هذه هي الحلقة الأولى من سلسلة البودكاست "تاريخ العالم".
ذكريات من أقصى غرب العالم إلى أقصى شرقه.
قبل خمسمائة عام، كان عالم التجار البرتغاليين صغيرًا جدًا. لم يكونوا يعرفون من العالم إلا آسيا وأوروبا وشمال إفريقيا، وكانت تربطهم علاقات تجارية مع دول كبيرة وغنية مثل إيران وروما عبر الطرق البرية والبحرية. في هذا العالم المنقسم، كلما هدأت الحروب، اشتدت المنافسة بين التجار.
لم يكن الأوروبيون قادرين على إنتاج الحرير والأقمشة القطنية والسجاد. وكان عليهم أيضًا الحصول على المجوهرات والأدوات الفولاذية من خلال التجارة مع الدول الأخرى. كان النبلاء الأوروبيون مولعين بالتوابل، وكانوا بحاجة إلى الفلفل والقرفة والقرنفل لتحسين مذاق طعامهم وحفظه، وكان على التجار السفر إلى أماكن بعيدة كالهند والصين للحصول على هذه المواد.
من بين جميع السلع التي احتاج إليها الأوروبيون، كانت التوابل والحرير الأهم بالنسبة لهم، لدرجة أنهم عرفوا طرق التجارة باسم طريق الحرير وطريق التوابل. بالطبع، لم ينتهِ الأمرعند التوابل والحرير.
فقد كان الملوك الأوروبيون في حالة حرب وتنافس فيما بينهم، بل وتنافسوا حتى مع كبار ملاك الأراضي داخل بلدانهم. لتحقيق هذه السيادة كانوا بحاجة إلى كميات كبيرة من الذهب. هذه الحاجة إلى المزيد من الذهب، وبالطبع الأساطير مثل قصة مدينة "إلدورادو"، أصابت التجار الأوروبيين بما يُعرف اليوم بـ"حمى الذهب".
كانت "إلدورادو" مدينة أسطورية تقع في أقصى ركن من الشرق، بجبالها المصنوعة من الذهب الخالص، وحتى مبانيها وطرقها كانت من الذهب. نشأ أطفال أوروبا على هذه الأساطير، وكان كل شاب غربي يحلم بالسفر إلى إلدورادو يومًا ما، لكن الأمراء الأوروبيين كانوا يحملون بما هو أكبر وأعظم ألا وهو السيادة على إلدورادو.
ربما كان والد وعمّ التاجر والرحالة الأوروبي الشهير، ماركو بولو، من أوائل التجار الأوروبيين الذين سافروا إلى الهند والصين. سافر ماركو بولو مع والده وعمّه منذ سن السابعة عشرة، ودوّن مذكراته. أقنعت أوصافه للقصور والملابس الفاخرة والمجوهرات البراقة لأباطرة الهند والصين الأوروبيين بأن إلدورادو لم تكن مجرد أسطورة.
عندما أغلقت الإمبراطورية العثمانية طرق التجارة البرية أمام الأوروبيين، لم تختفِ رغبة الأوروبيين في العثور على المزيد من الذهب. ومن بين جميع الدول الأوروبية، كانت البرتغال هي التي أرسلت جنودها إلى عالم المحيطات الشاسع.
قبل ذلك، لم يكن التجار البرتغاليون قد أبحروا إلا في البحر الأبيض المتوسط، وكانوا يعتقدون أن غينيا هي آخر نقطة في القارة الأفريقية، ومنها يمكنهم الإبحار إلى الهند، لكن الحقيقة أن القارة الأفريقية كانت أكبر بكثير مما تخيلوا.
عندما تولى الأمير هنري، نجل ملك البرتغال، زمام المبادرة في الاستكشاف البحري وأرسل عدة سفن إلى المحيط الأطلسي، لم يتمكن إلا من تحديد الساحل الغربي لأفريقيا، وعلم بحجم القارة الأفريقية الحقيقي إلى حد ما.
في هذه الرحلات الطويلة، أجبر البحارة والجنود البرتغاليون السكان الأصليين على الطاعة في كل أرض جديدة وطأت أقدامهم، مستخدمين مدافعهم وأسلحتهم النارية... أولئك الذين أبحروا للتجارة، أصبحوا الآن يحتلون الأراضي الواحدة تلو الأخرى باسم الملك، ويرفعون العلم البرتغالي هناك.
ما أشد تشابه هذه القصة مع قصة حصان طروادة اليوناني، لا بد أنكم سمعتم بها، حصان خشبي ضخم كان من المفترض أن يكون رمزًا للسلام والصداقة بين اليونانيين والطرواديين بعد حرب دامت عشر سنوات، لكن هذا الحصان، كالبرتقالة، كان يحوي جنودًا في داخله.
على عكس جنود فيتامين سي في فاكهة البرتقال، لم يُحسّن هؤلاء الجنود الوضع فحسب، بل هاجموا الطرواديين. خرجوا من عالمهم الصغير ليلًا، وبينما كان الطرواديون يحلمون بالنصر، فتحوا أبواب القلعة لأعدائهم، وأحرقوا المدينة ونهبوا كل شيء.
بأمر من الأمير هنري، احتُلت السنغال وغامبيا والكونغو تباعًا، وتمكن البحارة البرتغاليون من عبور خط الاستواء. أطلقوا على كل ساحل اسم البضائع التي حصلوا عليها منه. في ساحل العاج، قُتلوا الفيلة وحصلوا على العاج بوفرة، قاموا بتسمية ساحل غينيا بساحل الحبوب نسبةً إلى فلفله، الذي عُرف باسم "حبة الجنة". كما سُمّيت أراضٍ أخرى غُزيت حديثًا بـ"ساحل العبيد" و"ساحل الذهب"، وذلك وفقًا للمنافع التي قدمتها للغزاة.
بعد وفاة الأمير هنري عام ١٤٦٠، واصل ابن أخيه رحلته، وتمكن بحار يُدعى دياز (بارتولوميو دياز) في النهاية من الوصول إلى أقصى نقطة في جنوب أفريقيا بعد مقاومته أمام عواصف المحيط الأطلسي العاتية.
أطلق دياز على هذه النقطة اسم "رأس العواصف" أو "رأس اليأس" نظرًا للمصاعب التي واجهها جراء عواصف المحيط، إلا أن هذه النتيجة كانت بالنسبة إلى ملك البرتغال مُرضية للغاية ، الملك الذي كان يجلس على عرشه مُرتاحًا. أملًا في تحقيق المزيد من النجاح والثروة، أطلق الملك على هذه النقطة اسم "رأس الرجاء الصالح". وهكذا أصبح بإمكان البرتغاليين التوجه شمالًا والوصول إلى الهند.
بعد عشر سنوات من نجاح دياز، أرسل ملك البرتغال أحد أشهر ملاحيه، فاسكو دا غاما، إلى المحيط. وصل إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، لكنه لم يكن قد وجد بعد طريقًا إلى الهند. في ذلك الوقت، كانت التجارة في شرق أفريقيا حكرًا على التجار المسلمين والعرب، ولم يكونوا يفصحون عن أسرارهم للغربيين. فدبّر غاما مكيدة.
دعا التجار إلى سفينته، ووضع أمامهم أنواعًا شتى من النبيذ ليستخرج منهم أسرار الطريق إلى الهند وهم ثملون. لكن جميع التجار الذين صعدوا على متن سفينة غاما كانوا مسلمين لا يشربون الخمر. غضب غاما غضبًا شديدًا إلى أن وجد أخيرًا تاجرًا غير ملتزم بالشريعة الإسلامية.
عندما وصل أحمد بن ماجد إلى سفينة غاما، تأثر لرؤية النبيذ الأوروبي الزاهي، وبدأ يشرب مع البحارة البرتغاليين السكارى. بينما كان فاقدًا للوعي، روى تفاصيل رحلته إلى الهند، فدوّن سكرتير دو غاما كل كلمة بحماسٍ وعجلة. وصل البرتغاليون إلى الهند، وهكذا، مثّل سُكر بحارٍ غير ملتزم بداية استعمار الهند.
كانت مدينة كاليكوت (كوزيكود) إحدى أهم المراكز التجارية في الهند، وكان يحكمها أمير هندي. عندما سمع الأمير بوصول البرتغاليين، دعاهم إلى قصره. أبهرت فخامة قصر الأمير وبهاءه أعين البرتغاليين. فقد لفت انتباههم العرش المُزخرف بالجواهر والأحجار الكريمة، بالإضافة إلى أساور الأمير الذهبية وقلائده. كانوا على يقينٍ بأنهم قد وطئوا أرضًا غنية.
عندما أخبر دو غاما الأمير عن عظمة الملك البرتغالي، رحّب الأمير بحرارة بالتجارة البرتغالية في كاليكوت، لكن حدث أمرٌ آخر في السوق. لم يلمس السكان المحليون البضائع البرتغالية، وكادت التجارة أن تنعدم.
قرر البرتغاليون العودة، لكن الأمير الهندي طالبهم بالضرائب، فقام دو غاما، الذي رفض دفعها، باحتجاز عدد من شيوخ المدينة الذين كانوا قد وصلوا إلى سفينته، واشترط إطلاق سراحهم بتنازل الأمير عن الضرائب.
بدلاً من التعامل بقسوة مع احتجاز البرتغاليين للرهائن، كتب الأمير الهندي رسالة ودية إلى ملك البرتغال وسلمها إلى دو غاما. وفي النهاية، غادر البرتغاليون عائدين إلى بلادهم، آخذين معهم عدداً من الرهائن.
بعد دو غاما، وصلت سفنٌ عديدة من البرتغال إلى الهند، تحمل في طياتها أسلحةً تُعرف باسم "حصان طروادة". كانت هذه السفن التجارية والعسكرية تهدف إلى استخدام مدافعها وأسلحتها النارية لتحقيق مصالحها التجارية. فبعد وصولها إلى الهند، تواصل التجار البرتغاليون مع الحكام المحليين وحصلوا منهم على أماكن لتخزين بضائعهم، لكن سرعان ما امتلأت هذه المستودعات بالأسلحة التي أشعلت فتيل الحروب الأهلية في الهند. عندما نشبت النزاعات بإثارة البرتغاليين، انحازوا إلى أحد الطرفين المتنافسين، وبدعمهم، أسسوا حكومة تابعة للبرتغاليين في المنطقة.
بعد عامين من رحلته الأولى إلى الهند، شعر دو غاما أن آخرين يحاولون احتلال مكانته فانطلق إلى الهند مجددًا. قرب مدينة كاليكوت، صادف سفينة إسلامية عائدة من رحلة حج إلى الهند.
طالب دو غاما بفدية ضخمة منهم واستولى على بضائعهم الثمينة، لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد. أشعل النار في سفينة الحجاج المسلمين، فاحترق جميع ركابها، نحو أربعة آلاف رجل وامرأة وطفل، أحياءً في لبحر.
بعد هذه الجريمة والقرصنة، دخل دو غاما كاليكوت وطلب من الأمير طرد التجار العرب من المدينة قبل اتخاذ أي إجراء، لكن الأمير رفض هذا الشرط ، فتوجه دو غاما إلى مدينة أخرى تُدعى "كوتشين". كان حاكم كوتشين قد قدم سابقًا العديد من التنازلات للبرتغاليين على أمل كسب دعمهم في منافسة حاكم كاليكوت. ولما رأى الأمير الوضع على هذا النحو، زحف نحو كوتشين بجيش قوي لقمع خصومه الخونة. وفي هذه الحالة، ترك دو غاما حاكم كوتشين وشأنه وعاد إلى البرتغال محملاً بشحنة ثمينة من التوابل.
أما المبعوثون الذين أرسلهم ملك البرتغال إلى الهند لاحقًا، فكانت لديهم خطط أكبر، إذ أرادوا السيطرة على ممرات حيوية مثل مضيق عدن والخليج الفارسي، بالإضافة إلى الهند. وفي نهاية المطاف، خلال عهد الشاه إسماعيل الصفوي، هاجم البرتغاليون الخليج الفارسي وبقوا هناك مئة عام.
بعد ذلك، غزت البرتغال ماليزيا وجاوة وبورنيو وجزر الملوك وغينيا الجديدة، ووسعت مستعمراتها. لقد دعوا الناس إلى المسيحية واستغلوا وجودهم كجنود وخدم، ولو أصبح الحكام عملاء للبرتغال، كان يسمح لهم بمواصلة حكمهم. كل هذه النجاحات دفعت ملك البرتغال إلى تسمية نفسه "مانويل المحظوظ".
حصان طروادة قصة قديمة، وقد مرت مئات السنين منذ أن وصل البرتغاليون إلى الهند ودول آسيوية وأفريقية أخرى، ولكن اليوم يوجد العديد من أحصنة الطروادة في عالمنا، والعديد من الأشخاص كمانويل الذين يُطلقون على أنفسهم لقب "المحظوظ".
بالطبع، لا تنتهي الذكريات المريرة للعالم عند هذا الحد.
فبعد البرتغال، عانت دول أوروبية أخرى من حمى الذهب وأرسلت سفنها إلى المحيط.
سأروي لكم بقية روايات العالم في الحلقة القادمة.