البث المباشر

الخطاب الفني

السبت 10 يوليو 2021 - 21:40 بتوقيت طهران
الخطاب الفني

إذاعة طهران-أدب الإمام الرضا:

الخطاب الفني: هو كلمة او خطبة او خاطرة او كلام مزيج من هذه الألوان الفنية تستدعيها مناسبة خاصة،... ومنها ما نقله بعض الرواة من أن جمعاً من الناس تناولوا في المسجد الجامع أمر (الامامة) فطلبوا من الامام (عليه السلام) ان يتقدم بتحديد هذه الظاهرة،.. وحينئذ تحدث بلغة علمية عن مفهوم الامامة،.. اردفها بخطاب فني يمكن ان ننسبه الى (الخاطرة الفنية) حيث جاء فيها:
«الامام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم، وهو بالأفق حيث لا تناله الأبصار ولا الأيدي.
الامام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الطالع والنجم الهادي في غيابات الدجى والدليل على الهدى والمنجي من الردى.
الامام النار على اليفاع، الحار لمن اصطلى والدليل في المهالك، من فارقه فهالك.
الامام السحاب الماطر والغيب الهاطل والسماء الظليلة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة.
الامام الأمين الرفيق والوالد الشفيق والاخ الشقيق وكالأم البرة بالولد الصغير ومفزع العباد.
الامام امين الله في خلقه وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي الى الله والذاب عن حريم الله.
الامام مطهر من الذنوب مبرء من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم بالحلم، نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين»
(۲).
واضح من هذا النص، أن الامام (عليه السلام) اتجه الى تعريف الامامة وفق لغة الخاطرة ‌الفنية التي تعتمد العبارات القصيرة، الخاطفة، الموحية، المشحونة بالايحاءات، وبالصور الفنية، وباللغة الايقاعية، وبالصياغة التعبيرية التي تعتمد: التقابل، والتماثل، والتتابع، والتكرار، و... الخ.. فلو دققنا النظر فيها: للحظنا اولاً ان (العنصر الصوري) يطغى في هذه الخاطرة بنحو ملحوظ... بخاصة‌ عنصر (التمثيل) حيث تمحضت الخاطرة لهذا العنصر بشكل ملفت للنظر... فالامام هو «البدر المنير» «السراج الزاهر» «النور الطالع» «النجم الهادي» «النار على اليفاع» «الحار لمن اصطلى» «الدليل في المهالك» «السحاب الماطر» «الغيث الهاطل» «السماء الظليلة» «الأرض البسيطة» «العين الغزيرة» «الغدير» «الروضة» «الوالد الشفيق»... الخ.
لاشك، ان القلة من النصوص هي التي تتمحض لشكل صوري واحد هو التمثيل او التشبيه أو الاستعارة او الرمز، فالنصوص غالباً تتوزع بين أشكال صورية مختلفة، كما تقتصر على صورة أو أكثر، أما أن تتتابع الصور بالعشرات، ثم تأخذ شكلاً واحداً هو التمثيل فأمر نادر،... بيد ان الامام (عليه السلام) وهو يصوغ هذا العنصر الصوري بشكله المتقدم: لا يصوغه - كما يفعل الفنان العادي- بل ان السياق هو الذي يستدعي مثل هذه الاسترسال في الصورة‌ المتماثلة شكلياً، فهو (عليه السلام) في صدد تعريف الامامة التي اختلف الناس حيال تحديدها، بخاصة ان اختلاط المفهومات بالنسبة لهذه الظاهرة بالذات يستدعي مثل هذا العنصر الصوري، حيث ان السلاطين واتباعهم من جانب، وتنوع الاتجاهات الفكرية الوافدة من الخارج او المبتدعة من الداخل من جانب آخر، تجعل الامامة ممتزجة بأفكار انحرافية تبتعد عن مفهومها الاسلامي الأصيل،... ولذلك تقدم الامام اولاً بشرحها (علمياً) حتى يزيل ما علق بها من مفهومات الانحراف،... تقدم بتناولها فنياً، وهذا هو المسوغ الفني لأن تصبح خطبته او كلمته ذات شكل فني خاص يجمع بين لغة العلم ولغة الفن في مقطعين يتكفل احدهما بتوضيح الامامة عملياً، ويتكفل المقطع الآخر بتوضيحها فنياً، حيث ان المقطع الفني الذي استشهدنا به قد اعتمد عنصراً (وجدانياً) مقابل العنصر (الفكري) الذي تكفل به المقطع الأول،... ومادامت الامامة ترتبط بوجدان الناس من حيث كونها النور الذي يستضيئون به في مختلف مجالات حياتهم، حينئذ تطلب الموقف استثمار الجانب الوجداني عند الناس ليحدثهم بهذه اللغة الفنية التي لحظناها، وهي لغة تعتمد (عنصر الصورة) بخاصة عنصر (التمثيل) لأن التمثيل يتميز عن غيره من صور التشبيه والاستعارة والرمز وغيرها بكونه (تجسيماً، أو تجسيداً) للشيء، بعكس التشبيه الذي يقارن بين شيئين احدهما غير الآخر وبعكس الاستعارة التي تخلع على الشيء سمعة شيء آخر، بينما يجسد التمثيل شيئاً ويجعله ذات الشيء آخر او عين الشيئ الآخر، اي: (يوحد) بين الشيئين ويجعلهما شيئاً واحداً،.. وهذا ما يتناسب ومفهوم (الامامة) التي تحيا في وجدان الناس،... فعندما يقول (عليه السلام) بأن الامام هو: البدر، أو السراج، او الدليل، او السحاب، او السماء، او الغدير.. الخ، انما (يجسمه) و(يجسده) في شيء تتلاشى من خلاله الفروق بين الشمس والامام، والسحاب والامام، والغدير والامام... الخ.
اذن: أدركنا السر الفني الذي يكمن وراء انتخابه (عليه السلام) لصور (التمثيل) دون غيرها من الصور التشبيهية والاستعارية والرمزية والاستدلالية والفرضية والتضمينية.. الخ، كما ينبغي ان ندرك السر الفني الذي يكمن وراء جعل الصور تتتابع بحيث نواجه صور: البدر، والسراج، والنور، والنجم، والنار، والدليل، والسحاب، والسماء، والغيث، والأرض، والعين، والغدير، والروضة، والابن، والوالد، والأخ.. الخ، كل هذه الصور تتتابع بشكل ملفت للنظر مما ينبغي ان نفسرها في ضوء متطلبات الامامة ذاتها،... فالامام بصفته: الظاهرة الوحيدة التي تتوقف عليها كل انماط السلوك البشري وتحدده دنيوياً واخروياً، حينئذ لابد ان يجسد كل ظواهر الحياة من شمس، ونور، ونجم، ونار وسحاب، وغيث،... الخ.
ويلاحظ انه (عليه السلام) لم يصغ هذه الصور استطراداً لمجرد كونها تتجانس مع معطيات الامامة، بل انه (عليه السلام) أخضعها لعمارة‌ فنية جميلة، جعل كل طبقة منها متجانسة في خطوطها بعضاً مع الاخر، ومتخالفة مع الطبقة الأخرى، بل جعل العمارة ذات خطوط رئيسة او طبقات متميزة مضافاً الى طبقاتها المتوازية في البناء،... فمثلاً نجده (عليه السلام) قد افرد طبقة خاصة من هذه العمارة لتتمحض في الحديث عن صلة الامامة بما هو (نسبي) مثل قوله (عليه السلام):
«الامام: الأمين الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، وكالأم البرة بالولد الصغير، ومفزع العباد»... فهذا المقطع يمثل طبقة خاصة من عمارة النص، مقابل الطبقات الأخرى التي تتحدث عن الامامة‌ وصلتها بمعطيات الطبيعة من شمس ونجم وسحاب... الخ حيث ان صلات الوالد، والأخ، والأم صلات (نسبية)، تقف مقابل صلات (غير نسبية)... والمسوغ الفني لمثل هذه الصلات هو أن الشخصية تفتقر الى نمطين من الرعاية:
الأول: رعاية الأسرة من أب، أو ام، أو أخ - حيث تتم النشأة الاجتماعية من خلال الرابطة المذكورة- ثم تجيء الرعاية الثانوية من خلال الشرائح الاجتماعية الأخرى، بما فيما البيئة الطبيعة من نجم ومطر ونحوهما، كما هو واضح...
واذا تركنا هذا التقسيم الفني لعمارة النص - الرعاية العائلية والرعاية الاجتماعية - ونظرنا الى الأخيرة منهما لحظنا انها تتوزع - فنياً - في طبقات مختلفة، يتكفل كل مقطع بواحد منها... ففي احد المقاطع نواجه: البدر، والسراج، والنور، والنجم: وهذه الظواهر تنتسب جميعاً الى مصدر واحد هو: الاضاءة،... فالبدر يضيء، والسراج يضيء، والنور يضيء، والنجم يضيء،...
وفي مقطع آخر نواجه السحاب،‌والغيث، والسماء، والعين، والغدير، والروضة، والأرض... وهذه الظواهر تنتسب من جانب الى أشكال متوافقة من حيث المصدر (مثل: السحاب، الغيث، العين، الغدير) حيث ان ظاهرة (الماء) هي التي تشكل عنصراً مشتركاً بينها،... لكنها من جانب آخر تنتسب الى مصدر أكثر شمولاً، أو لنقل أنها تشترك في الحصيلة النهائية التي تترتب على الافادة من (الماء) ألا وهو: الاثمار. فالأرض، والروضة، والسماء تشكل عناصر مساهمة‌ في تشكل (الأثمار)... وهكذا سائر المقاطع التي لا نطيل الحديث عنها...
المهم: أن هذا النص الفني يظل حافلاً بعناصر مثيرة مدهشة طريفة من حيث تركيبه الصوري، بالنحو الذي لحظناه، واما من حيث عناصره (البنائية) فقد أمكننا أيضاً ملاحظة البنيان الهندسي لهذا النص من حيث خطوطه المختلفة المتجانسة... واما من حيث عناصره (الايقاعية واللفظية) فان توازن العبارات، وتجانس اصواتها، وتقفية فواصلها - من حيث الايقاع-،‌ ثم تقابل العبارات وتماثلها وتكرارها وتتابعها... الخ - من حيث القيم اللفظية-، فأمر يمكن ملاحظته بوضوح، فيما لا مجال للدخول في تفصيلاتها التي نحيلها الى القارىء ليقف عندها بنفسه حتى لا نطيل الحديث عنها... بيد ان ما ينبغي ملاحظته قبل ذلك هو ان نوضح (الشكل الادبي) لهذا النص الذي اقتطعنا قسماً واحداً من اقسامه الثلاثة الا وهو (الخاطرة الصورية)... واما القسمان الآخران، فأولهما: يظل حديثاً علمياً صرفاً من نحو قوله (عليه السلام):
«ان الله جل وعز لم يقبض نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين، وانزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء...»... وقال عن النبي (صلى الله عليه وآله) «بين لأمته معالم دينه وأوضح لهم سبلهم، وتركهم على قصد الحق واقام لهم علياً (عليه السلام) علماً واماماً...» ثم تحدث عن ابراهيم (عليه السلام) وصلته بالامامة، وصلة ذريته بذلك... وهذا كله - كما هو ملحوظ - يتم وفق لغة علمية، لكنه (عليه السلام) ما أن انتهى من التحديد العلمي للامامة، حتى اتجه الى تحديدها (وجدانياً) كما لحظنا ذلك مفصلاً،...
وأما القسم الثالث من كلمته (عليه السلام) فقد جمع فيه بين الطابع العلمي والوجداني، فقال (عليه السلام):
«هيهات، هيهات: ضلت العقول، وتاهت الحلوم... فكيف يوصف بكليته او ينعت بكيفيته او يوجد من يقوم مقامه او يغنى غناه، وأنى وهو بحيث النجم عن أيدي المتناولين ووصف الواصفين، أيظنون انه يوجد ذلك في غير آل الرسول (صلى الله عليه وآله) كذبتهم والله أنفسهم، ومنتهم الاباطيل اذ ارتقوا مرتقى صعباً ومنزلاً دحضاً، زلت بهم الى الحضيض اقدامهم... الخ».
فالملاحظ في هذا القسم الآخر من الكلمة انه (عليه السلام) جمع بين اللغة الفكرية والوجدانية (الفن) فالعقول تضل، والأقدام تزل، والمرتقى صعب... لنلاحظ الصور الاستعارية من جانب، والخطاب الوجداني من جانب آخر في هذه النماذج... ولكنه (عليه السلام) أوضح من خلال اللغة‌ (المنطقية) ما يلي: (أيظنون انه يوجد ذلك في غير آل الرسول (صلى الله عليه وآله؟!)....
والحق: أن الأهمية الفنية لمثل هذه الكلمة، أنها تشكل (صياغة خاصة) ينفرد بها المعصومون (عليهم السلام) لا لأنهم يعنون بالفن من حيث هو فن (كما هو فن) (كما هو شأن الفنان العادي) ولا لأنهم يعنون بالعلم من حيث كونه هو التعبير المناسب لابراز الحقائق، بل انهم (عليهم السلام) يصوغون الحقائق وفق متطلبات السياق الذي يفرض ان يتقدم الامام اولاً بخطاب (علمي) يستشهد فيه بالآيات القرآنية الكريمة، وبسيرة الرسول (صلى‌ الله عليه وآله)... ثم يتقدم بخطاب (فني صرف) يشحنه بتلكم الصور (التمثيلية) الطريفة لأسباب اوضحناها سابقاً،... ثم يتقدم بخطاب يجمع فيه بين اللغة المباشرة واللغة المصورة حتى يحتفظ بالسياق التعبيري الذي فرضته المناسبة، محققاً بذلك شكلاً تعبيرياً خاصاً، بالنحو الذي اوضحناه.
والآن:‌ بعد أن لحظنا نموذجاً من أدب الامام الرضا (عليه السلام) فيما يتصل بالكلمة او الخطاب او الخاطرة التي تجمع بين الفن والعلم،... يحسن بنا ان نعرض لنموذج من:

*******


(۲) تحف العقول: ص ٤٦۰-٤٦٥.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة