البث المباشر

رجل ذو ألف عام (14)

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 12:54 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الرابعة عشرة- مجد الدولة وشمس الدولة كانا ابني ملك الديلم، اللذان سيطر كلٌّ منهما على جزء من أرضه بعد وفاة والدهما.

رضِي مجد الدولة بحقه، لكن شمس الدولة كان دائمًا يفكر في توسيع أرضه، مما تسبب في صراع بين الأخوين. تحول الصراع بينهما إلى سلام وصداقة بوساطة الحكيم والفيلسوف والطبيب الإيراني العظيم ابن سينا، ومنذ ذلك الحين، خدم ابن سينا شمس الدولة وزيرًا ومستشارًا.

أولى شمس الدولة أهمية خاصة له ولآرائه، وأطلق عليه لقب "شرف الملك". أثارت اهتمامات هذا الملك غيرة كثير من رجال الحاشية تجاه ابن سينا.

وخلال السنوات السبع التي قضاها ابن سينا وزيرًا للملك الديلمي، تحولت بعض هذه الغيرة إلى استياء عميق. استياء برز بعد وفاة شمس الدولة.

في عام 413 هـ، توفي شمس الدولة، وبدأت مجد وهيبة البويهيين في همدان وغيرها من المناطق الخاضعة لحكمه في التراجع. أما ابنه وخليفته، سماء الدولة، فرغم كرمه وطموحه، إلا أنه كان شابًا قليل الخبرة محاطًا بجماعة طموحة. كانوا أكثر اهتمامًا بمصالحهم الشخصية من مصالح المجتمع والدولة.

في مثل هذه الظروف، لو قبل بو علي وزارة سماء الدولة، لكان في الواقع منفذًا لمقاصد أعدائه.

كان بو علي يعلم جيدًا أن منافسيه وأعداءه قد اقتربوا من سماء الدولة ويتربصون به. وكان أشد هؤلاء الأعداء شرًا تاج الملك، خادم سما الدولة الخاص، الذي مهد الطريق لتقدمه، برفض بو علي قبول الوزارة، وحقق رغبته التي طالما راودته. لكن تاج الملك أراد أكثر من ذلك، وقصد تدمير عظمة ابن سينا في نظر الملك ورجال الحاشية، ولذلك اتهمه بالتواطؤ مع أعداء سماء الدولة.

بعد رفضه وزارة سماء الدولة، عاد بو علي إلى منزله. لأكثر من شهر، لم يرَ أحد الشيخ الرئيس أبو علي سينا في مدينة همدان، ولم يسمع عنه أحدٌ حيًا أو ميتًا. كان تاج الملك مضطربًا و قلقاً، وكان قاسيًا وعدوانيًا مع جميع عملائه وجواسيسه، يطالبهم ببو علي حيًا أو ميتًا. كان يسأل كل جواسيسه بغضب وتوبيخ عند وصوله: "أين البخاري المتغطرس هذا؟! لا تدعوه يهرب".

كان الأستاذ أبو غالب العطار طبيبًا وصانعاً للأدوية، لا يضاهيه أي طبيب في همدان في صدقه ومعرفته بالأعشاب وتركيب الأدوية. تعرّف عليه بو علي منذ لحظة وصوله إلى همدان، وأقام معه علاقة صداقة. كان منزل أبو غالب ملاصقًا لسوق الصاغة، وكان دكانه متصلًا بفناء المنزل بممر مظلم، ولم يكن أحد يعلم بهذا الممر السري سوى سكان المنزل.

لأكثر من شهر، وعلى عكس عادته، لم يزر أبو غالب منازل أصدقائه وأقاربه، ولم يستقبل أي ضيوف أو متعاطف أو أصدقاء إلى منزله، وكانت حركته مقتصرة على التنقل من منزل إلى آخر ومن دكان إلى آخر. وقد اتخذت هذه الاحتياطات لحماية حياة الضيف العزيز الذي كان جواسيس "تاج الملك" يبحثون عنه.

كان أبو غالب يرسل يوميًا أحد خدامه الموثوق بهم إلى سوق الكتب ليشتري خمسين قطعة من أجود أنواع الورق لضيوفه. ولأن سوق الكتب كان قريبًا جدًا من دكانه، كان الخادم يعود باكرًا كل يوم، لكن في ذلك اليوم، مهما طال انتظار أبو غالب، لم يأتِ الخادم.

كان أبو غالب يتجول من الدكان إلى الزقاق كل لحظة، وهو يقول بقلق واضطراب: "لم يأتِ... لم يأتِ..."

سأله الرجل الذي كان يجلس في زاوية الدكان في الظلام ويتحدث إليه بحرارة:

من لم يأتِ؟

من تنتظر؟

أجاب أبو غالب بهدوء وبإشارة:

"أنا قلق جدًا على الخادم الذي ذهب إلى سوق الكتب ليشتري ورقًا ولم يعد. أنت تعلم أكثر من أي شخص أن السيد يريد ورقًا جيدًا كل يوم، وهذا النوع من الورق الفاخر ليس من السهل الحصول عليه. يكتب خمسين ورقة على كلا الجانبين كل يوم، ولا يمل".

قال أبو عبيد:

"وإن استطعتَ الحصول على المزيد، فسيكتب أكثر. أنت بنفسك كنت حاضرًا ورأيتَ أنه كتب مُخطط هذا الكتاب العظيم من ذاكرته في يومين، والآن منذ أربعين يومًا يكتب خمسين صفحة ذهابًا وإيابًا كل يوم دون توقف، دون أن يكون بين يديه كتاب أو مخطوطة.

ينظر فقط إلى تلك المُخططات ويشرح كل صفحة ويتوسع فيها، وقد كتب حتى الآن جميع أجزاء اللاهوت والفيزياء من هذه المجموعة العظيمة والفريدة، والآن بدأ بكتابة كتاب المنطق الذي سماه "الشفاء". ربما لا تعلم أن لي أيضًا نصيبًا وحقًا في تأليف هذا الكتاب. في الحقيقة، أنا مبدع هذا الكتاب ومؤسسه. صحيح أنني لا أشارك الأستاذ في تأليفه، ولكني سبب كتابته وداعم له".

ولما تولى السيد وزيراً لشمس الدولة، طلبت منه أنا أبو عبيد الجوزجاني، تلميذه ورفيقه الدائم، أن يكتب لي شرحاً على كتب أرسطو. قال الأستاذ: "الآن، لانشغالي في الوزارة، لا أجد الوقت الكافي لكتابة مثل هذا الكتاب، لأن هذا العمل يتطلب مني نقد آراء ومعتقدات أرسطو وغيره من السلف الذين ادّعوا الفلسفة والحكمة، وأنت تعلم أن معظم تلك الآراء والمعتقدات غير مقبولة لدي.

هذا العمل يتطلب وقتًا، وأنا محروم منه حاليًا، ولكن إن شئت، سأكتب لك ما هو مقبول ومحبب لدي من يقينيات العلوم العقلية وحقائق الحكمة والفلسفة والتصوف والمنطق والرياضيات وغيرها.

أخبرني الأستاذ أنني سأسمي هذا الكتاب "الشفاء"، وأنه سيشمل جميع العلوم بشكل كامل وشامل، بحيث يكون لدى الأجيال القادمة جميع العلوم العقلية والحكمة والفلسفة في مكان واحد وفي وعاء واحد. سيكون هذا الكتاب موسوعة للعلوم العقلية، كما أن كتاب الأستاذ "القانون" موسوعة للطب وصناعة الأدوية.

منذ يوم استقال من الوزارة و لجأ إلى هذه الزاوية، وطلبت من الأستاذ أن يفي بوعده وينتهي من كتابة كتاب الشفاء... وهو يكتب بلا توقف منذ أربعين يومًا الى الآن، وأنت وأنا نجفف ونغلف ونحيط بكل ما كتب بحماس...

وبينما كان أبو غالب يهز رأسه موافقًا لأبي عبيد، نظر إلى الزقاق وقال بصوت عالٍ:

"الوقت متأخر... حلّ الليل ولم يأتِ... هل من الممكن أن يكون قد أصابه مكروه؟" فكّر أبو عبيد في هذه الكلمات، وفجأة ارتبك وتلعثم:

"كان عليّ أن أعرف من قبل... خادم الشيخ الرئيس السابق، الذي خان ممتلكات سيده، وهو على اتصال بأقارب تاج الملك، كان يلاحق خادمك اليوم، ويلاحقه في كل مكان. يجب أن نجد مخبأً آخر للسيد بو علي...".

في بلاط الملك الديلمي الشاب، كان تاج الملك يروي للملك بفخرٍ وتباهي قصة أسر ابن سينا، ويتفاخر بهذا النصر. في الوقت نفسه، ارتفع الستار خلف القاعة، ودخلت كدبانو في القاعة، أرملة شمس الدولة ووالدة سماء الدولة، وهي لا تزال ترتدي ثياب الحداد، وقالت: "أمرتُ بإطلاق سراحه".

أنقذ دعم والدة الملك ابن سينا من الموت. لم يكن أمام المتنمرين سوى الحكم عليه بالسجن في أحد أفضل قلاع الديلم. انتهز ابن سينا هذه الفرصة للدراسة وتأليف كتاب. أكمل كتاب "الشفاء"، بالإضافة إلى أربعة كتب أخرى: كتاب في معرفة وعلاج المغص، وهو الداء الذي تسبب في وفاة شمس الدولة، وكتاب في خصائص الهندباء وقصة "حي بن يقظان" الخالدة، وهي قصة فلسفية، وأخيرًا كتاب "الهداية" في علم المنطق وأصول الفلسفة.

بعد أربعة أشهر فقط من اعتقال ابن سينا وسجنه، هُزم تاج الملك، عدوه اللدود، في حرب مع حاكم أصفهان، وللتعويض عن هذه الهزيمة، ذهب إلى نفس القلعة التي سُجن فيها ابن سينا. ولمنع استمرار الحرب، اضطر إلى إعادة ابن سينا إلى همدان بإكرام واحترام، لأنه كان يعلم أن حاكم أصفهان يكنّ احترامًا وتقديرًا كبيرين لابن سينا، وأن معاملته الجيدة مع ابن سينا قادرًا على تهدئة غضب حاكم أصفهان.

لكن بو علي كان يعلم جيدًا أنه لا يزال أسيرًا ورهينة لدى تاج الملك. كان جواسيسه يراقبون جميع مخارج المدينة ومنزله وتحركاته، وفي كل منزل كان يسكنه كان أسيره تقريبًا، إلا في منزل واحد، وفي هذا المنزل فقط لم يكن لسلطة تاج الملك أي تأثير.

لم يكن لهذا المنزل أبراج ولا أسوار ولا جنود ولا حراس، لكنه كان مأوى روحيًا آمنًا لا يمكن لفتن تاج الملك دخوله. يكاد لا يوجد أحد في العراق والري وأصفهان إلا وقد سمع بشهرة هذا المنزل وروحانيته، وببركات وشرف وكرامة عائلة السادات العلوية.

كانت حديقة السادات تضم العديد من المنازل والأضرحة، ومسجدًا، ومدرسة، ومكتبة، وخانات وبيوت ضيافة مزخرفة، وكانت دائمًا ترحب بالشيوخ والشعراء والعلماء والمتصوفين، أو أي شخص غريب أو محتاج دون أي أسئلة.

في أوائل عام ٤١٤ هـ، ازدادت شهرة هذا البيت الروحي شهرةً، إذ لبى الشيخ الرئيس أبو علي سينا، بعد عودته من المنفى، دعوة السيد العلوي، واختار ركنًا آمنًا في ضريح "كنبد سرا" الشهير الواقع في نهاية الحديقة. لم تكن لديه رغبة في الدراسات والنقاشات العلمية، بل رغب في مزيد من العزلة والتفكير والكتابة وتأليف أعمال علمية وفلسفية جديدة، وإكمال ما لم يُكمله من كتب.

أما ابن سينا، فكان يبحث عن فرصة مناسبة لقبول دعوة علاء الدولة والتوجه إلى أصفهان. استمر جواسيس تاج الملك في مراقبة الشيخ الرئيس والطرق والبوابات، ولكن رغم ذلك، لم يلفت مرور خمسة دراويش أشعثين، يحمل كل منهم حزمة خبز على كتفه، وقد عبروا البوابة الشمالية الشرقية وهبطوا على بُعد ميل من المدينة بجانب جدول جارٍ حيث لم يلفت نظر حراس البوابة.

ارتفع منسوب مياه الجدول في صباح ذلك الربيع، وكان عبوره مستحيلاً إلا على ظهور الخيل. كان المسافرون المنهكون ينظرون في كل اتجاه، ينتظرون وصول الرعاة. لكن شيخهم كان يسير بهدوء وسكينة، مستمتعاً بمنظر بساتين وسهول ومروج وتلال ماهور.

وفي الوقت نفسه، تنهد وقال لأحد رفاقه: يا أخي محمود! ما أشبه هذه السهول بمسقط رأسنا "أفشنة"، والأغرب من ذلك أن اسمها يشابه أيضاً "أفشنة"؛ "آبشينة"...

لو كنا بأمان من هؤلاء الحاقدين، لبقينا في هذا المكان بضعة أيام. إن زيارة هذه البساتين والتلال والينابيع تُحيي ذكرى مسقط رأسنا ولطف آبائنا وتضحياتهم. لكن يا للأسف، لا بد أن نذهب.

ثم قال لدرويش آخر كان يقف خلفه:

"أبو عبيد! علينا أن نجد حصانًا بأسرع وقت، أو أن نبحث عن طريق آخر لعبور النهر، ونتخلص من عناء البحث عن تاج الملك. أعتبر هذه المحطة الأولى فألًا حسنًا، وأرجو أن يكون في انتظارنا، بإذن الله، السلامة والبركات، وأن مدينة أصفهان والأمير علاء الدولة يتطلعان إلى رحلتنا".

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة