحديث بحديث خرافة. 

هذه بعض المواقف التي اتخذها السفهاء من الناس الذي عاصروا الامام عليه السلام فأضاعوا اثمن فرصة مرت بالامة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله.  وبالرغم من ذلك كله فاننا ينبغي الا نغفل ما كان ينطوي عليه ذلك المجتمع من طلاب للمعرفة من اجل الوصول الى الهدى والخير. 

وكانت تلك الفئة واعية لحقيقة الامام عليه السلام مؤمنية بقدرته الفائقة علىطرح شتى انواع الفكر الاسلامي في العقائد والتشريع وفي مختلف ابواب المعرفة الضرورية لمسيرة الانسانية كلها.  وقد قابل امير المؤمنين عليه السلام اولي الالباب بنفس الثقة التي اولوها له فخصهم بالكثير من الوان الاعداد والتوجيه والتثقيف ليواصل المسيرة التي بدأها رسول الله صلى الله عليه وآله والتي يقودها خط الامامة عبر التاريخ الاسلامي ابتداء بعلي عليه السلام وانتهاء بابي القاسم الامام المهدي عليه السلام. 

وقد بلغ بالامام عليه السلام ان يكشف الكثير من اسرار المعرفة لاولئك المتقين الافذاذ من الرجال, كما وقد تعاهد الامام عليه السلام امر اعداد الحملة الحقيقين للرسالة الالهية ممن بدأ الرسول صلى الله عليه و آله عملية اعدادهم او غيرهم...  على ان الذي توفر للامام عليه السلام طرحه من اراء ومبادئ وحكم ومفاهيم في ساحة الفكر الانساني كفيل بعضه دون جميعه بابراز عظمة الامام عليه السلام وقدراته العلمية الفائقة.
 

صور من الفكر السياسي-الاجتماعي

بالرغم من قصر المدة التي قضاها امير المؤمنين عليه السلام في قيادة الامة اجتماعيا وسياسيا فان الفكر السياسي الذي عرضه الامام عليه السلام كفيل بتغطية حاجات الانسان عبر امتداده التاريخي على هذه الارض, فقد جاءت خطب الامام عليه السلام ورسائله واوامره وارشاداته زاخرة بهذا اللون من الفكر مجسداً اروع اطروحة وانضجها لادارة شؤون الحياة الانسانية.  ففي الحقل الاقتصادي عرض الامام عليه السلام نظاماً متكاملا لعلاج المشكلة الاقتصادية وظاهرة الانحراف عن خط العدالة الاسلامية في التوزيع وحدد برامج واضحة لتجاوز الاخطاء المتراكمة في مسألة توزيع المال بين الناس من خلال منهاج التسوية في العطاء. 

ولم يلتمس الامام عليه السلام المواقف والوعظية في علاج المشكلة الاقتصادية واقرار العدالة في المجتمع فحسب وانما سلك الىجانب مخاطبة الضمائر والاستفادة من رصيد الايمان بالله فيها. سلك سبيل استخدام الضوابط القانونية في تحقيق التوازن والعيش الرغيد وانهاء دور الظلم في المجتمع ومن اجل ذلك استرد الاموال التي تدفقت على جيوب فئة من الناس من غير حق وسلك سبيل مراقبة طرق جباية الاموال وكيفية توزيعها على قطاعات الامة كما شدد على مراقبة ولاته في الامصار واستحدث نظام المراقبة والتفتيش ليحيط علما بتصرفاتهم وممارساتهم ومن هنا تجد الكثير من النصوص التي يوجه فيها الامام عليه السلام والياً او جابياً للمال باتجاه الطريقة المثلى في عمله المناط به,كما نجد نصوصا يوبخ فيها الامام عليه السلام ذلك الوالي او يستدعيه للحساب او يعزله عن منصبه لخيانةالامانة التي انيطت به. 

وكما وضح الامام عليه السلام مناهجه القويمة المجسدة لشرع الله تعالى في المال, كذلك فعل بالنسبة للادارة وشؤون القيادة الاخرى في المجتمع, فبالرغم من كثرة النصوص التي حفظها لنا نهج البلاغة وكتب السيرة الاخرى التي يحدد عليه السلام فيها مسؤولية الولاة والعمال على البلدان وما ينبغي ان يلتزموا به في حياتهم العملية, يضع الامام عليه السلام المواصفات الواجب توفرها في شخصية الحاكم المسلم سواء أكان حاكما عاما للامة او حاكما محليا, ونكتفي هنا بذكر نماذج من هديه وتوجيهاته بهذا الصدد:  (..انه لا ينبغي ان يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والاحكام وامامة المسلمين, البخيل فتكون في اموالهم نهمته لا الجاهل فيضلهم بجهله ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع ولا المعطل للسنة فيهلك الامة).  (من نصب نفسه للناس اماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه ومعلما نفسه ومؤدبها أحق بالاجلال من معلم الناس ومؤدبهم)  (لا يقيم امر الله سبحانه الا من لا يصانع ولا يضارع ولا يتبع المطامع)  واذا شئنا الرجوع الى اوسع نص لتحديد مواصفات الحاكم المسلم ففي عهد الامام عليه السلام الى مالك الاشتر حين ولاه علىمصر غنّي عن طرح اي دليل آخر حيث اشتمل العهد المذكور على كل مستلزمات القيادة الصالحة وما ينبغي به من مسؤوليات في حياة الامة على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وسوىذلك من شؤون.  كما حدد العهد بعمق ووضوح كل ما يتطلبه وما ينبغي للحاكم المسلم النهوض به عبر مسؤولياته القيادية كي يستجيب لطموحات الامة التي يدير دفة حياتها. 

ومن المناسب ان نشير هنا الى ان عهد الامام عليه السلام الى واليه الاشتر قد انطوى على افكار اجتماعية غاية في الاهمية فقد تناول الامام عليه السلام تركيبة المجتمع والقوى المؤثرة والقطاعات الضرورية فيه تناول خبير ملّم بها. فقد درس الامام عليه السلام اهمية القطاع الزراعي واثر التجار والقضاة والولاة والجنود في مسيرة المجتمع وبناء الحضارة وحدد كيفية التعامل مع التلك القوى الهامة في المجتمع. وحدد مسؤوليات السلطة العليا تجاه كل واحدة من تلك القوى الفاعلة في الحياة العامة, كما ذكر القطاعات الضعيفة من اهل اليتم والشيخوخة وسواهم مما يعتبر وجودهم طبيعيا في المجتمعات فدرس حالهم وحدد العلاج لما يعانون.  هذا وقد سبق الامام عليه السلام علم الاجتماع الحديث في دراسته للمجتمع وتحديد المؤثرات فيه بزمن طويل مما يستحق ان يحمل بجدارة لقب مؤسس علم الاجتماع والواضع للبناته الاولى, رغم الاختلاف في الرؤية والمنهج الذي يعتمده الامام عليه السلام. 

صور من الفكر العقائدي

للامام عليه السلام باع طويل في عرض الصيع المحددة للعقائد الاسلامية من خلال ما طرحه من خطب ورسائل ومواعظات ومناقشات.  والباحث فيما خلفه الامام العظيم عليه السلام من ثروة فكرية يتجلى له بعمق ان امير المؤمنين عليه السلام قد اعطى للعقيدة الاسلامية وركائزها الاساسية على وجه الخصوص الكثير من الاهتمام والعناية واغلق الباب بوجه اي شذوذ وانحراف وعدول عن مضامينها الحقيقية بأسلوب واضح وجلي لا يمكن صرفه او تأويله لأي معنى آخر غير ما اراده الامام عليه السلام .

فالله تعالى واسماؤه الحسنى وصفات ذاته وصفات افعاله, والرسالة والنبوة والوحي والملائكة والامامة والقضاء والقدر والبعث والنشور وفلسفة الدنيا والجنة والحساب وسواها من اسس العقيدة الاسلامية قد طرحها الامام عليه السلام في صيغ محددة نابضة بقوة الحجة والبرهان والوضوح.  ولو قدر للامة المسلمة بجميع فرقها ان تنهل من المنهل العذب والرقراق الذي فجره علي عليه السلام في دنيا الفكر الاسلامي لاجتمعت الكلمة وتوحد الصف والهدف وما شهدت دنيا المسلمين اي لون من الوان الشطحات والانحرافات المضلة التي جنح اليها رهط من اتباع المدارس الفكرية عند المسلمين.  وبقدر ما تسمح به محاولتنا لدراسة الخطوط العامة لما خلفه لنا الامام امير المؤمنين عليه السلام من ثروة فكرية سنعرض نماذج من الفكر العقائدي الذي زين الامام عليه السلام به صفحات الفكر الانساني بشكل عام: 

وحدانية الله عزوجل

(الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصى نعماءه العادون ولا يؤدي حقه المجتهدون الذي لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن, الذي ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود ولا وقت معدود ولا اجل ممدود, فطر الخلائق بقدرته ونشر الرياح برحمته ووتد بالصخور ميدان ارضه. اول الدين معرفته وكمال معرفته التصديق به وكمال التصديق به توحيده وكمال توحيده الاخلاص له وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف وشهادة كل موصوف انه غير الصفة: فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ومن جهله فقد اشار اليه ومن اشار اليه فقد حده ومن حده فقد عده ومن قال (فيم) فقد ضمنه ومن قال (علام.) فقد اخلى منه. 

كائن لا عن حدث موجود لا عن عدم.  مع كل شئ لا بمقارنة وغير كل شئ لا بمزايلة فاعل لا بمعنى الحركات والالة بصير اذ لا منظور اليه من خلقه متوحد اذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده انشأ الخلق انشاء, وابتدأه ابتداء بلا رؤية اجالها ولا تجربة استفادها ولا حركة احدثها لا همامة نفس اضطرب فيها أحال الاشياء لاوقاتها ولأم بين مختلفاتها وغرز غرائزها وألزمها اشباحها, عالماً بها قبل ابتدائها, محيط بحدودها وانتهائها عارفا بقرائنها واحنائها..  الاول لا شئ قبله والاخر لاغاية له لاتقع الاوهام له على صفة ولا تقعد القلوب منه علي كيفية ولا تناله التجزئة والتبعيض ولا تحيط به الابصار والقلوب..  لم يولد سبحانه فيكون في العز مشاركا ولم يلد فيكون موروثاً هالكاً ولم يتقدمه وقت ولا زمان ولم يتعاوره زيادة ولانقصان بل ظهر للعقول بما ارانا من علامات التدبير المتقن والقضاء المبرم. 

الحمد لله الكائن قبل ان يكون كرسي او عرش او سماء او ارض او جان او انس, لا يدرك بوهم ولا يقدر بفهم ولا يشغله سائل ولا ينقصه نائل ولا ينظر بعين ولا يحد بأين ولا يوصف بالازواج ولا يخلق بعلاج ولا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس..)  هكذا حدد امير المؤمنين عليه السلام مفهوم وحدانية الله سبحانه وتعالى وهكذا عرف علي عليه السلام الله رب العالمين ووصفه كما ارد الله تعالى ان يوصف به, فقد نزه عن التشبيه والتجسيم والمكان والتجزئة والتبعيض وكل نقص واخرجه بوصفه عن صفه من صفات مخلوقاته كما شاء الله ان يوصف وكما علّم اولياه ان ينعتوه. 

الرسالة والنبوة

وكما حدد الامام ابعاد التوحيد وحقيقته اعطى عليه السلام التحديد الموضوعي الشامل للنبوة والرسالة مبينا فلسفتها واهدافها وموضحا ان اللطف الالهي بالعباد اقتضى ارسال انبياء عليه السلام الى الناس ليأخذوا بأيديهم الى حيث الهدى والرشاد وسبيل الحق بعد ان تنكروا لعهد الله اليهم وخرجوا عن مقتضى الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليهم.

قال عليه السلام:  واصطفى سبحانه من ولده -من ولد آدم- انبياء اخذ علي الوحي ميثاقهم وعلى تبليغ الرسالة امانتهم لما بدل اكثر خلقه عهد الله اليهم فجهلوا حقه واتخذوا الانداد معه, واجتالتهم الشياطين عن معرفته واقتطعتهم عن عبادته فبعث فيهم رسله وواتر اليهم انبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول ويروهم الآيات المقدرة من سقف فوقهم مرفوع ومهاد تحتهم موضوع ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم واوصاب تهرمهم واحداث تتابع عليهم ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبي مرسل او كتاب منزل او حجة لازمة او محجة قائمة. رسل لا تقصر بهم قلة عددهم ولا كثر المكذبين لهم من سابق سمي له من بعده او غابر عرفه من قبله, على ذلك نسلت القرون ومضت الدهور وسلفت الأباء وخلفت الابناء. 

الى ان بعث الله سبحانه محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لانجاز عدته واتمام نبوته, مأخوذا على النبيين ميثاقه مشهورة مساته كريما ميلاده, واهل الارض يومئذ ملل متفرقة واهواء منتشرة وطرائق متشتته بين مشبه لله بخلقه او ملحد في اسمه او مشير الى غيره فهداهم به من الضلالة وانقذهم بمكانه من الجهالة..  بعث الله رسله بما خصهم به من وحيه وجعلهم حجه له على خلقه لئلا تجب الحجة لهم بترك الاعذار اليهم فدعاهم بلسان الصدق الى سبيل الحق.. 

فبعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بالحق ليخرج عباده من عبادة الاوثان الىعبادته ومن طاعة الشيطان الى طاعته, بقرآن قدبينه واحكمه ليعلم العباد ربهم اذ جهلوه وليقروا به بعد اذ جحدون وليثبتوه بعد ان أنكروه فتجلي لهم سبحانه في كتابه من غير ان يكونوا رأوه بما اراهم من قدرته وخوفهم من سطوته وكيف محق من محق بالمثلاث واحتصد نم احتصد بالنقمات..). 

خط الامامة في دنيا الاسلام

ويجلي الامام عليه السلام حقيقة خط الامامة وضرورته في دنيا المسلمين ويحدد مرامي الائمة عليه السلام ويرشد الامة المسلمة اليهم باعتبارهم الامتداد الحقيقي للرسالة والحملة الحقيقين لرسالة الله تعالى وهديه للعالمين بعد رسوله صلى الله عليه وآله, بهم يقام الحق وتحمي الشريعة ويصان الدين وتحفظ كلمة الله وتبلغ الامة الهدى والخير وبسواهم يكون الضلال والانحراف والضياع, يقول عليه السلام:  (..لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة احد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه ابداً. هم اساس الدين وعماد اليقين, اليهم يفئ الغالي وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة, الان اذ رجع الحق الى اهله ونقل الى منتقله).  (ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم, لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة في غيرهم). 

وبعد هذا التحديد الدقيق للامامة وللائمة يحذر عليه السلام من مغبة نكران الائمة والتنكر لهم: (.. وانما الائمة قوّام الله على خلقه وعرفاؤه على عباده, ولا يدخل الجنة الا من عرفهم وعرفوه ولا يدخل النار الا من انكرهم وانكروه..).  ويحذر من مغبة نكرانهم في مسيرة الحياة الاسلامية حيث يوضح بكل جلاء ان الحق لا يقترن بسواهم وان الهدى لا وجود له الا بمتابعتهم: ( فأين تذهبون وانى تؤفكون والاعلام قائمة والآيات واضحة والمنار منصوبة, فأين يتاه بكم وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم وهم ازمة الحق واعلام الدين وألسنة الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش..). 

ثم يشير الامام عليه السلام الى ان خط الامامة مصاحب لمسيرة الامة, وارض الله لا تخلو من حجة من أل محمد صلى الله عليه وآله يحمل الهدى للناس: (الا ان مثل آل محمد صلى الله عليه وأله كمثل نجوم السماء اذا خوى نجم طلع نجم, فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع واراكم ما كنتم تأملون). 

ونكتفي بهذه النماذج من الفكر العقائدي الذي عرضه الامام عليه السلام في ساحة الفكر السلامي, ومن شاء الاستزادة فدونه نهج البلاغة فانه ينبوع لا ينضب يمد المتتبع بشتى ضروب المعرفة في مضمار العقيدة وسواها. 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة