البث المباشر

الصبر الفاطمي الجميل

الأربعاء 9 أكتوبر 2019 - 11:36 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- من الاخلاق الفاطمية: الحلقة 24

إخوتنا وأعزتنا المؤمنين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رغم أنّ حياةَ الصدّيقة الزهراء فاطمة عليها السلام كانت معاناةً وآلاماً، فقد فاضت على الناس رحمةً وشفقةً وهداية. فلقد فتحت عينيها الشريفتين في الوجه المبارك لأبيها فقرأت فيه أتعاب حمل الرسالة، والتفتت في ثنايا دارها فوجدت أمّها قد هجرنها نساءُ قريش، ودرجت بين أبويها وهي تعي إيذاء قريشٍ والمشركين، وما أسرع أن فقدت أمّها الحنون، فعاشتِ اليتمَ منذُ صغر سنّها. ثمّ فقدت عمّ أبيها وحاميه أبا طالب سلامُ الله عليه فكان ذلك العامُ عامَ الأحزان على والدها المصطفى صلى الله عليه وآله، فجاء الأمرُ الإلهيُّ بالهجرة عن الوطنِ مكة.
وبعد ذلك كانت المعاناةُ في صورٍ أخرى، من الفقر والحروب، وأمّا بعد رحيل ابيها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقد توالت المصائب، من فقد النبيّ، إلى غصب الوصيّ، إلى الهجوم على الدار، ويكفي إدراك شيءٍ من ذلك ما رشح من بثّ الزهراء قولها:

صبّت عليَّ مصائبٌ لو أنّها

صُبّت على الأيام صرن لياليا


فقابلت فاطمةُ الزهراء ذلك كلّه بصبرٍ جميل، ورضى بقضاء الله تبارك وتعالى، ولم يصدُر منها انتقامٌ أو حقد، بل جادت على هذه الأمّة بالنصيحة والتحذير، والموعظة والتذكير، تريد صلاح الناس وأوبتهم إلى الحقّ، وتلك كانت رحمة الزهراء فاطمة عليها أفضل الصلاة والسلام.
في كتابه (في نور محمّد.. فاطمة الزهراء) كتب الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود: "بالآلام.. قيس عمرها، لا بالأعوام أهدابُها لم تعُد تجفُّ من دموع، في دخيلتها عشّش الحزن وأقام، الجوُّ حولها كآبة، الملامحُ وجوم". إشفاقُها على أبيها كان محور الشعور، كانت لا تأمن قومه عليه، تخاف ممّا يبدون في العلن، وممّا عساهم يدبّرون في الخفاء، تشيم خطرهم في ظواهر السلوك، وخبايا الكتمان. ولم تكن تخشاهم عليه من عنفوان قوّة، ولا من صلابة عزم، ولكنّها خافت عليه منهم طول اللّجاج، وضيق الأفق، وسدورهم في عنادهم الأهوج إلى أقصى آماده. خافت عليه كفرهم أن يعرقل مسيرته بهم إلى الهداية، وخافت عليه من عنتهم غلوّهم في شقاقه!.
أجل أيها الإخوةُ الأكارم لكنّ ذلك كلّه لم يغير أية سجيةٍ طيبةٍ في الزهراء فاطمة، إذ كانت تلك الإنسانة الحنون التي تريد الخير للجميع، وتتمنّى السعادة للناس، وكم أكرمت وجادت على الفقراء والمساكين والمستضعفين، وكم أطعمت من يديها المباركتين، ووهبت وأنفقت وتفضّلت على الحيارى والمحرومين. وقد بلغ بها الرفقُ أن قسمت خدمةَ المنزل بينها وبين خادمتها فضّة، فجعلتِ الخدمة يوماً عليها ويوماً على فضّة. وذلك خلقٌ عظيم فيه التواضع من جهة والزهراء هي سيدةُ البيت، بل سيدة نساء العالمين، وفيه الرحمة من جهةٍ أخرى بتلك المرأة المستضعفة فضّة رضوان الله عليها. وقد كانت أمةً فأصبحت شخصيةً مشمولةً بأنوار الزهراء وأهل بيتها صلوات الله عليها وعليهم، إذ كانت معهم في قصّة الإطعام، إطعام مسكينٍ ويتيمٍ وأسير، وهم صيامٌ فباتوا جياعاً لم يفطروا إلاّ على ماء قراح. وقبل ذلك: قيل بأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله خرج يوماً من عند فاطمة، فأنزل الله على رسوله: "وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً" (الإسراء:۲۸ )، فأنفذ رسول الله صلى الله عليه وآله جاريةً إلى ابنتهِ فاطمة للخدمة، وسمّاها فضّة. فحظيت بألطاف الزهراء وعناياتها.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة