الخصم الجائر

السبت 12 أكتوبر 2019 - 09:55 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 72

 

ملامحه المتعبة المكدودة ، تحكي عن معاناة السنين الطويلة ....
واسماله البالية تصرح بفقر وفاقة مقيمين ...!
وعلى وجهه توزعت ندوب غائرة ، معبرة عن صراع ، عن مكابدة ، بدا معها الرجل ، في ضعف عمره الحقيقي ...!
في المدينة المنورة ، ولد ونشأ ، وعمل اعمالا شتى ... بيد انه لم يمتهن – كغالب المدنيين – التجارة أو الزراعة ...فالتجارة تريد رأسمالا ، لايتسع له جيبه ...، والزراعة تتطلب قوة يفتقدها بدنه...!!
ولهذا فقد عاش فقيرا مدقعا ، يختلس لقمة العيش اختلاسا ...!
الفقر هذا الضيف الثقيل ، لم يكن الوحيد الذي زامله ، في رحلة الحياة الشاقة ... بل كان يسير جنبا الى جنب مع نقيضه ...!! اجل نقيضه ..!.... فهو وبقدر ماكان فقيرا ، كان غنيا ...! ...بل ان غناه هو الذي أطمع به الفقر، وجعله ملازما لبابه لايتحول عنه ..!
كان غني النفس ، عفيفا ، لايفكر- مجرد تفكير – بسؤال الناس يوما ، فضلا عن أن يسأل بالفعل ، او يلحف بالسؤال ...!
لكنه وجد نفسه ذلك اليوم ، وقد ضاق صدره ...أحس كما لو ان أحدا يأخذ بخناقه ...يضيّق عليه انفاسه ...فأراد ان يتنفس الهواء الطلق ...!
ابتعد عن كوخه الصغير المتواضع أطراف المدينة ... قطع عشرات الازقة ...وفي رحبة تتوسط البيوت ، شاهد مجموعة من الصبية يلعبون ...
اُخذ بضحكاتهم التي كانت تملأ الرحاب ....ضحكات صافية رقراقة ، منطلقة من قلوب غضة ، لم تخبر هموم الحياة ، ومسوولياتها الثقيلة ...عفوية بريئة مما يشوب ضحك الكبار ومرحهم ...!
وبعد أن رأى أن وقوفه قد طال ، جلس مسحورا بعالم الصغار..!!
تعب الاطفال او ملوا كثرة اللعب ، بيد انهم لم يملوا الكلام والضحك ...فجلسوا يستريحون ، وقد اخذ كل واحد منهم بكسيرة خبز ...
ومن مكانه ، حيث كان يرنو اليهم..رأى رجلا على دابة مقبلا..
وما أن اصبح على مقربة من الصغار، حتى راح يستمهل دابته ، وكأنه قد استأنس بأحاديثهم وضحكاتهم ...!
..وانتبه الصغار متأخرين ، فكفوا عن الكلام ، وتهامسوا متهيبين:
- ابن رسول الله ..! الحسن ..الحسن ...!
ألقى (ع) التحية عليهم ، فردوا جميعا وبصوت واحد :
- وعليكم السلام ...! ...واتت احدهم الجرأة ، فتقدم من الامام ، عارضا عليه مافي يده من بقية خبز...!
أضاءت وجه الامام ابتسامة محببة ..فترجل عن دابته ، ثم تناول كسيرة الخبز من يد الصغير...فاندفع الآخرون ، مقتفين اثر زميلهم ...
اتسعت ابتسامة الامام ، وراح يلتقط كسيرات الخبز من الايدي الصغيرة ، الممدودة نحوه...!
ابتسم الرجل الفقير أيضا ، وهو يرقب المشهد بارتياح...
ثم فوجئ بالصغار يلتفون حول الامام ، الذي راح يتابع سيره بصحبتهم ....فعرف انهم تلقوا دعوة منه ...
فغذ هو الآخر السير إثرهم .
سمع به كثيرا ، ورآه على البعد مرات ومرات ، من غير ان يتسنى له رؤيته أو مجالسته ، ولو لمرة واحدة ...
ملامحه النورانية البهية ، لم تُخطأ ملامح جده الرسول (ص) ، ونظراته النافذة ، تحاكي صلابة ابيه أمير المؤمنين (ع) ،
وشهرته العريضة ، غطت الآفاق : " كريم أهل البيت " ..!
..لايدري مالذي دهاه ، عندما رآه مقبلا ...ثم وهو يعامل الصغار، بكل ذلك اللطف والحدب ...!
شعر انه لمس برؤيته ، افقا جديدا للانسان ...عالما زاخرا بالنبل ، يغدق على من حوله ، من حبه ورأفته ورفقه ، وروحه ايضا ..!!
كان يسير خلف قافلة الصغار، التي توسطها الامام ... وكانت اصواتهم تتناهى اليه ...يستمع اليه يلاطفهم ..يتبسط معهم في الحديث ...فيعجب لتلك الروح الكبيرة ، التي حملها هذا الانسان .
بدأ يحس ببصيص نور ينسرب الى نفسه ، رويدا رويدا ...
ذلك ان صراعه المرير مع الحياة ، لم يره الا الوجه الكالح منها ...ومكابدته قسوتها وحيدا ، أفقدته الثقة بالناس...فحسب ان الجميع انانيون ، جفاة ، نزعت من قلوبهم الرحمة ...يمرون على انين الجياع ، وكأن في آذانهم وقرا ..! ..وينظرون الى الايدي الممدودة بالحاجة على طول الطريق ، وكأن على عيونهم غشاوة....!
أجل ... بدأ يتكشف له الوجه الآخر من الحقيقة ...فلقد بنى الوهم جدارا من عدم الثقة بينه وبين الناس ....
فالحياة التي تقمعها القسوة ، لاتخلو من لمسات الرحمة ، والطبيعة التي يخيم عليها الظلام ويزري بها القبح ، لاتعدم أن تزخر بالضياء ، وتزدان بالجمال .
وتساءل مع نفسه :
- أكان يجدر بي أن أدع الوهم يحكم عالمي ؟!...بل أيحسن بي أن أعتزل الناس ، فاصبح مرمى لصروف الزمان ، كالشاة الشاذة عن القطيع ؟؟!!
أطلق زفرة قوية ثم أردف :
- هل يجمل بأحد يرى فعال هذا الرجل الكريم ، ولا يشكو اليه همه ، قبل ان يطمع بنيل سيبه وجوده ..؟!!
إنتبه الى نفسه ، يقف وحيدا على عتبة الدار، بعد ان سبقه الصغار اليها ...فخجل وتهيب الدخول ، ثم هم بالعودة ... الا ان شابا أسمر، خرج منها في تلك الحظة ، ليقول له : إن صاحب الدار، يدعوك ..!
كانت ضحكات الصغار تملأ فناء الدار، وهم يتهيؤون لمغادرتها...فيما وقف الامام يودعهم ، وهو يقول لمن حوله:
- الفضل لهم...لأنهم لم يجدوا غير ماأطعموني ، ونحن نجد أكثر مما أطعمناهم ...
وفيما بدأ الصغار بالخروج ...وقف الشاب الاسمر، عند عتبة الدار، مناولا كل واحد منهم صرة فيها لباس .
كان الرجل الفقير ، يرقب بدقة ، كل ماتقع عليه عيناه ...وقد بهرته كثرة الوافدين على الدار ، واختلاف غاياتهم ....
فهذا زائر، وهذا مستشرع ، وثالث طالب علم ، ورابع طالب حاجة ، وخامس...وسادس..و..و..
ووسط ذلك الجمع ، احس انه بدأ يتغلب على بعض تردده ، ويألف ماحوله ....
لكنه بقي حائرا ، كيف له ان يعبر عن حاجته ...؟!...ان نفسه لاتطاوعه أن يقول أنني فقير بائس ...أو انني أعاني العوز، وبحاجة الى من يعينني ...! تلك كلمات يشق عليه قولها...! يشعر انها تمس عزته بالصميم..!
.. إذن ماذا عليه ان يفعل ، أو الاحرى ان يقول ..؟!
تلفت حوله بهدوء ...فتهيب الكلام ..أن يقف وسط هذا الجمع ، ليعلن حاجته..امام كل هذه العيون التي تحدق به وتترصده ...وكأنها تنفذ الى اعماقه ، لتفضح بؤسه وتعاسته...!
....وبعد تأمل طويل ...حسم الامر مع نفسه ..سينتظر...حتى اذا ماغادر الجميع ؛ أدلى بحاجته ....
شعر بشئ من الارتياح لهذا القرار...وقل توتره ...!
وشيئا فشيئا بدأ الجمع ينفض ...ثم جاء دور الاخير فانصرف...ولم يبق هناك من أحد ، غير الامام والشاب الاسمر وهو ثالثهم ...
فدنى من الامام ، يلفه الحياء ، وقال:
- ياابن أمير المؤمنين..! بالذي انعم عليك بهذه النعمة ، التي مانلتها منه بشفيع منك اليه ، بل انعاما منه عليك ....الا ماأنصفتني من خصمي ، فانه غشوم ظلوم ، لايوقر الشيخ الكبير ، ولايرحم الطفل الصغير...!!
كان الامام متكأ فاستوى جالسا ، وقد برقت عيناه ، وتساءل باهتمام :
- من خصمك ، حتى انتصف لك منه ؟!
رد الرجل ، وقد سر لانه استطاع اثارة اهتمام الامام :
- الفقر...!!.......، قال وهو مطرق...
ابتسم الامام ، وقد اطرق هو الاخر، ثم رفع رأسه مخاطبا الشاب الاسمر:
- إحضر ماعندك من موجود ..!....فذهب الشاب ثم عاد وقال:
- هذه خمسة آلاف درهم ...!....فقال الامام :
- إدفعها اليه ...!
انبسطت أسارير الرجل ، وبدا كمن يبحث عن كلمات ، يعبر بها عن إمتنانه... الا ان الامام بادره قائلا :
- بحق الاقسام التي اقسمت بها عليّ ...!! متى أتاك خصمك جائرا ، الا ماأتيتني منه متظلما...!!

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم