البث المباشر

رجل ذو ألف عام (16)

الأحد 7 يونيو 2026 - 15:17 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة السادسة عشرة- لأيام، أصبح منزل أمير جلال الدولة، أحد شيوخ عائلة البويهيين، مقصدًا لشيوخ البلاط وجموع أهل أصفهان، وترددت أنباء سكان ذلك المنزل، وخاصةً أميرزاده مهيار، فأثارت دهشة الناس.

كان أطباء المدينة المشهورون يأتون إلى هذا المنزل كل صباح، ويشقّون طريقهم بين الناس المتجمعين هناك، ويدخلون المنزل، وفي الليل يعودون منهكين، عاجزين، ومذلولين.

عرف الكثير من أهل أصفهان الأمير مهيار. كان شابًا وسيمًا وشجاعًا وطيب القلب، لكن الآن حزن عليه كثير من أصدقائه وذرفوا الدموع بسبب مرضه الخطير والمجهول. حير هذا المريض ومرضه الجديد الأطباء المخضرمين، ولم يجدوا له سبيلًا.

كان أميرزاده يعتبر نفسه بقرة سمينة يجب ذبحها وطهي لحمها وتقديمه للجياع والفقراء. في كل لحظة، كان صراخ بقرة عالٍ يرتفع من زاوية الغرفة، فيُخرج أميرزاده رأسه من النافذة وينادي الى جخة معينة، ولا يهدأ له بال حتى يسمع صوت بقرة جاره. لم يكن ينم أو يأكل جيدًا، وكان يزداد ضعفًا وذبولًا يومًا بعد يوم؛ حتى توقف تمامًا عن الأكل والشرب.

احترقت معنويات عائلته وذابت، ومع آلاف من حالات الاكتئاب واليأس، بذلوا كل ما في وسعهم، لكنهم لم يُحققوا أي نتيجة. أخيرًا، تواصلوا مع الأمير علاء الدولة، حاكم أصفهان، ليتمكنوا من الوصول إلى طبيبٍ كان الجميع يأملون به.

كان الأمير جلال الدولة يقف أمام باب المنزل مع عدد من أقاربه، ينتظرون بفارغ الصبر زيارة إمام الحكمة أبو علي سينا. في ذلك اليوم، لم يكن في دار جلال الدولة طبيبٌ سوى الأستاذ "ابن مندوية" الذي كان ينتظر هو الآخر زيارة ابن سينا. ورغم أن ابن مندوية كان من أمهر أطباء بلاط الديلمي، إلا أنه عجز عن علاج مرض الأمير مهيار الغريب، وأصرّ منذ اليوم الأول على أن ابن سينا ​​هو الطبيب الوحيد القادر على شفاء هذا المرض المجهول. والآن، بإصراره وطلب أمير علاء الدولة، سيزور الإمام الحكمة سرير مهيار.

لم يكن الأمير مهيار يرحب بأي طبيب، بل كان ينتظر دائمًا قدوم الجزار. وكان أبو علي قد أرسل رسالةً للمريض ليبشره بقدوم الجزار، ويخبره أنه يريد قتلك وطبخ الهريس من لحمك!.

اندهش الجميع لسماع رسالة بو علي، لكن الأمير مهيار لم يستطع كبح حماسه للقاء الجزار الذي سيأتي لقتله!.

فجأةً، ثار الناس، وانتهى الانتظار في تلك اللحظة. ترجّل أبو علي عن فرسه مرتديًا ثوبًا فاخرًا، وبعد حديث قصير مع جلال الدولة وابن مندوية، قبل أن يدخل المنزل، ارتدى مئزر جزار ملطخًا بالدماء، ووضع السكين والساطور واللوح التي كانت في أيدي عدد من حاشيته على جانب الحديقة، وقال بصوت عالٍ:

"أين هذه البقرة لأذبحها وأُعطي لحمها للفقراء؟! أريد أن أطبخ هريساً جيدًا. أحضروا هذه البقرة الآن واربطوا يديها وقدميها بإحكام. أسرعوا، عليّ أن أذبح المزيد من الأبقار اليوم."

الشاب المريض، الذي أصابه الضعف والإرهاق الشديدين، جرّ نفسه بصعوبة من شرفة المنزل واستلقى على جنبه بجانب الحديقة التي كانت عند أسفل جدار الجار، وأطلق صرخة عالية لدرجة أنه كان من الممكن سماع خوار بقرة من منزل الجار.

صرخ الجزار، الذي كان هو نفسه أبو علي: اربطوا يدي وقدمي هذه البقرة ولا تدعوها تهرب. كانت صرخة الجزار جادة وغاضبة لدرجة أن الناس من حوله تأوهوا وصرخوا من داخل المنزل، لكن الجزار استمر في الكلام وهو يفرك سكينه بسكينة:

"اشحذوا السكاكين، أحضروا اللوح والساطور... لا، انتظر لحظة... ما أضعف هذه البقرة؟! إنها ليست سوى حفنة من الجلد والعظام! بدون لحم، لا يمكنك طهي الهريس؟! فك يديها وقدميها... أطعمها لبضعة أيام... أعطها علفًا طازجًا ورطبًا حتى تسمن أسرع... أخبرني كل يوم عن مدى سمنتها؛ يجب أن تأكل أي شيء أطلبه لها حتى أن عطي لحمًا".

نهض المريض سعيدًا والتفت إلى المنزل المجاور ونادى عدة مرات حتى سمعت البقرة المجاورة وأجابت. أعطى بورسينا على الفور ابن مندوية الدواء والجرعة المعززة للشهية التي أعدها وقال:

"كما قلت، تعاطف معه ورافقه حتى يقبل كلامك. صب الأدوية التي أطلبها بنفس الكميات المحددة في مائه وطعامه وأخبره أن هذه الأعشاب ستجعل البقرة تسمن أسرع." ثم نظر إلى المنزل المجاور وتابع؛ يجب أن تعلم أنه يريد ممرضًا خاصًا يستمع إليه، ثم بينما كان ينزع مئزر الجزار عن ثيابه، قال للأمير:

"سيفقد أمير زاده شهيته قريبًا. لا تطعمه أكثر مما يعطيه ابن مندوية... ولكن على أي حال، قد يعود مرضه الأصلي مرة أخرى، هذه المرة بشكل مختلف... وعندما رأى نظرة جلال الدولة القلقة والمتوترة، تابع:

"مرضه هو اكتئاب الحب. إذا كنت تريد حياة أميرزاده، فلا بد أن تكون إبنة جارك هذه... ماذا كان اسمها؟"

- ماه بانو، يا خواجه رئيس.

- نعم، يجب أن تأتي هذه السيدة، ماه بانو، إلى هذا المنزل وتعيش مع أميرزاده. الآن، ممرضته الوحيدة، دواؤه، وعلاجه هي هذه السيدة، ماه بانو...

سأل أمير جلال الدين في دهشة: إذا كان مغرمًا بهذه الفتاة، فكيف يعتبر نفسه بقرة تستحق الذبح؟!

أجاب ابن سينا:

"لأن ماه بانو تكرّس كل اهتمامها ومودتها لبقرته. يعتبر أميرزاده نفسه البقرة نفسها التي يجب أن تكون ممرضتها ماه بانو، لا أحد غيرها".

سأل الأمير في دهشة أكبر: إذًا، منافستي الوحيدة في الحب هي بقرة جارتي؟!

أجاب بو علي وهو يضع قدمه في الركاب للركوب بضحكة ساخرة: نعم، هذا صحيح... لكن لا يجب الاستهانة بهذا المنافس! لأنه كما تعلم، قوي ومنافس عنيد... عليك أن تتحمله.

انتهى نقاش العلوم الطبيعية والعقلية والحكمة والفلسفة، وبدأ نقاش الألفاظ وعلم اللغات. كان جميع العلماء الحاضرين يعتبرون أبا منصور الجبائي الرجل الوحيد في هذا المجال، ويسألونه منذ سنوات عن حلول لمشكلاتهم المعجمية.

أبو منصور، الذي كان ثملاً بالكبرياء، كان يتحدث بانفعال شديد، وينطق بكلمات وعبارات غريبة وبنطق عربي أصيل، مما أثار حيرة الحاضرين أو أضحكهم وسخر منهم.

وضع علاء الدولة، حاكم أصفهان، بعض الكتب القديمة أمامه، وكان ينظر إليها من حين لآخر، باحثًا عن فرصة لطرح الأسئلة على أبي منصور.

كان أبو منصور يُقدم شروحاتٍ مُلهمة عن أصول الكلمات، عندما قاطعه الملك بانزعاجٍ واضح، وقال:

"حسنًا يا أستاذ جبائي! لقد سمعنا هذه الأشياء التي تقولها مرارًا وتكرارًا، ولكن الآن، إن تركتَ بقية القصة، فلديّ لك خبرٌ سارٌ يُسعد عالمًا مثلك ويُسعده."

أخذ علاء الدولة الكتب، وبدأ يسأل عن كلماتٍ وعباراتٍ صعبةٍ جدًا وغير معروفة، وقليلٌ من الحاضرين قد سمع بها. حتى أبو منصور الجبائي، الذي ادّعى أنه معجميٌّ ولغويٌّ، كان مذهولًا وعاجزًا، وردًّا على أسئلة الملك، أجاب إجاباتٍ ركيكةٍ وفارغة، ولم يُسمَع صوته جيدًا. بعد صمتٍ قصير، قال ببشرةٍ شاحبةٍ ولسانٍ ذابل:

"يا إلهي، ما هذه الكتب؟! من كتبها؟! لم أقرأ أو أسمع مثل هذه الكلمات من قبل."

لم يذق أبو منصور من الخجل والذل حتى ذلك اليوم مرارة الذل وكانت أشد ألماً عليه عندما كان أبو علي سينا ​​يجيب على كل عبارة يعجز في إجابتها ويشير إليها ويسمي مكانها ومرجعها في كتب المعجم.

وفي هذه المرة أيضًا، أصبح شيخ الرئيس، حجة الحق، أبو علي سينا، بصفته حاكمًا مطلقًا في بلاد الحكمة والفلسفة، عالمًا لا يُضاهى في مجال اللغة وفقهها. غمرت الدهشة الحضور، وكان أبو منصور الجبائي، وسط هذا العجز، يعود إلى الماضي... تذكر قبل ثلاث سنوات عندما هاجم بورسينا بكبرياء وأنانية، وعبّر عن غضبه وحسده لشيخ الرئيس على كلمة، قائلاً:

"يا أستاذ أبو علي، أنت حكيم وفيلسوف، لكن هذه مسألة لغة. فقه اللغة ليس علم منطق يستخلص منه المجهول من المعلوم، وأنت لا تملك المعرفة الكافية لإبداء الرأي في هذا المجال".

تذكر أبو منصور هذه الكلمات الطائشة والأنانية، وبّخ نفسه وهدأ قليلاً.

فكّر في نفسه أنه في السنوات الثلاث الماضية، كان أبو علي يدرس ويبحث ويدرّس كتبًا كثيرة، منها كتاب "تهذيب اللغة" لأبي منصور الأزهري بالغ الأهمية، وقد قرأه. كان هذا كتابًا يتوق إليه منذ سنوات طويلة ولكنه لم يجده. أصبح بو علي الآن عالمًا لغويًا منقطع النظير.

حان الوقت الآن ليتواضع ويُقرّ بالفضل الجليل لشيخ الرئيس. ليُقرّ بالفضل لمن قضى ثلاث سنوات في دراسة علم اللغة والبحث فيه، وسعى جاهدًا لتعلم علم لم يكن له يد فيه. كان هذا هو السبيل الوحيد للنجاة من كل هذا الحرج والعار.

استجمع أبو منصور قواه، وأشار إلى ابن سينا، وقال لعلاء الدولة: "يا إلهي! إن كنتُ أعتبر نفسي لغويًا حتى الآن، فأنا لا أدعي ذلك، وأثني على فضيلة وإتقان إمام الحكمة، حجة الحق، وإن كنتُ قد أسأتُ إليه في السنوات الثلاث الماضية دون قصد، فأنا أعتذر وأُشيدُ به على جهده وعزيمته ومثابرته في طلب العلم والمعرفة. ليكن لي فخرٌ بنفسي لأني ألهمته تعلم اللغة".

وعندما وصل الحديث إلى هذه النقطة، قال أبو علي:

"هذا صحيح! لقد أسدى لي الأستاذ أبو منصور معروفًا كبيرًا بتوعيتي وإلهامي بالعودة إلى رشدي واكتشاف عيوبي وجهلي. وبالطبع، ليست هذه هي المرة الأولى التي يُنبهني فيها الآخرون إلى جهلي. قبل ذلك، تعلمتُ دروسًا كثيرة حتى من الصغار والكبار".

فهذا بهمنيار، تلميذي منذ سنوات، كان طفلاً صغيراً جاء إليّ ليأخذ ناراً، ولأنه لم يكن معه إناء، امتنعتُ عن إعطائه النار، لكنه وضع حفنة من الرماد في كفيه وقال: "ها هي الإناء، أعطني النار الآن". منذ ذلك اليوم، أدركتُ أن حتى الطفل قادر على تعليم حكيمٍ متغطرسٍ فنون الحياة والابتكار.

لكن من ذلك الرجل العجوز الذي قال لي:

"احفر بئراً"، تعلمتُ درس الحكمة والإيثار أكثر من أي شيء آخر.

رداً على كلماتي المُعاتبة، قال:

"آكل خبزاً من عملٍ وضيعٍ كي لا أضطر لكسب ود المدير". أنا الذي كنتُ حتى تلك اللحظة أعتبر نفسي حكيماً ومديراً وواسع الاطلاع، وجدتُ نفسي متواضعاً جداً وصغيراً أمام هذا الإيثار وتقدير الذات... وما زالت هذه الكلمات تتردد في أذني: "أكل خبز من عملٍ وضيعٍ أشرف من كسب ود المدير".

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة